وسام سعادة يكتب: وطنيّتان… كونيّة وكابوسيّة

profile
  • clock 29 أبريل 2023, 2:38:15 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

الوطنيّة إما أن تكون «حاصرة» وإما أن تكون «جامعة».
«الحاصرة» هي تلك المهجوسة أولاً بمن يجب أن تُحَصر بهم رابطة الأمّة، وبمن يجب أن يوصد أمامهم الباب، مرة بداعي تأمين المجانسة ومرة بداعي الحفاظ على التماسك.
لا يقتصر «الحصر» هنا على تحديد دائرتين فحسب. واحدة لمن هم مرحّب بتوكيد انتمائهم إلى رابطة القوم، وثانية لمن هم غير مرحّب بهم على الإطلاق.
وإنما يمتدّ الأمر لتركيب عدد أكبر من الدوائر المتداخلة التي تنزاح فيها الواحدة عن الأخرى بالكلام النافر والنابي حيناً، وبالمضمر والضمني واللمحي حيناً آخر.
بالتالي، تصير الوطنية «الحاصرة» هي تلك التي، ومن دون الحاجة الى الإقصاء العلني لكل الفئات المستهجنة، تفرض في الوقت عينه، نموذجاً مصدرياً، للمجموعة المثلى التي يفترض أن يحاكيها الآخرون كي ينالوا حظاً من هذه الوطنية.
ومن دون أن يلغي هذا الحث على المحاكاة نقيضه، أي لوم الفئات المتمثلة بالمجموعة المثلى على أنها بمحاكاتها هذه تعمل على انتاج نسخ معتلة عن أصل لا ثاني له، وتعكف بالتالي على «سرقة أدبية» مرذولة!
مصيبة الوطنية «الحاصرة» أنها تشجع على «الاقتداء» بشرط عدم استثارة «المجموعة ـ القدوة».
الوطنية «الجامعة» يفترض أن تكون في المقابل ما هو واقع خلاف ذلك. هي وطنية «بلا حصر». لا هجاس يأكلها من داخلها طول الوقت. من ينضوي تحتها ومن يُقصى عنها. الوطنيّة فيها مفتوحة على الكونيّة الجامعة. ليس كل بشري عضوا في الأمة الوطنية الفلانية، لكن ما من استحالة مسبقة تحول دون أن ينضوي أي بشري، وفقاً لشروط اندماج واستحقاق معينة في هذه الأمة المفتوحة. الانتماء إلى الكلّ الإنسانيّ يترادف فيها مع أسبقية الحقوق الأساسية للإنسان على خطاب الفرادة الثقافية، والقناعة الراسخة فيها بأن الحقوق الإنسانية الأساسية هي التي تفيض على الخصوصية الثقافية، لا العكس. هي وطنيّة تتطلّع لعدم استبعاد أي نسيج أو أي حساسيّة ضمن المساحة الترابية المتوفرة لمشروع الدولة الأمة الذي تعمل على تشييده ومن ثم صيانته، بل تحيينه بالتعاهد المتجدد في كل يوم، إذا ما استعدنا تعريف الأمة عند أرنست رينان. هذا ان فصلنا التعريف بلفظه، عن رينان بمفارقاته.
فهذا الفيلولوجي الفرنسي والمؤرخ لتاريخ الأديان (ت 1892) الذي لطالما جرت الاستعانة بتعريفه السياسي للأمة، كجماعة مشادة بالاتفاق المتجدد، ضداً على المنحى الجرماني لربط الأمة بالميراث والانضواء العضوي الى بوتقتها، لم يكن في ذات الوقت نموذجاً تطبيقياً لفكرة الأمة الجامعة. بالعكس.
إذ أنّ الأمة المجدّدة بالتداول والاتفاق عنده تساكنت مع تفسير الدوافع والسلوكيات المزمنة بين الشعوب بأصولها العرقية، وهو ما حمل المؤرخ الإسرائيلي للأفكار زئيف شترنهل (ت 2020) لاحتساب رينان في خط معاداة تركة عصر الأنوار، وخط إشاعة الأنوار المضادة المتصدية لخطاب الكونية، كونية الإنسان وعقله وحقوقه، من موقع الفرادات والخصوصيات.
ولعلّ رينان بالفعل إلى خط الأنوار المضادة أقرب. يبقى أن الصراع بين الأنوار وما يضادها يجتاز نصوصه، مثلما أن مفهومه عن الأمة المجدّدة بالتداول والاتفاق أولا بأول، لا يلغي عنده حاجة الأمة قبل كل شيء إلى تركة تاريخية مشتركة، تركة يقوم فعل التجديد للوحدة على الاتكاء عليها.

