د. محمد عباس ناجي يكتب: لماذا يتصاعد الجدل الإيراني حول الاختراقات الأمنية المتتالية؟

profile
  • clock 8 يونيو 2022, 4:43:54 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01
google news تابعنا على جوجل نيوز

أعلنت السلطات الإيرانية عن وفاة كل من العقيد في “فيلق القدس” علي إسماعيل زاده، والخبير بمجال الصواريخ أيوب رمضاني، في 3 و4 يونيو 2022؛ إذ عزت أسباب الوفاة إلى سقوط الأول من شرفة منزله “انتحار”، وإصابة الثاني بـ”تسمم غذائي”، لكن هذه الرواية بدا منذ البداية أنها تواجه إشكالات تقلص من مصداقيتها؛ لسببين: الأول أنها تتزامن مع تزايد الاختراقات الأمنية الإسرائيلية؛ حيث تمكنت الاستخبارات الإسرائيلية من اغتيال العقيد في “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري حسن صياد خدايي أمام منزله في 22 مايو الماضي، ثم شنت هجوماً بطائرات من دون طيار على منشأة بارشين التي تضم مقراً للطائرات من دون طيار في 27 مايو الماضي. وهنا فإن هذا التزامن يضفي وجاهة خاصة على التكهنات التي تشير إلى أن هناك أسباباً أخرى للوفاة.

والثاني ما راج على بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي من أن إسماعيل زاده لم ينتحر، بل قُتل على يد عناصر من الحرس الثوري، بعد أن تم الاشتباه في تقديمه معلومات إلى الاستخبارات الإسرائيلية كان لها دور في تخطيط وتنفيذ عملية اغتيال خدايي. وتستند هذه الجهات، في هذا السياق، إلى ما تناقلته وكالات قريبة من الحرس الثوري، مثل حساب موقع “صابرين نيوز”، من أن إسماعيل زاده قد اغتيل قبل أن تُحذَف هذه التقارير سريعاً.

اعتبارات عديدة

يمكن تفسير تصاعُد الجدل حول هذه الأحداث خلال الفترة الأخيرة داخل إيران في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها فيما يأتي:

1- تفاقُم الصراع بين الأجهزة الأمنية الإيرانية: يبدو أن هناك صراعاً بين الأجهزة الأمنية الإيرانية، تحولت هذه الحوادث بموجبه إلى آلية للتوظيف، بهدف توجيه اتهامات متبادلة وشن حملات غير مباشرة. وقد بلغ هذا الصراع ذروته مع إعلان الحرس الثوري، في 14 مارس الماضي، تأسيس قيادة لحماية المنشآت النووية الإيرانية. وجاء ذلك بعد نحو عشرة أشهر من إعلان مؤسسة الدفاع المدني عن تأسيس قيادة واحدة تتولى تأمين المنشآت النووية وحمايتها ضد أي محاولات للاختراق. وقد استغل الحرس الثوري إعلانه تفكيك خلية تابعة للموساد لتأكيد اضطلاعه بالدور الجديد، على نحو يوحي بأنه كان هناك تنافس، أو بالأحرى صراع، على حماية المنشآت النووية بين الحرس ووزارة الاستخبارات، ومن خلفها منظمة الدفاع المدني.

2- نجاح إسرائيل في اختراق إيران على نطاق واسع: تمكنت إسرائيل من اختراق إيران على نطاق واسع خلال المرحلة الماضية؛ فبعد مرحلة اغتيال العلماء النوويين في الفترة من 2010 و2012، نجحت إسرائيل في الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني في يناير 2018، ثم شنت هجمات نوعية داخل المنشآت النووية، على غرار مفاعل نطنز الذي تعرض لهجومين في يوليو 2020 وأبريل 2021. وقد وصل الاختراق إلى درجة أن الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد اتهم المسؤول عن هيئة مكافحة التجسس في وزارة الاستخبارات، بالتجسس لصالح إسرائيل؛ حيث قال في 12 يونيو 2021 إن “ذلك جعل إسرائيل تنجح في تنفيذ عمليات تجسس كبيرة في إيران، منها الاستيلاء على وثائق نووية وفضائية من مراكز حساسة”، مشيراً إلى وجود “عصابة أمنية” داخل إيران.

