عالم ما بعد غزو أوكرانيا.. هكذا غيرت واشنطن استراتيجيتها بالشرق الأوسط

profile
  • clock 17 فبراير 2023, 11:31:55 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

سلط "المركز العربي بواشنطن" الضوء على أسباب وآثار تغيير الولايات المتحدة استراتيجيتها للشرق الأوسط، في ضوء المتغيرات الدولية الأخيرة، مشيرا إلى أن تقليص التزامات الولايات المتحدة في المنطقة والتحول إلى آسيا كان موضوعًا ساخنًا بين محللي السياسة الخارجية وخبراء الشرق الأوسط منذ طرح الفكرة في الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما".

وذكر الزميل بالمركز تشارلز دن، في تحليل أورده موقع المركز الرسمي وترجمه "الخليج الجديد"، أن الولايات المتحدة لم تعد منخرطة في عمليات قتالية كبيرة في أي مكان بالشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا، بعد النهاية الرسمية لمهمتها القتالية في العراق، عام 2011، وانسحاب قواتها من أفغانستان، عام 2021.

وأضاف: "يبدو أن صعود الصين والأهمية الاقتصادية المتزايدة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ تتطلب مشاركة أكبر من قبل الولايات المتحدة".

وبدت مشاكل الشرق الأوسط المستعصية على ما يبدو، مثل الصراع العربي الإسرائيلي والتهديد الإيراني، منيعة أمام عقود من الاهتمام الدبلوماسي أو العسكري الأمريكي. ويعتقد الكثيرون في مجتمع السياسة أن الولايات المتحدة ستكون أفضل حالًا من خلال تحويل الموارد، وإيلاء اهتمام أقل لمشاكل الشرق الأوسط، والتركيز على التحديات الأكثر خطورة في أماكن أخرى، وفق التقرير.

ومع ذلك، فقد أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى تحول جذري في أولويات الولايات المتحدة الدبلوماسية والأمنية. ومع اشتداد المنافسة بين القوى العظمى في الشرق الأوسط، تحول الدافع الأولي للرئيس الأمريكي "جو بايدن" لتقليل مشاركة الولايات المتحدة في المنطقة وتوبيخ قادتها على انتهاكاتهم الفظيعة لحقوق الإنسان، إلى سياسة جديدة للتغلب على روسيا والصين ومواجهة إيران في الوقت نفسه. وهذا يعني، جزئيًا، تحمل الولايات المتحدة التزامات سياسية وأمنية جديدة ومرهقة بشكل متزايد.

التزام دفاعي

ويتابع دن: اليوم، يبدو أن الولايات المتحدة مستعدة لتحمل المزيد من المسؤوليات عن الشؤون الدفاعية لشركائها، بما في ذلك الضمانات الأمنية التي لم يكن من الممكن تصورها قبل بضع سنوات فقط.

ويتم تعزيز هذه الالتزامات الجديدة من خلال الوجود العسكري الأمريكي الضخم وطويل الأمد في المنطقة، والذي يظهر كل مؤشر أنه سيكون دائما. فالولايات المتحدة تحتفظ حاليًا بما يتراوح بين 40 ألفا و60 ألف جندي في 21 دولة في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية، وهو رقم يختلف تبعًا للمتطلبات الإقليمية وتناوب القوات.

وتتمركز هذه القوات بشكل أساسي في قواعد بالأردن والعراق وشبه الجزيرة العربية، وتركز مهامها على مكافحة الإرهاب، وكذلك على ما يمكن وصفه بأنشطة "الأمن والاستقرار الإقليميين"، بما في ذلك التدريبات وأشكال أخرى من التعاون الأمني، بحسب التقرير.

ويشير الزميل بالمركز العربي بواشنطن، إلى أن كل هذا يرقى إلى مستوى وجود أمريكي ضخم ودائم في الشرق الأوسط، كما صرح الخبير السياسي مارك لينش، قائلا: "قد تكون شبكة القواعد وعمليات الانتشار الأمريكية منخفضة عند مقارنتها بمنتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولكنها أكثر شمولاً مما كانت عليه خلال ذروة لحظة أحادية القطبية الأمريكية في التسعينيات".

وقال وكيل وزارة الدفاع الأمريكية للسياسة، كولن كال، في حوار المنامة الذي عقد في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي: "لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة بالمنطقة. نحن هنا ولن نذهب إلى أي مكان".

ولذا فإن تبلور التحركات الأخيرة للولايات المتحدة لحماية مصالحها في الشرق الأوسط، تظهر أن لحظة انسحاب واشنطن من المنطقة قد ولت.

ويرى التقرير، أنه وسط الاضطراب والرسائل المختلطة في السنوات القليلة الماضية، كان محللو الشرق الأوسط البارزون يقدمون حجة قوية لإعادة تقييم شامل للوجود الأمريكي في المنطقة.

وجادل آرون ديفيد ميلر، وريتشارد سوكولسكي، بأن "الشرق الأوسط المضطرب أصبح بالتأكيد أقل أهمية للسياسة الخارجية الأمريكية"، وأن "القيادة الأمريكية لا يمكنها لعب دورًا رئيسي في قيادة المنطقة إلى مستقبل أفضل".

وفي المقابل، دعا آخرون، بمن فيهم مستشار الأمن القومي بإدارة بايدن، جيك سوليفان، إلى سياسة من شأنها أن تكون "أقل طموحًا من حيث الغايات العسكرية التي تسعى إليها الولايات المتحدة وفي جهودها لإعادة تشكيل الدول من الداخل، ولكن أكثر طموحًا في استخدام الولايات المتحدة نفوذها ودبلوماسيتها للضغط من أجل تخفيف حدة التوترات".