لقد دمجت القومية العربية بين مغبة المبالغة في الأخوة، وبين اخفاء الاختلافات الثقافية والإثنية والمذهبية وراء هذه الأخوة. لكن البديل عنها كان المبالغة في ضرب فكرة الأخوة بالمطلق بين البشر، ومن ثم المبالغة في التنكر لأي شكل من الأخوة بين الشعوب

الفارق هنا بين رينان وكلاسيكيي الأنوار المضادة، وفي طليعتهم الألماني يوهان غوتفريد هردر (ت 1803) أن ميراث الأجيال الغابرة لا يكفي من تلقائه، عند رينان، لتوليد الأمة. ليست الأمة عنده هي تعاقد بين أحياء وأموات، بل بين أحياء فقط، إنما في نطاق ما جعله الأموات ممكناً، وما رسموا له نطاقه.
يختلف رينان في المقابل عن التنويريين في أنه لا يقول بإمكانية العقد الاجتماعي من دون توفر المادة التراثية الضرورية لتغذيته.
الأمور عند رينان أصعب إذاً من مجرد ردّها الى «ظاهر» مستنير (الأمة كتفاهم متجدد يوميا) وباطن تنويري – مضاد (الأمة المشروط قيامها بتوفر الميراث المشترك). في الوقت نفسه، يظهر منذ مرحلة رينان أنّ تحقيق «الوطنية الجامعة» أصعب من انتهاج سبيل «الوطنية الحاصرة». ذلك أن التناقض في «الوطنية الجامعة» أكبر. فهي وطنية ممتزجة بخطاب الكونية، ويصعب على الكونية بحد ذاتها فهم علّة استبقائها كشرط من شروط الوطنية. ألم تكن الكونية مرتاحة أكثر في دوحة «المدينة – الدولة» بالعصر القديم، كما في ايطاليا أواخر العصر الوسيطي، بل ومرتاحة أكبر في الإمبراطوريات المتعددة الأقوام والأرومة منها في نطاق الدولة الأمة؟
التناقض في «الوطنية الجامعة» هو بين الوطنية وبين الكونية. وهو تناقض لا حل يومه الا بمعالجة تداعياته يوماً بيوم. في المقابل، التناقض في «الوطنية الحاصرة» هو بينها وبين فكرة الدولة الأمة نفسها. فالدولة الأمة لا تستقيم من دون قدر من المساواة في المواطنية، والوطنية «الحاصرة» لا تستقيم مع هذه المساواة.
بالانتقال الى أوضاع البلدان العربية، فإن ما ظهر على أنقاض «القومية العربية الوحدوية» – التائهة بين نموذجي الإمبراطورية والدولة الأمة – هو مجموعة من «الوطنيات الحاصرة» المهجوسة بمن يجب اخراجه من عقد الأمة، أيا كان السبب وراء ذلك.
الملفت أنه جرى نقد القومية العربية كخطاب اقصائي للألسن والأقوام غير العربية، انما ليصار الى استبدالها من ثم بتنويعة من الوطنيات الضيقة، المهجوسة بسؤال «حصر» السكان.
البديل عن الموجة القومية العربية كان كارثياً. سواء أعدنا الكارثة الى تركة القومية العربية نفسها أو لا، فهذا لن يبدل في الأمر قيد أنملة.
لقد دمجت القومية العربية بين مغبة المبالغة في الأخوة، وبين اخفاء الاختلافات الثقافية والإثنية والمذهبية وراء هذه الأخوة. لكن البديل عنها كان المبالغة في ضرب فكرة الأخوة بالمطلق بين البشر، ومن ثم المبالغة في التنكر لأي شكل من الأخوة بين الشعوب في المنطقة العربية.
ولطالما كان شعار الأخوة في ثلاثية شعارات الثورة الفرنسية «حرية مساواة إخاء» هو الذي يسقط سهواً في كل مرة. كما لو أنه لا حظ له من الندّية مع قيمتين جبارتين، شأن الحرية والمساواة. كما لو أنه كفاية قافية.
لكن الأخوة هي ما يقيم أود هذه الثلاثية في شعار الثورة الفرنسية. هي ما يربط الوطنية بالكونية. حقوق المواطن بحقوق الإنسان. ان تبتذل موجة القومية العربية فكرة الأخوة لعقود مريرة فهذا لا يقلل في شيء من الإجرام الفعلي اللاحق بحق فكرة الأخوة اليوم.
تعثر «الاشتغال» على الفكرة الوطنية، كان نقطة الضعف الأساسية في الخطاب الفكري والسياسي المواكب للانتفاضات العربية 2011-2012 و2018-2019. حيث بقي التأرجح ما بين بقايا نوستالجية لحركة القومية العربية وبين تصورات للأوطان غير مستعدة بشكل جدي لأن تكون «جامعة» لا «حاصرة». بقيت الانتفاضات العربية تعيش كل واحدة منها في عالم مواز لعالم الأخرى، وتنظر في الوقت نفسه الى الانتفاضة الأخرى على انها مرآة أو سجع لها. هذا الإفراط في التوازي، وفي جنون المرايا، لم يعن في النهاية إلا استقالة عن سؤال الربط بين الوطنية والكونية. وما كان البديل؟ هوياتية؟ الكلمة لا تعني شيئاً متروكة لوحدها. لن تعني شيئا إلا في حدود التنبه الى مفارقة. وهي أن الخوف من إضاعة الهوية بات يحتل حيز الهوية كله.
هي الوطنية الكابوس. الكابوس الخائف من إضاعة نفسه.


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
كلمات دليلية
التعليقات (0)