ناصر السيد نور يكتب: السودان: حرب تلد أخرى

profile
  • clock 19 أبريل 2023, 3:34:52 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

ها هي الحرب تندلع في الخرطوم عاصمة السودان التي تتوسط خريطته الجغرافية والسياسية التي ظلت بمنأى عن الحروب التي تخوضها النخب السياسية في أطراف السودان الإثنية والمناطقية. ولم تكن هذه الحرب بعيدة عن التوقعات منذ أن بدأت نذرها تلوح في أفق الصراع السياسي وصراع النفوذ بين أقوى جناحيه الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان قائد القوات المسلحة، ومحمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع. وأيا تكن وجاهة التحليلات التي تنبأت بوقوع الكارثة، فإن ما ظل غائباً هو حجم دائرة التأثيرات التي احدثتها وتحدثها الأحداث الجارية. فطبيعة هذا الصراع تتجاوز في حدتها كل ما كان يحدث في حروب السودان الداخلية، فهي حرب تقترب من الحرب الشاملة All out war التي يستخدم فيها كل طرف من أطراف الصراع كل ما يمكن أن يكون وقوداً للحرب.
فما سبق انفجار الصراع من سجالات وتداعيات بين قادة طرفي الصراع على الهواء مباشرة، في الأسابيع التي رافقت ما توصلت إليه أطراف العملية السياسية في ما يعرف بالاتفاق الإطار، وما برز من نقاط اختلاف حادة، خاصة تلك المتضمنة خروج الجيش من الحياة السياسية ودمج قوات الدعم السريع في الجيش الوطني؛ كلها كانت مؤشرات قوية لما ستكون عليه طبيعة الصراع، فلم يكن غياب الرؤية أو الإرادة السياسية وحده لدى الطرفين هو ما يحدد مسار الاتجاه، في ضوء تداعي الأزمات السياسية في بلد على تعدد أطيافه السياسية والإثنية وأزماته الاقتصادية وتدهور وضعه، لا يضعه في خانة الدولة الفاشلة، في التعريف السياسي الدارج، وكان من المستحيل التوصل إلى اتفاق تتأرج فيه الآراء والرغبات، بين مكونات عسكرية قابضة على مفاصل الحكم وقوى مدنية تطمح إلى تحقيق ما تعده شعارات ثورة أزاحت سلطة ثلاثين عاماً من حكم الإسلاميين.

عندما تفشل النخب السياسية في تقديراتها بين ما هو شخصي ووطني تخطئ حساباتها وتكون النتيجة البحث عن وطن لم تحافظ عليه

أما وقد وصل الصراع على السلطة إلى المواجهة العسكرية، فتكون القوى السياسية السودانية أمام تحد غير مسبوق في تاريخها السياسي القريب، فالصراع لم يحدث بين معارضة مدنية تسعى الى إعادة المسار الديمقراطي وسلطة قائمة، ولكن بين طرفين كانا إلى الأمس القريب حليفين يتشددان في منازعة المعارضة المدنية، ويعملان على إحباط محاولاتها في الانتقال الديمقراطي. ومن هنا فإن مجرى الأحداث يخرج عن نطاق السيطرة، ولا يبقى سوى الحسم العسكري بين جيش نظامي، وقوة غير نظامية لا يستهان بقوتها بمعايير القوة في العالم الثالث، وما يضع القوى المدنية في خانة الغياب وعدم التأثير في مجريات الأحداث، افتقادها لآلية التأثير في خضم أصوات المعارك على امتداد البلاد. إن مسؤولية إشعال الحرب التي تعزى إلى محاولات جماعات النظام السابق في العودة إلى الحكم، من خلال الجيش، التي أكدها قائد الدعم السريع في تصريحات سابقة، باشتراطه إخراج الإسلاميين من الجيش، الأمر الذي عجّل، في رأي المحللين، في اندلاع الصراع. فمنذ إزاحة نظام البشير في عام 2019 ظلت الدولة السودانية في حالة اللادولة على الأصعدة كافة، مع الوجود الكثيف للجماعات المسلحة، التي لم تفلح الاتفاقيات في تحويلها أو دمجها وفق آلية محددة تنهي هذا الوجود العسكري خارج إطار المؤسسة العسكرية. كل هذا جعل من التسابق المحموم لاستلام السلطة حرباً، أمراً ممكنا. فإذا كان اللوم يقع، حسب ترجيحات المراقبين، على الطموح الشخصي لقائدي الصراع، وإن لم يكن هذا بعيداً، فإن التدخل الإقليمي في الشأن السوداني، الذي أصبح مستباحاً تغذيه طموحات الجناحين، بما فيها التوجه نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، فكل طرف يستقوي بطرف خارجي، إضافة إلى التحالفات الإقليمية التي تورط فيها النظام السابق.
ربما أهم ما سيبرزه هذا الصراع المحتدمة تداعياته المحتملة، التي قد تتجاوز ما ظلت تفعله حروب السودان المختلفة، فالمكونات السوسيولوجية لأحد طرفي الصراع (الدعم السريع) الذي أسس على قاعدة إثنية ترتبط بواقع مناطقي وجهوي معقد، مما يرشح لهذه التداعيات أن تمتد عميقاً في واقع الصراعات السودانية، فالجانب الإنساني هو آخر ما تفكر فيه أطراف الصراع، مما يزيد من كلفته البشرية في وجود خطاب كراهية، وكل ما تفرزه الحروب في واقع الدول ذات التكوين الهش وقابليته للتمدد إلى البؤر التي تشهد صراعاً لعقود، فبالنظر إلى الدولة لقد لازم المفهوم الوطني في وصف أو وضع الدولة السودانية ضمن سياق تاريخي، بما أوجدته الفترة الاستعمارية من نمط وشكل تنظيم في الحكم والإدارة ولكنها، أي الدولة في السودان عانت من معوقات التركيبة السياسية والمجتمعية أبرزها، التعريف المتنازع عليه حول هُوية الانتماءات الثقافية بين افريقية وعروبية وإسلامية والمجموعات الإثنية الأخرى على مستوى الحوار الوطني والمجتمعي. والوضع السياسي المعاصر يمثل أبرز تحديات الدولة ومعناها في التأثير في السودانيين شعبا وأرضا، إذن عرف السودان الدولة الحديثة كسائر الدول التي خضعت لاستعمار، أعاد تكوين أو في أفضل الأحوال استيعاب المكونات القائمة من قبيلة وطائفة وحزب، ولكن ظلت المسافة بينها وبين الدولة (الحاكم) تحافظ على حدودها.
وفي هذه الحرب التي تدور رحاها في العاصمة السودانية يكون السودان قد لحق بقطار الدول العربية المنهارة، وقد يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لاستتباب الأمن والعودة الى حظيرة الدولة المستقرة. وعندما تفشل النخب السياسية في تقديراتها بين ما هو شخصي ووطني تخطئ حساباتها وتكون النتيجة البحث عن وطن لم تحافظ عليه.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)