ومع وجود سوليفان في البيت الأبيض، افترضت إدارة بايدن، أن الدبلوماسية الأمريكية الإبداعية يمكن أن تشجع الجهات الفاعلة الإقليمية على التفاوض بشأن خلافاتها وإيجاد طرق جديدة للتعاون، وتجنب الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي كبير أو تدخل دبلوماسي متكرر للتعامل مع صراعات الشرق الأوسط.

وبمرور الوقت، أصبح احتضان بايدن الحماسي للانتصار الدبلوماسي الذي حققته إدارة سلفه دونالد ترامب بتوقيع "اتفاقيات إيراهيم" التي أدت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب والسودان، أساس سياسته في الشرق الأوسط.

غزو أوكرانيا

ويلفت دن في تقريره إلى الغزو الروسي لأوكرانيا كان كلمة السر في تغيير الاستراتيجية الأمريكية، حيث أجبر الاضطراب في أسواق النفط العالمية بايدن على التخلي عن خطه المتشدد السابق تجاه السعودية وولي عهدها محمد بن سلمان، وفي يوليو/تموز 2022، وجد أنه من الضروري زيارة المملكة ودعوة بن سلمان لزيادة إنتاج النفط في محاولة لكبح أسعار الطاقة.

ورغم أن تلك الجهود لم تنجح، فإن زيارة بايدن كانت حاسمة لسبب آخر، فقد شكلت نهاية أي خطط فورية لإخراج الولايات المتحدة من بالمنطقة، وبدء عملية لتعميق العلاقات السياسية والأمنية الأمريكية مع الأنظمة الاستبدادية الإقليمية.

فخلال رحلته، أعلن بايدن أن الولايات المتحدة "لن تنسحب من الشرق الأوسط وتترك فراغًا تملؤه الصين أو روسيا أو إيران"، ووعد بإظهار "قيادة أمريكية نشطة وقائمة على المبادئ".

وأظهر هذا الإعلان أن الحرب في أوكرانيا والتوترات المتصاعدة باستمرار بين الولايات المتحدة والصين قد قفزت فجأة إلى قمة أجندة السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وفي جدة، التقى بايدن قادة دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى قادة مصر والعراق والأردن، حيث أكد، وفقًا لبيان البيت الأبيض، على "مركزية" الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة، وسلط الضوء على التزام أمريكا الدائم بالأمن والدفاع عن أراضي شركاء الولايات المتحدة.

تحالف دفاعي

ويستطرد الكاتب أن ما يعنيه ذلك أصبح واضحا حتى قبل زيارة بايدن إلى السعودية، إذ أشارت الولايات المتحدة إلى أنها تدعم ما يسمى بـ"تحالف الدفاع الجوي للشرق الأوسط"، الذي تنظمه إسرائيل بنشاط، مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بمشاركة سعودية محتملة.

ويتطلب تشريع قدمه البنتاجون مؤخرًا إلى الكونجرس تطوير خطة لـ"نظام دفاع جوي وصاروخي متكامل" يهدف في المقام الأول إلى حماية أعضاء مجلس التعاون الخليجي الستة، بالإضافة إلى إسرائيل ومصر والأردن والعراق من الهجمات الإيرانية.

وقد لا يكون مخطط الدفاع الجوي المتكامل سوى غيض من فيض، إذ يتردد أن الولايات المتحدة تدرس الالتزام الرسمي بالدفاع عن دول الخليج ضد التهديدات الخارجية، وفق التقرير.

ومع هذه التحركات الأخيرة لتعزيز العلاقات مع الخليج وشركاء وحلفاء إقليميين آخرين، يبدو أن الولايات المتحدة تعترف ضمنيًا بأنها لا ترى مخرجًا من الشرق الأوسط في الوقت الحالي.

ويصل الكاتب في التقرير إلى تحليل مفاده أن الوضع الدولي الحالي لن يسمح بفك الارتباط، فضلاً عن جاذبية البنية السياسية والعسكرية لواشنطن في المنطقة، وهي البنية التي لا تقتصر على العلاقات الدبلوماسية، بل تشمل أيضًا شبكة واسعة ومربحة من المصالح الاقتصادية، لا سيما مبيعات الطاقة والأسلحة، التي تربط الولايات المتحدة والمنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن شبكة القواعد العسكرية الأمريكية لا تزود الولايات المتحدة فقط بحضور استراتيجي، لكن وجودها بحد ذاته أمر حيوي للحفاظ على تلك العلاقات السياسية الوثيقة وثقة الدول المضيفة. وأي تغييرات كبيرة في هذا الوجود لن تكون سهلة، وربما لن تكون ممكنة دون إثارة أزمة ثقة.

وفي حين أن النهج الأمريكي الحالي يساعد في تعزيز قدرة دول المنطقة على التعاون في الدفاع عن نفسها، فإن الإطار الدبلوماسي المطلوب لتحقيق ذلك لا يؤدي إلا إلى تعميق اعتماد الدول المذكورة على الدور القيادي لواشنطن.

فقد عززت التطورات، التي حدثت في العام الماضي، استعداد القادة الإقليميين للعب بورقة روسيا أو الصين لانتزاع تنازلات جديدة من الولايات المتحدة، وهي تنازلات سارعت الإدارة إلى تقديمها. وإزاء ذلك، فإن الولايات المتحدة تبدو غارقة في المنطقة أكثر من أي وقت مضى، وراضية عن تحقيق أقصى استفادة منها في الوقت ذاته.

التعليقات (0)