3- تأسيس النظام أجهزة أمنية موازية: ربما يكون هذا الجدل مرتبطاً بما سماه وزير الاستخبارات الأسبق علي يونسي (تولى منصب مستشار الرئيس السابق حسن روحاني لشؤون الأقليات)، في حواره مع موقع “جماران” في 29 يونيو 2021 “انتشار الأجهزة الأمنية الموازية” التي كان الهدف من تأسيسها تقليص أهمية الدور الذي تقوم به وزارة الاستخبارات، على نحو ساهم في تضارب صلاحياتها، وكان سبباً في حدوث ثغرات أمنية أدت إلى تعرض إيران لهذه الضربات النوعية المتتالية، خاصةً أنها منحت الأولوية للتنافس فيما بينها. وقد وفر ذلك فرصة لجهاز الموساد من أجل النفاذ إلى كل مؤسسات النظام، على نحو سهَّل له تنفيذ تلك العمليات التي استهدفت المنشآت النووية والصاروخية والعلماء والقادة في القطاعَين.

4- افتقار الأجهزة الأمنية إلى عمليات الإصلاح وإعادة الهيكلة: وذلك على نحو تسبب في ترهلها بدرجة كبيرة، وتراجع قدرتها على القيام بمهامها، وتعزيز قدرة الأجهزة الأجنبية على اختراقها، وهو ما أشار إليه الأمين العام لمجلس تشخيص مصلحة النظام محسن رضائي (مساعد الرئيس الحالي للشؤون الاقتصادية)، الذي قال في 14 أبريل 2021، عقب الهجوم الثاني الذي تعرضت له منشأة نطنز، إن “البلاد تعاني من تلوث أمني”، مضيفاً أنه “جرت العادة على مستوى العالم أن تحدث عملية تطهير وإعادة هيكلة داخل الأجهزة الأمنية كل عشرة أعوام أو عشرين عاماً، إلا أن ذلك لم يحدث داخل إيران التي ربما لم تُجْرِ مثل هذه العملية منذ ثلاثين عاماً”.

5- تبني روايات ضعيفة ومضللة بشأن الهجمات الخارجية: كان لافتاً أن النظام الإيراني حرص في بعض الأحيان على تبني روايات مضللة للأسباب التي أدت إلى تعرض بعض منشآتها لهجمات، أو تعرض بعض قادتها للقتل أو الاستهداف، ثم سرعان ما يعود من جديد للاعتراف بحدوث تقصير أمني، على نحو أضفى – بصفة دائمة – حالة من الشكوك وعدم الثقة بالروايات التي يروج لها النظام حول مثل هذه الحوادث.

فعقب الهجوم الذي تعرضت له منشأة كرج لإنتاج أجهزة الطرد المركزي في 23 يونيو 2021، أعلن قائد الحرس الثوري علي فدوي أن العملية فشلت ولم تؤد إلى خسائر بشرية أو في المباني. إلا أن إيران اضطرت إلى الاعتراف بعد ذلك بحدوث العملية التي يبدو أنها فرضت تداعيات خطيرة على المنشأة لدرجة أنها تسببت في تدمير بعض كاميرات المراقبة التي كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد ركبتها داخل المنشأة لمراقبة الأنشطة التي تقوم بها إيران. وقد بدا واضحاً حجم التأثير الذي تعرضت له المنشأة عندما قامت إيران، في 17 أبريل 2022، بنقل عمليات إنتاج أجهزة الطرد المركزي إلى موقع تحت الأرض في نطنز؛ وذلك لحمايتها ضد أي عمليات أمنية محتملة.

تحركات مستمرة

ربما يمكن القول إن الاختراقات الأمنية الإسرائيلية داخل إيران سوف تتواصل خلال المرحلة القادمة. وقد تسعى إيران إلى رفع كُلفة هذه الاختراقات؛ من أجل ردع إسرائيل ومنعها من الاستمرار فيها، إلا أن ذلك قد لا يدفع تل أبيب إلى تبني هذا الخيار، بل إنها قد تتجه إلى رفع مستوى تلك العمليات من أجل عرقلة جهود إيران لتطوير البرنامج النووي، لا سيما إذا فشلت مفاوضات فيينا في الوصول إلى تسوية لأزمة الاتفاق النووي نتيجة الخلافات التي يتسع نطاقها تدريجياً بين إيران وكل من الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية التي بدت حريصة على توجيه انتقادات بشأن عدم تعاون إيران معها بقدر كافٍ في الإجابة على بعض الأسئلة الخاصة بأنشطة متعلقة بآثار اليورانيوم في بعض المنش


إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)