عاموس هرئيل يكتب: الجيش الإسرائيلي يفقد تفوّقه النسبي مع التقدّم البرّي.. وصبر أمريكا له حدود

profile
  • clock 14 ديسمبر 2023, 10:39:21 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

حي الشجاعية في شرق مدينة غزة بقي المعقل الرئيس لـ»حماس» في شمال قطاع غزة، الذي فيه ما زال يجري قتال شديد. في الوقت الحالي، فإن الجيش الإسرائيلي يظهر بعيداً جداً عن تحقيق السيطرة على هذا الحي. المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي أعلن، صباح أمس، عن مقتل 10 مقاتلين من لواء غولاني ووحدة الإنقاذ 669 في معركة مع «حماس» في الحي. من بين القتلى قائد كتيبة في غولاني، واثنان من قادة الفصائل في اللواء، وقائد فصيل في وحدة 669. جندي آخر قتل في معركة أخرى في شمال القتال. القتلى في الشجاعية أصيبوا أثناء السيطرة على القصبة في الحي، المركز القديم والمكتظ في الحي. ومن التحقيقات الأولية يظهر أنهم وقعوا في كمين مركب شمل إطلاق قذائف «آر.بي.جي» وتفعيل حقل ألغام ضد عدد من قوات الإنقاذ.

في مخيم جباليا تقلصت المقاومة قليلاً مؤخراً. في مناطق أخرى في شمال القطاع، التي سيطر على جزء منها الجيش الإسرائيلي منذ فترة، تستمر نشاطات كثيفة للبحث عن فتحات أنفاق وعن سلاح ومخابئ لـ»حماس». بين حين وآخر أيضاً تحدث هناك حادثة محلية تدل على أن رجال «حماس» ما زالوا نشطين في المنطقة. في جنوب القطاع الجيش الإسرائيلي يستمر في تركيز نشاطاته في خان يونس، وعلى اللواء القطري لـ»حماس» الذي يعمل في المدينة.

تعكس الأفلام، التي ينشرها المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي عن المعارك، صورة وضع معقد. المقاتلون الذين يعودون من القطاع يتحدثون عن تقدم بطيء ومحسوب، وأن وقتاً كبيراً يمر على القوات بانتظار التعليمات لاحتلال مناطق أخرى. لكن القتال نفسه لمقاتلي المشاة وبدرجة كبيرة سلاح الدبابات يكون من مسافة قريبة جداً وفي منطقة مأهولة ومكتظة، التي جزء فقط منها تم تدميره. المنطقة المأهولة، إضافة إلى فتحات الأنفاق التي بقي الكثير منها قابلاً للاستخدام، تمكن خلايا «حماس» من الاحتكاك مع الجيش الإسرائيلي، أحياناً من مسافة بضعة أمتار.

هذا واقع يقلص بشكل جزئي التفوق النسبي للجيش الإسرائيلي، في التكنولوجيا وفي جمع المعلومات، ويجبي إصابات في طرفنا أيضاً. الأمور تبدو بشكل جيد في التوثيق الذي نشر أمس، الذي ظهر فيه مقاتل من وحدة «يهلوم» في سلاح الهندسة وهو يقتل مخربين في اشتباك من مسافة صفر في شقة، وأثناء ذلك أصيب بشظايا قنبلة. المشاهدون في البيوت تأثروا بالتأكيد من شجاعة وهدوء هذا المقاتل، لكن يبدو أيضاً أنهم تساءلوا ما إذا كانت توجد طريقة أخرى أكثر أمناً لمعالجة هذا الخطر.

النشاطات الهجومية يرافقها استمرار الجهود للعثور على جثث للمخطوفين. أول من أمس، تم العثور على جثة الشاويش زيف دادو من لواء غولاني، وجثة عيدن زخاريا، وهي فتاة من حفلة «نوفا». هناك جهود عملياتية كبيرة تستثمر في ذلك إضافة إلى العمليات الاستخبارية. أثناء العملية قتل في الأسبوع الماضي جنديان من الاحتياط من لواء المظليين 551، الرائد اياد مئير باركوفيتش والرقيب غال مئير آيزنكوت.

في المقابل، يبدو أنه لم يبدأ بعد أي تقدم جديد في الاتصالات لعقد صفقة تبادل. الوسطاء في قطر وإلى جانبهم دولة أخرى تعمل في هذا الأمر، يحاولون عقد صفقة جديدة للتبادل بحيث تشمل إطلاق سراح عدد من الـ 135 مخطوفاً. الأفضلية هي للنساء والرجال المرضى والمصابين والمسنين. لكن حتى الآن «حماس» لا تظهر أنها في استعجال.

