في تطور دبلوماسي مفاجئ، كشفت القناة 12 العبرية مساء اليوم الخميس، أن جمهورية كازاخستان تستعد لإعلان انضمامها رسميًا إلى اتفاقيات أبراهام خلال الأيام القليلة المقبلة، في خطوة وُصفت بأنها نقطة تحوّل استراتيجية تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتشمل آسيا الوسطى، وتفتح فصلًا جديدًا في مسار التطبيع مع إسرائيل.
تأتي هذه الأنباء في ظل تسارع الجهود الأمريكية والإسرائيلية لتوسيع شبكة الاتفاقيات الإقليمية، التي انطلقت منذ عام 2020 وتهدف إلى إعادة صياغة التحالفات السياسية والاقتصادية في المنطقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول دلالات هذا الانضمام وتوقيته ومكاسبه المحتملة للطرفين.
كازاخستان.. من الحياد الإقليمي إلى الشراكة الاستراتيجية
منذ استقلالها عام 1991، حافظت كازاخستان على سياسة خارجية متوازنة، ساعية إلى التموضع بين القوى الكبرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة، مع الحرص على عدم الانخراط في صراعات إقليمية.
لكن خطوة الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام تمثل تحوّلًا جوهريًا في نهج أستانا، إذ تشير إلى انفتاح سياسي وأمني غير مسبوق على إسرائيل والغرب، خاصة بعد التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، وسقوط عدد من الأنظمة التقليدية في المنطقة.
وتُعد كازاخستان دولة محورية في آسيا الوسطى، تمتلك ثروات طبيعية هائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة، وتتمتع بموقع استراتيجي يجعلها جسرًا بين الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا.
ويرى مراقبون أن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى استغلال هذا الموقع لتعزيز نفوذهما في منطقة تتقاطع فيها مصالح روسيا والصين وتركيا وإيران.
تل أبيب تحتفل.. وواشنطن تعتبر الخطوة اختراقًا استراتيجيًا
وفقًا لتقارير إعلامية إسرائيلية، من المقرر أن يتم الإعلان عن الاتفاق الجديد في حفل رسمي بالعاصمة أستانا، بحضور ممثلين عن الولايات المتحدة وإسرائيل، في وقت يُرجَّح أن يشارك فيه مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام الإقليمي، دان ويتكوف، الذي يقود جولة مفاوضات نشطة لتوسيع دائرة التطبيع.
وتعتبر إسرائيل انضمام كازاخستان بمثابة اختراق جيوسياسي مهم، إذ ستصبح أول دولة ذات غالبية مسلمة في آسيا الوسطى تُطبّع علاقاتها رسميًا مع تل أبيب، بعد أن كانت العلاقة بين الجانبين مقتصرة على التعاون الاقتصادي والدبلوماسي المحدود.
وذكرت مصادر إسرائيلية أن الاتفاق سيشمل بنودًا اقتصادية وعسكرية وتقنية، تشمل مجالات الأمن السيبراني والطاقة والزراعة الذكية، فضلًا عن إنشاء مشروعات مشتركة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وهو المجال الذي تطمح كازاخستان إلى تطويره كجزء من "رؤية 2050" الوطنية.
مكاسب متبادلة.. الاقتصاد مقابل النفوذ
يُتوقع أن يمنح هذا التطبيع دفعة اقتصادية كبيرة لكازاخستان، إذ تسعى أستانا إلى جذب الاستثمارات الغربية والإسرائيلية لتقليل اعتمادها على موسكو وبكين، خاصة بعد تداعيات الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية على روسيا، التي أثرت على حركة التجارة الإقليمية.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى توسيع شبكة شركائها خارج النطاق العربي التقليدي، بهدف تطويق النفوذ الإيراني المتنامي في آسيا الوسطى، وتعزيز موقعها كقوة تكنولوجية وأمنية عابرة للحدود.
وبحسب صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإن الموساد ووزارة الخارجية الإسرائيلية أدارا محادثات سرية مع مسؤولين كازاخستانيين منذ أكثر من عام، أسفرت عن تفاهمات أمنية أولية مهّدت للاتفاق الحالي.
ويقول الباحث في الشؤون الآسيوية، "إلداد بن دافيد"، إن انضمام كازاخستان "سيحوّل اتفاقيات أبراهام من تحالف عربي – إسرائيلي إلى منصة إقليمية أوسع تضم دولًا من خارج الشرق الأوسط التقليدي"، معتبرًا أن "ذلك يفتح الباب أمام دول أخرى مثل أوزبكستان وتركمانستان للانخراط في المستقبل القريب".
ردود فعل متباينة.. وقلق روسي – إيراني متصاعد
الخطوة المنتظرة أثارت اهتمامًا واسعًا في العواصم الإقليمية، خصوصًا موسكو وطهران، اللتين تعتبران كازاخستان جزءًا من دائرة نفوذهما السياسي والاقتصادي.
فروسيا، التي تشترك مع كازاخستان في عضوية منظمة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، قد تنظر إلى التقارب مع إسرائيل والولايات المتحدة بوصفه تهديدًا لمجالها الحيوي التقليدي، خصوصًا في ظل انشغالها بالحرب الأوكرانية.
أما إيران، فترى في هذا التطور محاولة واضحة لعزلها استراتيجيًا، حيث تشترك مع كازاخستان في حدود بحر قزوين، وتخشى من استخدام الأراضي الكازاخية كمنصة استخبارية غربية في المستقبل.
في المقابل، رحبت بعض الدول العربية المنضمة سابقًا لاتفاقيات أبراهام بهذه الخطوة، معتبرة أنها "تعزز فرص السلام والاستقرار عبر التنمية المشتركة".
ما وراء التوقيت.. وماذا بعد؟
يأتي تسريب خبر انضمام كازاخستان في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتواصل الحرب الإسرائيلية في غزة، وتتسع دائرة التوتر في جنوب لبنان وسوريا، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تحاول توجيه الأنظار إلى إنجاز دبلوماسي يعوض أزمتها الأخلاقية والسياسية بسبب دعمها لإسرائيل.
ويرى محللون أن إدارة ترامب تسعى لإعادة الزخم إلى مشروع "السلام عبر التطبيع"، لتقدّمه كإنجاز سياسي في عام انتخابي حساس داخل الولايات المتحدة.



