محمد عايش يكتب: الأردن: قانون جديد ضد الحريات العامة

profile
  • clock 18 يوليو 2023, 3:52:36 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

مشروع القانون الذي أحالته الحكومة الأردنية على البرلمان من أجل مناقشته وإقراره يُشكل ضربة جديدة للحريات العامة ومحاولة لتكميم الأفواه على الإنترنت وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، وفي حال إقراره فسوف يكون مشابهاً لقانون المطبوعات والنشر المؤقت وسيء الذكر الذي وضعته الحكومة الأردنية في لحظة غياب للبرلمان سنة 1997 (القانون المؤقت هو الذي يصدر عن مجلس الوزراء خلال العطلة البرلمانية)، وأدى حينها الى إغلاق 16 صحيفة أسبوعية في يوم واحد، وعشرات المطبوعات الدورية.
مشروع القانون الجديد الذي يحمل اسم «قانون الجرائم الالكترونية» يثير جدلاً في الأردن بعد الكشف عن مضمونه، لأن الكثيرين اعتبروه قانوناً لتكميم الأفواه، وتحصين المسؤولين، ووسيلة لإسكات الناس على شبكات التواصل الاجتماعي بما في ذلك تداول المعلومات من خلال تطبيقات المراسلة الفورية على الهواتف النقالة، وكون مشروع القانون جاء من الحكومة إلى البرلمان بهذا الشكل، فهو يعني بالضرورة أن لدى الحكومة سياسة متشددة حيال أصحاب الرأي والكلمة والناشطين على الإنترنت وعبر شبكات التواصل المختلفة، وإلا لما ذهبت إلى هذا المشروع المتشدد.
أهم العيوب التي يتضمنها مشروع قانون الجرائم الإلكترونية في الأردن هي الحبس، والحبس هنا نوعان الأول وهو الأخطر هو «التوقيف» أي إيداع المشتكى عليه في السجن على ذمة القضية، قبل البت فيها من قبل المحكمة، وهو ما يعني أنه يمنح لرجل الأمن سلطة تقييد حرية المواطن في حال اتهامه مجرد اتهام بارتكابه جريمة تتعلق بالكلام والتعبير عن الرأي، والمشكلة في التوقيف أنه عقوبة سابقة للإدانة، أي أنه يمكن إيداع شخص في السجن لعدة أيام ومن ثم يكتشف القاضي أنه لم يرتكب أي ذنب ويأمر بإخلاء سبيله على الفور، وحينها يكون قد عوقب استباقاً على جريمة مدعاة لم يرتكبها! أما النوع الثاني من الحبس فهو العقوبة التي يقررها القضاء، ومشروع القانون الجديد يُشدد هذه العقوبة لتصل الى السجن ثلاث سنوات لمن تتم إدانته، إضافة الى الغرامة التي تصل إلى 50 ألف دينار (70 ألف دولار)، وفي كلتا الحالتين، سواء السجن أو الغرامة، فإنها عقوبة مبالغ بها وتشكل ترهيباً لمن يقوم بإبداء رأيه أو ينشط على شبكات التواصل الاجتماعي، أو يدير موقعاً إلكترونياً، أو يعمل صحافياً أو إعلامياً.

مشروع قانون الذي أحالته الحكومة الأردنية على البرلمان من أجل مناقشته وإقراره يُشكل ضربة جديدة للحريات العامة ومحاولة لتكميم الأفواه على الإنترنت وعبر شبكات التواصل الاجتماعي

لا يتوقف مشروع القانون عند هذا المستوى وإنما يسرد مجموعة من الجرائم التي يتم ارتكابها بالكلام ويقع على مرتكبها عقوبات قاسية، وهذه الجرائم هي «الذم، القدح، التحقير، نشر الأخبار الكاذبة، اغتيال الشخصية»، كما أن القانون يتعامل بشكل متساوٍ مع الناشر ومع من أعاد النشر، فمن كتب التغريدة على «تويتر» ومن أعاد نشرها بالضغط على زر (retweet) كلاهما يواجه الاتهام نفسه والعقوبة نفسها. والمشكلة أيضاً ليست هنا فقط، بل الأهم من ذلك هو: ماذا يعني «اغتيال الشخصية»؟ وما هو الذم والقدح؟ ومتى يكون الانتقاد مسموحاً ومتى يصبح ذماً وقدحاً؟ بل يذهب مشروع القانون إلى تحصين الموظف الحكومي العام الذي يؤدي عمله الرسمي وهو موظف من الطبيعي أن يكون خاضعاً للرقابة وأن يكون محلاً للانتقاد. وتنص المادة 15/ب على أنه «تلاحق الجرائم المنصوص عليها في هذه المادة من قبل النيابة العامة، من دون الحاجة الى تقديم شكوى أو ادعاء بالحق الشخصي إذا كانت موجهة الى إحدى السلطات في الدولة، أو الهيئات الرسمية، أو الإدارات العامة، أو إلى أحد أعضائها، أو إلى أي موظف عام أثناء قيامه بوظيفته أو بسبب ما أجراه بحكمها».
وهذا النص يتناقض تماماً مع الحق الدستوري الأساسي المكفول للمواطن في الأردن أو في أي بلد ديمقراطي في العالم، وهو أنه ما دام الشخص ينتقد موظفاً عاماً، أو ينتقد أداءه، أو ينتقد هيئة عامة أو إدارة عامة، فالانتقاد هو الذي يكون محصناً، وليس الموظف العام محصنا، لأن انتقاد الموظف العام هو جزء من الرقابة المجتمعية عليه، وهذه الرقابة هي أحد الضمانات لأن يؤدي وظيفته على أكمل وجه، فضلاً عن أن الموظف العام (مثل رئيس الوزراء أو رئيس البلدية، أو موظف الأحوال المدنية، إلخ) هو موظف وأجير يعمل لدى الشعب ويتقاضى راتبه من الضرائب التي يدفعها المواطنون، وعليه فمن حقهم أن يراقبوه وينتقدوه ويُقرّعوه إذا رأوا منه خطأ أو تقصيراً.
من المؤكد أنه مشروع قانون معيب لا يليق بالأردن الذي كان أول دولة شهدت تحولاً ديمقراطياً في المنطقة، لكن من المهم طبعاً الإشارة إلى أن «قانون الجرائم الإلكترونية» لا يزال مجرد مشروع أحيل إلى البرلمان، وأحاله البرلمان بدوره إلى لجنته القانونية لمناقشته والتوصية بالتعديل عليه حيثما لزم الأمر، وبعدها يُصار إلى مناقشته العامة تحت القبة، ومن ثم يتم التصويت عليه ويستلزم أن يحصل على أكثر من نصف أصوات الحاضرين من أعضاء البرلمان قبل أن يُصبح ساري المفعول، وهو ما يعني أنه ليس قانوناً حتى اليوم، وإنما هو مجرد «مشروع قانون» أحيل إلى السلطة التشريعية لاتخاذ القرار المناسب بشأنه.. ما يعني أن لدى البرلمان المنتخب فرصة لرفضه

التعليقات (0)