مكاسب “دكا”: أبعاد تزايد التنافس الدولي على النفوذ في بنجلاديش

profile
  • clock 20 أبريل 2023, 2:38:55 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

عززت الحرب الروسية–الأوكرانية، والتنافس الأمريكي–الصيني في مختلف المناطق، خاصةً منطقة الهندو–باسيفيك؛ أهمية عدد من الدول المتوسطة والصغرى القائمة في عدد من النظم الإقليمية خلال عام 2022 حتى هذه اللحظة. وقد مثَّلت بنجلاديش واحدة من أبرز الدول الصغرى القائمة في جنوب آسيا التي تصاعدت أهميتها في السياسات الخارجية لعدد من القوى الدولية والإقليمية، وهو ما قد يمثل فرصة وتحدياً لصانع القرار في دكا، الذي يواجه جملة من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في الوقت الحالي.

مظاهر التنافس

برز اسم بنجلاديش في تغطيات الصحف العالمية للتطورات السياسية على الساحة الآسيوية؛ وذلك في ضوء إقدام صنَّاع القرار في عدد من الدول الكبرى والإقليمية على تبني سياسات تكشف، بصورة أو بأخرى، عن مساعٍ حقيقية لتضمين بنجلاديش في استراتيجيتهم الكبرى الرامية إلى تحقيق الهيمنة على منطقة جنوب وشرق آسيا. ومن مظاهر الاهتمام الدولي والإقليمي ببنجلاديش الآتي:

1– تتابع الوفود الدبلوماسية على البلاد: استقبلت عاصمة بنجلاديش دكا العديد من الوفود السياسية الرفيعة المستوى خلال نهاية عام 2022، وصولاً إلى الشهور الأولى من عام 2023؛ ففي يناير من عام 2023، قام مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون جنوب ووسط آسيا “دونالد لو” بزيارة البلاد للوقوف على أبرز التطورات السياسية التي تشهدها بنجلاديش مع اقتراب انتخاباتها العامة المتوقع عقدها في عام 2024.

وفي فبراير الماضي، استقبلت بنجلاديش وفداً دبلوماسياً أمريكياً رفيع المستوى يقوده مستشار وزارة الخارجية الأمريكية “ديريك شوليت”، وقد سبقتهم مساعدة وزير الخارجية الأمريكية لشؤون المنظمات الدولية “ميشيل جيه سيسون” في زيارة البلاد؛ لمطالبة القيادة السياسية في بنجلاديش بفتح المجال العام، والتوقف عن التضييق على منظمات المجتمع المدني.

وقد أظهر المسؤولون الصينيون بدورهم اهتماماً كبيراً ببنجلاديش؛ ففي أعقاب الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس “شي جين بينج” إلى دكا في 2016، تتابعت الوفود الدبلوماسية الصينية لزيارة بنجلاديش حتى عام 2020، لتعود إلى الزخم ذات خلال نهاية عام 2022؛ حيث قام وزير الخارجية السابق “وانج يي” بزيارة موسعة إلى بنجلاديش في أغسطس من عام 2022. وفي مطلع عام 2023، قام وزير الخارجية الصيني الجديد” تشين جانج” بزيارة خاطفة إلى بنجلاديش في التاسع من يناير الفائت. وقد استقبلت دكا عقب ذلك بيومين فقط وفداً رفيع المستوى من الحزب الشيوعي الصيني، عقد عدداً من اللقاءات الهامة مع القيادة السياسية البنجلاديشية.

2– حرص صيني أمريكي على دعم اقتصاد بنجلاديش: بالتماشي مع السياسة الخارجية الصينية التي يظهر بها وبقوة تأثير الأبعاد الجيوسياسية، سعت الصين إلى تعزيز شراكاتها السياسية مع بنجلاديش، بالاعتماد على الأداة الاقتصادية المتمثلة في “مبادرة الحزام والطريق”. وقد انضمَّت دكا إلى المبادرة في 2015. ووفقاً لمشروع تتبع الاستثمارات الصينية في الخارج – وهو أحد المشاريع البحثية التي تستهدف تتبع حجم الاستثمارات الصينية في الخارج، ويقوم على المشاركة بين “معهد المشاريع الأمريكية” و”مؤسسة التراث الأمريكية” – فقد استثمرت الصين ما يقارب 7 مليارات دولار أمريكي في بنجلاديش، خلال الفترة من 2018 إلى 2022.

وقد تركزت هذه الاستثمارات في قطاع البنى التحتية والطاقة؛ فعلى سبيل المثال، استثمرت الصين 3.3 مليار دولار أمريكي لبناء خط سكة حديدية “Padma Bridge”، للربط بين العاصمة دكا والولايات الشرقية والغربية، و”ميناء “Payra للاستيراد والتصدير، ناهيك عن تدشين “محطة Payra” للطاقة الحرارية التي تعمل بالفحم، التي بلغت تكلفة إنشائها 1.56 مليار دولار أمريكي.

