شهدت جبهة رفح، فجر اليوم، واحدة من أكثر العمليات تعقيدًا وخطورة منذ بداية التوغّل العسكري الإسرائيلي في القطاع، وذلك بعد هجوم مباغت نفذه ثلاثة مسلحين خرجوا من فتحة نفق، ما أدى إلى إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين بجروح خطيرة،
وفق ما نقلته صحيفة حدشوت لفني كولام عن مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى. الهجوم الذي وُصف بـ"الاستثنائي" أعاد الأسئلة حول قدرة الجيش على السيطرة الكاملة على البنية التحتية تحت الأرض، وعن مدى جاهزية قواته المنتشرة في محيط رفح.
عملية مباغتة… من قلب الأرض
وبحسب الرواية الأوليّة، خرج ثلاثة مسلحين فلسطينيين من عين نفق يقع في محيط العمليات شرق رفح، ثم بادروا إلى إطلاق قذائف مضادة للدروع ورشاشات ثقيلة باتجاه القوات الإسرائيلية المتمركزة في المنطقة. وأكدت المصادر أن عنصرًا آخر تمكّن من التقدّم نحو مركبة عسكرية مدرعة وزرع عبوة ناسفة مباشرة عليها قبل أن ينسحب عبر النفق ذاته، في عملية توحي بقدر عالٍ من التنظيم والتنسيق.
الهجوم وقع خلال توقيت حساس، إذ تشهد رفح منذ أسابيع عمليات تمشيط وتطهير مكثفة تزعم إسرائيل أنها تهدف إلى "القضاء على آخر بنية تحتية للمقاومة". لكن ما حدث كشف عن ثغرة كبيرة في تقديرات الجيش، بعدما نجح المسلحون في استغلال شبكة الأنفاق التي تقول إسرائيل إنها "دُمرت بنسبة كبيرة".
إصابات خطيرة… وصدمة داخل القيادة
المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لم يقدّم تفاصيل واسعة، مكتفيًا بالقول إن الوضع "قيد الفحص"، وإن القوات تنفذ عمليات تمشيط واسعة لمنع تكرار الهجوم. إلا أنّ تسريبات داخلية أشارت إلى أنّ ثلاثة جنود أُصيبوا بجروح خطيرة جراء إطلاق النار المباشر وإصابة المركبة العسكرية بالعبوة الناسفة، ما استدعى نقلهم عبر مروحية طبية إلى أحد المستشفيات العسكرية.
مسؤول أمني إسرائيلي كبير قال لوسائل الإعلام العبرية إن "هذا اليوم لن يمرّ بهدوء"، في إشارة واضحة إلى نيّة القيادة الردّ بقوة على العملية. وأضاف: "ما حدث في رفح خطير للغاية، ويشير إلى فجوة يجب إغلاقها فورًا. سنعيد تقييم كل الترتيبات الأمنية في المنطقة."
دلالات الهجوم… الأنفاق ما زالت حاضرة
الهجوم على القوات الإسرائيلية في رفح يطرح سلسلة من التساؤلات حول كفاءة العمليات العسكرية التي أعلنت إسرائيل أنها أنهت خلالها "أهم مسارات الأنفاق". إذ يظهر من العملية أن شبكة الأنفاق لا تزال فعّالة في العمل الميداني وأن عناصر المقاومة قادرون على استخدامها في تنفيذ هجمات مركّبة ثم الانسحاب دون خسائر مباشرة.
كما يعكس الهجوم قدرة المسلحين على التحرك تحت ضغط كثيف من الطائرات المسيرة والاستطلاع، ما يؤشر إلى نقاط ضعف في منظومة المراقبة الأرضية، خاصة في المناطق الحدودية التي يفترض أنها تخضع لإجراءات أمنية استثنائية.
تصعيد محتمل… ورسائل متبادلة
التقديرات الأمنية الإسرائيلية تتجه إلى أن الهجوم لن يمر دون رد عسكري واسع، وقد يشمل تنفيذ ضربات مركزة على مناطق يُعتقد أنها تضم مداخل أنفاق أو مواقع انطلاق للمقاومة. لكن في المقابل، يرى محللون أن العملية جاءت كرسالة مباشرة من الفصائل الفلسطينية بأن قدرتها على المبادرة لا تزال قائمة رغم أشهر طويلة من العمليات الجوية والبرية.
كما يُعتقد أن العملية تحمل رسالة سياسية، خصوصًا في ظل الجدل الداخلي الإسرائيلي بشأن استمرار القتال في رفح وما يرافقه من ضغوط دولية متزايدة لوقف العمليات التي أوقعت آلاف الضحايا المدنيين.
تأثير الهجوم على الميدان
تدرك القيادة العسكرية الإسرائيلية أن الهجوم، رغم محدوديته الزمنية، أحدث صدمة في صفوف القوات المنتشرة، خاصة أنه وقع في منطقة تُعد أكثر نقاط الانتشار تحصينًا. أما بالنسبة للمقاومة، فإن العملية تمثل مكسبًا ميدانيًا يرفع معنويات المقاتلين ويؤكد استمرار قدرتهم على اختراق التحصينات.
من المتوقع خلال الساعات المقبلة أن تُعلن إسرائيل عن عملية "تعقب" واسعة، تشمل قصفًا متواصلًا وتوغّلات محدودة لتعقب مسارات الأنفاق في المنطقة. لكن وفق تقديرات ميدانية، فإن القدرة على القضاء الكامل على البنية التحتية تحت الأرض ما زالت بعيدة.
سيناريوهات قادمة
يتوقع محللون أن يشهد جنوب القطاع تصعيدًا متزايدًا خلال الأيام القادمة، سواء عبر عمليات اقتحام جديدة أو ضربات جوية مركزة، في محاولة لإرسال رسالة بأن الجيش لا يزال قادرًا على السيطرة على الميدان. لكن في الوقت نفسه، تمثل العملية الحالية نموذجًا لما قد يتكرر في مناطق أخرى، ما يضع القيادة أمام معادلة صعبة بين استمرار العمليات واستنزاف القوات.