الصفقة السابقة كانت حاسمة بالنسبة لها لأنها كانت بحاجة إلى وقف لإطلاق النار مدة أسبوع؛ من أجل الانتعاش وتنظيم قواتها في ظل الهجوم الإسرائيلي. الآن حيث شمال القطاع أصبح في معظمه تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي ومعظم مسلحي «حماس» انسحبوا منه، فإنه لا يظهر ضغط مشابه في أوساط قيادة «حماس». جهات رفيعة في «حماس» قالت: إن مخطوفين آخرين سيتم إطلاق سراحهم فقط في صفقة شاملة، التي فيها سيطلق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين في إسرائيل. حتى الآن لا توجد أي دلائل على أن «حماس» تشعر بأن قدرتها على المساومة قد انخفضت في المفاوضات.

في المقابل، على الرغم من الوضع الصعب للمخطوفين (الذين 20 منهم وأكثر تم الإعلان عن موتهم من قبل الجيش الإسرائيلي)، فإنه لا يبدو أن القيادة في إسرائيل تسارع إلى عقد صفقة. في الخلفية هناك أيضاً صعوبات سياسية. فرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، يخشى من انتقاد محتمل من الجناح اليميني المتطرف في الائتلاف حول صفقة أخرى، التي ستعتبر كتنازل لـ»حماس» وتشويش على الاستمرار في العملية البرية.

حدود الصبر الأمريكي

تشخيص آخر يسمع من القادة والجنود يتعلق بالكمية الكبيرة من السلاح والعبوات الناسفة، التي تعثر عليها قوات الجيش الإسرائيلي أثناء عمليات التمشيط. أحياء كاملة في القطاع استخدمتها «حماس» كمناطق عسكرية، التي فيها أقامت بحماية المدنيين الفلسطينيين منظوماتها الدفاعية ضد الغزو الإسرائيلي. هذا الاستعداد يشمل تفخيخ كثير من البيوت إلى جانب مخزون كبير من السلاح. في الوقت نفسه تم بذل جهود كبيرة في حفر شبكة الأنفاق التي قوتها تفوق ما توقعته الاستخبارات، إضافة إلى إنتاج وتهريب السلاح.

السلاح الذي يتم تهريبه وصل في معظمه عبر الأنفاق بين شطرَي رفح. ومن غير الواضح إلى أي درجة ساهم صرف نظر مصر المتعمد في عمليات التهريب. ولكن العامل الأكبر الذي ساهم في مشروع «حماس» هي قطر. مليارات الدولارات التي قامت بتحويلها لغزة ساعدت كما يبدو السكان الفقراء، لكنها فعلياً أعفت «حماس» من عبء الاهتمام بالمدنيين. إضافة إلى ذلك «نيويورك تايمز» نشرت في هذا الأسبوع أن الاستخبارات الإسرائيلية اكتشفت مؤخراً أن قطر قد حولت بشكل مباشر أموالاً للذراع العسكرية لـ»حماس»، ومع ذلك الحكومة لم تعمل على وقف الدفعات الشهرية من الدوحة لغزة.

نتنياهو، المسؤول الرئيس عن ذلك وعن فشل إسرائيل الشامل في معالجة موضوع القطاع خلال 15 سنة تقريباً، يستمر في تضليل وتشويش الجمهور. رئيس الحكومة يوجد عميقاً في حملة سياسية ورسالته الأساسية للجمهور هي أنه هو فقط يمكنه إفشال المؤامرة الأمريكية المتمثلة بدمج السلطة الفلسطينية في السيطرة على القطاع في حال هزيمة «حماس» هناك. نتنياهو أصدر كل يوم تصريحات هجومية حول ذلك في الوقت الذي يجد فيه نفسه في عمليات حسابية مع خصومه السياسيين. أول من أمس، كان منشغلاً في محاولة الإثبات أن عدد القتلى في عملية أوسلو خلال عقد، يشبه عدد ضحايا هجوم 7 أكتوبر (رغم أنه من غير الواضح كيف أن هذه المقارنة تخدمه عددياً).

على خلفية أقواله ربما يتم فهم أكثر تصريح الرئيس الأمريكي بأنه يحب نتنياهو، لكنه لا يتفق معه على أي شيء (الجزء الأول يمكن عزوه لتهذيب أمريكا المبالغ فيه). وقد قال بايدن أيضاً: إن نتنياهو يجب عليه إجراء تغيير في تشكيلة حكومته، وحذر من فقد تأييد العالم لإسرائيل. في المقابل، الرئيس يستمر في تبرير هجوم إسرائيل رداً على المذبحة التي نفذتها «حماس» في بلدات الغلاف ويعارض فرض وقف فوري لإطلاق النار.