كما وضع “مؤشر الصين” – الذي يقيس تأثير الصين في مختلف دول العالم، بالاعتماد على 11 مؤشرًا في 9 مجالات مختلفة – بنجلاديش في المرتبة الرابعة والخمسين خلال 2022، وهو ما يشير إلى أن دكا من العواصم الآسيوية التي يظهر بها النفوذ الصيني وبقوة في مختلف المجالات.

وعلى صعيد الولايات المتحدة، أظهرت واشنطن اهتماماً كبيراً ببنجلاديش؛ وذلك عقب الإعلان عن استراتيجية ما وراء المحيطين الهندي والهادئ الأمريكية، التي تدفع نحو توسيع شراكاتها الاستراتيجية مع مختلف دول جنوب آسيا، مع عدم قصر الاهتمام على باكستان والهند كما كان عليه الوضع في الماضي. وتعد بنجلاديش من أكبر الدول المتلقية للمساعدات الأمريكية في آسيا، ناهيك عن اعتماد اقتصادها، في جزء كبير من مصادر تمويله، على العوائد القادمة من صادرات البلاد إلى السوق الأمريكية، كما تشير بعض التقارير الصحفية إلى أن إدارة “بايدن” قد غضَّت الطرف عن عدد من انتهاكات حقوق الإنسان في بنجلاديش، وقدمت الكثير من المساعدات للحكومة في دكا، لتجحيم النفوذ الصيني في البلاد.

3– اهتمام روسي بكسب نفوذ سياسي في بنجلاديش: كثيراً ما يُسلَّط الضوء على سعي روسيا إلى تعزيز نفوذها في أفريقيا ودول شرق أوروبا، لكن قليلاً ما يتم الحديث عن التحركات الروسية في آسيا. وفي بنجلاديش أظهرت القيادة الروسية اهتماماً بدعم العلاقة فيما بين البلدين؛ فقد استقبل الرئيس الروسي “بوتين”، رئيسة وزراء بنجلاديش الشيخة “حسينة واجد” بالكرملين في عام 2013، ووقَّع الطرفان على اتفاقية لتدشين محطة للطاقة النووية في بنجلاديش. وقد قُدِّرت قيمة المشروع بقيمة 12.65 مليار دولار أمريكي، ستتحمَّل موسكو قيمة 90% من تمويل المشروع؛ وذلك عن طريق تقديم قروض لدكا تغطي أغلبية تكاليف تطوير المحطة.

وفي العام ذاته، وقَّعت موسكو ودكا صفقة أسلحة عسكرية بقيمة مليار دولار لشراء معدات عسكرية روسية. وقد ظهر التأثير السياسي الكبير لموسكو لدى صانع القرار في دكا، عندما امتنعت بنجلاديش عن التصويت على مشروع قرار أممي أدان العملية العسكرية التي دشَّنتها روسيا في أوكرانيا.

يذكر أن بنجلاديش كانت من بين 35 دولة فقط امتنعت عن التصويت لصالح القرار الأممي، كما أصدرت السفارة الروسية في دكا انتقاداً لسياسة الولايات المتحدة، ومحاولة التدخل في الشؤون الداخلية لبنجلاديش تحت غطاء الدفاع عن الديمقراطية التي شهدت حالة من التراجع على يد حكومة الشيخة “حسينة”.

4– مشاركة “دكا” في التحولات العالمية الراهنة: بالرغم من صغر حجمها، يبدو أن دكا – وخاصةً عبر علاقاتها مع موسكو وبكين – باتت طرفاً مشاركاً – ولو بصورة محدودة – في التحولات العالمية الراهنة سياسياً واقتصادياً. لقد أظهرت مؤشرات هذا الأمر مع الإعلان، يوم 17 أبريل الجاري، عن اتفاق يتم بموجبه اعتماد “اليوان” الصيني لسداد قرض لبناء محطة “روبور” للطاقة النووية في بنجلاديش. وأوضحت وزارة مالية بنجلاديش أنه “بموجب الاتفاقية الجديدة، ستقوم بنجلاديش بتسوية المدفوعات مع روسيا من خلال أي بنك صيني، وسيستلم المستفيدون الروس المدفوعات باستخدام نظام الدفع الصيني عبر الحدود بين البنوك CIPS، وهو بديل لنظام SWIFT لمدفوعات اليوان.

5– تعزيز القوى الإقليمية شراكتها الاستراتيجية مع دكا: أظهرت دول إقليمية ودولية أخرى اهتمامها بتعزيز وتوسيع شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع بنجلاديش؛ فعلى سبيل المثال، أكد وزير الخارجية الياباني – خلال زيارته إلى الهند في مارس 2023 – الأهمية الجيوسياسية لميناء “ماتارباري” القائم في بنجلاديش، وترحيب طوكيو بالاهتمام الهندي بهذا المشروع. وقد وافقت الوكالة اليابانية للتعاون الدولي في وقت مبكر من شهر مارس، على تقديم قرض جديد بلغت قيمته 1.2 مليار دولار أمريكي؛ لتمويل عدد من مشاريع البنى التحتية في بنجلاديش، وجاء من بينها مشروع تطوير ميناء “ماتارباري”. ومن المتوقع أن تسهل عمليات تطوير الميناء وزيادة قدرته الاستيعابية، من حركة سفن الحاويات العملاقة بالميناء، ناهيك عن تحوله إلى مركز تجاري هام، يدعم قطاع الصناعات في البلاد، من خلال استقباله الخامات اللازمة للتصنيع، وتسهيل تصدير هذه المواد عقب تصنيعها.