رغم التصريحات المتناقضة، فإنه يبدو أن خطوط التوافق بين الولايات المتحدة وإسرائيل ما زالت واضحة جداً. إذا استمرت إسرائيل في الاستجابة لطلبات أمريكا، على رأسها ضخ كثيف للمساعدات الإنسانية للغزيين، فإن الولايات المتحدة ستسمح للجيش الإسرائيلي بوقت إضافي معين من أجل العمل في القطاع ضمن الإطار الحالي الواسع. لكن صبر أمريكا ليس صبراً غير محدود، وربما أن التغير في موقف أمريكا سيتم الشعور به خلال بضعة أسابيع.

نتنياهو اضطر إلى التراجع. فخلافاً لتصريحاته السابقة سمح بإدخال كمية كبيرة من الوقود إلى القطاع الذي جزء منه يصل بشكل واضح إلى «حماس». لكن تصريحاته الأخيرة، إلى جانب رفضه الانشغال بمخرج سياسي مستقبلي من المواجهة، تستمر في خلق التوتر مع واشنطن. هذه الأمور ستتجلى في الغد عندما سيصل مستشار الأمن القومي الأمريكي، جاك سوليفان، في زيارة أخرى لإسرائيل والمنطقة.
سوليفان سيضطر إلى التعامل هنا أيضاً مع الوضع الذي يتصاعد بسرعة في البحر الأحمر. الحوثيون في اليمن هاجموا، أول من أمس، سفينة أخرى كانت تبحر وهي ترفع علم النرويج، وهددوا بالإغلاق الكامل لمضيق باب المندب أمام السفن المتوجهة إلى إسرائيل. 
المشكلة هي كما أكدت مصادر رفيعة في الجيش الإسرائيلي، ليست إسرائيلية فقط. ففي المسار القصير للشرق الأقصى عبر قناة السويس والبحر الأحمر يمر 13 في المئة من حجم الملاحة العالمية. وستكون حاجة إلى تحالف دولي حازم من أجل محاربة ذلك كما حدث قبل عقد ضد قراصنة من الصومال الذين عملوا في تلك المنطقة.

عدم يقين

في مراسم إشعال الشموع للعائلات في أرجاء البلاد هذا الأسبوع، كان يمكن رؤية بوضوح من هو غير موجود، آلاف رجال الاحتياط الذين يوجدون في الجبهة (أيضاً في القواعد العسكرية بالجبهة الداخلية) منذ شهرين تقريباً. الوضع الأمني الاستثنائي جداً صعّب بشكل كبير الحياة على العائلات في البيت، والتي في معظمها بدأت تتعامل أيضاً مع عدم اليقين الاقتصادي.

التجربة التي تمر على المقاتلين في الجيش النظامي والاحتياط استثنائية جداً. فهي ليست فقط القتال في منطقة مأهولة ومكتظة فقط، بل الفترة الزمنية للقتال بقوة كبيرة. العبء على الاحتياط يمكن أن يذكر في السنة القادمة بالسنتين بعد حرب لبنان الأولى.

في محادثات مع مقاتلين بالاحتياط يمكن ملاحظة دافعية عالية للقتال وإيمان كبير بعدالة المعركة. لكن إضافة إلى ذلك هناك أيضاً دلائل على التآكل، وتساؤلات حول مدة المعركة ونتائجها المتوقعة. ويظهر أيضاً انتقاد شديد لسلوك الحكومة، التي ينشغل الوزراء فيها بسرقة الأموال الائتلافية ويعالجون بشكل بطيء وبإهمال الكثير من الإسرائيليين الذين تضرروا نتيجة الحرب.

يبدو أن هيئة الأركان العامة ما زالت لم تبدأ باستيعاب حجم الحدث في الاحتياط، وتداعياته الكثيرة المتوقعة. توجد فجوة بارزة بين رجال الخدمة الدائمة ورجال الاحتياط، التي في الأوقات العادية يصعب جسرها. ولكن الآن الجيش الإسرائيلي يجب عليه الإسراع وإعداد نفسه بخطط لجهاز الاحتياط في السنة القادمة والحرص على الشفافية في الاتصالات مع رجال الاحتياط. دون مقاربة جدية، منظمة ونزيهة مع وحدات الاحتياط، ربما يكون هنا شرخ سيؤثر أيضاً على الأداء في القتال أثناء المعركة.

نقلا عن «هآرتس»
 

التعليقات (0)