كما يعد المشروع من أبرز الأمثلة على النتائج الإيجابية التي يمكن أن تجلبها الشراكة اليابانية الهندية لدول المنطقة؛ فقد تبنت طوكيو ونيودلهي هذا المشروع، عقب تخلي بكين عن تمويله قبل سنوات، وهو ما يمثل انتصاراً استراتيجياً لليابان والهند اللتين تخططان لاستغلال الميناء في تسهيل نقل صادرات النفط الشرق أوسطية والهندية إلى اليابان عبر خليج البنغال.

نتائج محتملة

يحمل هذا الاهتمام الدولي عدداً من الأبعاد والنتائج التي قد تمثل فرصة وتحدياً في الوقت ذاته، يجب على القيادة البنجلاديشية التعاطي معه بحكمة وموضوعية. وتتمثل أبرز هذه النتائج في الآتي:

1– تصاعد الأهمية الجيوسياسية لبنجلاديش: تطل بنجلاديش على خليج البنغال أحد أبرز المعابر البحرية الدولية القائمة في منطقة ما وراء المحيطين الهندي والهادئ. ويدفع موقع بنجلاديش، الذي يضعها بجوار عدد من الدول الحبيسة – على غرار بوتان ونيبال – للقيام بدور استراتيجي هام لدى هذه الدول؛ حيث تمثل المنفذ الأوحد لها على مياه الخليج، كما تمثل بنجلاديش نقطة الوصل فيما بين دول شمال شرق الهند، وهو يجعلها محل اهتمام جيوسياسي لدى عدد من القوى الإقليمية والدولية القائمة في المنطقة، وعلى رأسها الهند والصين، ناهيك عن احتلالها أهمية خاصة لدى صانع القرار الأمريكي في استراتيجيته الجديدة تجاه منطقة ما وراء المحيطين الهندي والهادئ؛ لقربها من جزر المحيط الهندي ومنطقة عمل وتنفيذ “اتفاقية الأوكوس” التي وقَّعتها نيودلهي بالشراكة مع كلٍّ من أستراليا وبريطانيا.

2– محاولة إنهاء حياد “دكا” السياسي: من شأن توطيد الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية بين الهند واليابان، وتضمين بنجلاديش في هذه الشراكة من خلال مشروع تطوير ميناء “ماتارباري”؛ فتح المجال لتعزيز الشراكة الاستراتيجية فيما بين دكا ودول التحالف الغربي، وقد يساهم هذا أيضاً في وضع الأسس الأولى للتعاون العسكري في المستقبل فيما بين بنجلاديش من ناحية واليابان والهند والولايات المتحدة من ناحية أخرى.

3– سعي بنجلاديش لتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية: تستعد بنجلاديش لانتخابات تشريعية عامة في عام 2024. ومع اقتراب الانتخابات، تتعاظم الضغوط المفروضة على الحكومة، خاصةً مع استشعار المواطنين في البلاد آثار الأزمة الاقتصادية الدولية على الاقتصاد الداخلي، وهو ما دفع المواطنين للخروج إلى الشوارع في يناير الماضي والمطالبة باستقالة حكومة الشيخة “حسينة”، خاصةً مع اتهام عدد من رموز الحكومة بالفساد.

وبناءً على ذلك، قد تسعى دكا إلى الاستفادة من حالة الاستقطاب المتصاعدة فيما بين الدول الكبرى بمنطقة ما وراء المحيطين الهندي والهادئ، عن طريق التفاوض على استقبال المزيد من المعونات المالية والاستثمارات الأجنبية لتمويل عدد من مشاريع البنى التحتية والمشاريع الاقتصادية الأخرى. من ناحية أخرى، قد تتمكن الحكومة الحالية من الفوز بالانتخابات دون الاهتمام كثيراً بالالتزام بقواعد العملية الديمقراطية، في ظل بروز بعض المؤشرات التي ترجِّح تفضيل الولايات المتحدة تعزيز شراكاتها السياسية مع الحكومة في دكا على حساب أي اعتبارات سياسية أخرى، وفي مقدمتها ملف حقوق الإنسان.

وختاماً، يمكن القول إن تصاعد الاهتمام والتنافس الدولي حول كسب النفوذ داخل بنجلاديش، يرتبط بالأهمية الجيوسياسية لموقع بنجلاديش، ناهيك عن تداعيات الحرب الأوكرانية التي عززت أهمية عدد من الدول في آسيا، تقع في نطاق التماس بين القوى الكبرى، فضلاً عن اهتمام موسكو بتطوير علاقاتها مع دكا؛ وذلك ضمن استراتيجية روسيا لتطوير علاقاتها مع عدد من الدول للخروج من العزلة الغربية المفروضة عليها.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)