جاءت الندوة الصحفية التي انعقدت اليوم الأربعاء في تونس بمقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين لتجمع ثلاثاً من أبرز المنظمات الحقوقية والمهنية في البلاد، وهي النقابة الوطنية للصحفيين، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان. غير أن المناسبة لم تكن مجرد محطة رمزية، بل شكلت نافذة لقراءة أعمق في التحولات السياسية التي تشهدها تونس خلال الأشهر الأخيرة، والتي انعكست بشكل مباشر على وضع الحريات والحقوق. وقد بدا واضحاً أن الندوة تحولت إلى منصة تقييم شاملة للمشهد الحقوقي، وسط إجماع على تراجع المؤشرات المدنية والاجتماعية والاقتصادية، وتنامي التوتر بين السلطة والمنظمات المستقلة.
تشنج رسمي وتضييق على الفضاء العام في تونس
أجمع المتحدثون على أن الدولة تتعامل في الفترة الأخيرة مع المنظمات النقابية والمهنية والحقوقية بنَفَس متشنج، يعكس تغييرات في منهج الحكم والسياسات العامة. يأتي ذلك في ظل تزايد المبادرات التشريعية والتنفيذية التي يُنظر إليها باعتبارها تعزز قبضـة السلطة على المجال العام، وتُعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني بشكل يميل إلى الانغلاق. هذا المناخ، الذي يتزامن مع تغييرات سياسية وهيكلية واسعة، بدا محورياً في مداخلات ممثلي الهياكل الثلاثة، الذين عبّروا عن مخاوفهم من أن تكون هذه التحولات مقدمة لمرحلة جديدة من تقليص الحريات.
غياب الضمانات القضائية وتأثير التحولات السياسية
رئيس الهيئة الوطنية للمحامين بوبكر بالثابت قدّم صورة قاتمة عن الوضع الحقوقي، قائلاً إن تونس بعيدة اليوم عن روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإن غياب المجلس الأعلى للقضاء يفتح الباب أمام شكوك كبيرة حول استقلالية المحاكم وضمانات المحاكمة العادلة. حديثه يلامس مباشرة التحولات السياسية الأخيرة التي أثرت على هرم السلطة القضائية، لتنعكس على قدرة الدفاع على أداء أدواره التقليدية، وخاصة مع التضييقات المتكررة على المحامين ومنعهم من الوصول إلى ملفات وقضايا بعينها.
تجريم العمل المدني في ظل سياسة الانغلاق
رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بسام الطريفي، ذهب أبعد في التحليل، مؤكداً أن البلاد لم تحقق أي تقدم في حقوق الإنسان، وأن السلطة الحالية تتجه نحو تجريم العمل المدني والصحفي والسياسي. وربط الطريفي هذا التدهور بقرار وزارة العدل منع الرابطة من زيارة السجون، رغم الاتفاقية المنظمة لهذه الزيارات. هذا القرار، وفق الطريفي، يكشف عن توجّه رسمي للحيلولة دون رقابة مستقلة على أوضاع الاحتجاز، ما يعكس تداخلاً واضحاً بين التحولات السياسية الأخيرة ورغبة السلطة في إحكام السيطرة على المعلومة ومصادرها.
الإعلام في تونس بين الضغط السياسي والأزمة الاقتصادية
في مداخلة رئيس نقابة الصحفيين زياد دبار، برزت علاقة التغيير السياسي بالواقع الإعلامي بشكل أكثر وضوحاً. فقد تحدث عن سجن صحفيين وملاحقتهم استناداً إلى المرسوم 54، إلى جانب التراجع عن الحق في النفاذ إلى المعلومة وحرمان عدد كبير من الصحفيين من بطاقة الصحفي المحترف. ويأتي ذلك بالتزامن مع غياب هيئة تعديلية مستقلة للقطاع وتأخر الإصلاحات التي طال انتظارها. كما شدد على تدهور الوضع الاقتصادي للصحفيين، مبيناً أن قانون المالية الأخير لم يفتح باب الانتداب في القطاع العمومي، وهو ما جعل آلاف الصحفيين تحت رحمة هشاشة التشغيل في القطاع الخاص. هذه المؤشرات لا يمكن فصلها عن الخط السياسي للسلطة، الذي يركز على إعادة ضبط العلاقة مع المنظومات الرقابية والإعلامية.
قضايا النساء في مواجهة الانغلاق السياسي
من جانبها، سلّطت ممثلة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، يسرى دعلول، الضوء على تزايد الانتهاكات ضد النساء، خصوصاً الناشطات في المجالين المدني والسياسي. اعتبرت دعلول أن توجه السلطة يقوم على الانغلاق ورفض الحوار، وأن هذا المناخ أدى إلى ارتفاع منسوب العنف والتهديدات ضد النساء، لا سيما اللواتي يمارسن نشاطاً عاماً أو حقوقياً. هذه القراءة تُظهر أن التحولات السياسية لا تؤثر فقط على المؤسسات، بل تمتد لتطال الفضاء الاجتماعي والثقافي وعلاقات القوة داخله.
تراجعات اقتصادية واجتماعية تعكس الأزمة السياسية
رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عبد الرحمان الهذيلي، قدّم جانباً آخر من المشهد، مؤكداً تسجيل انتهاكات متعددة، إضافة إلى "تراجعات كبرى" في الملفات الاقتصادية والاجتماعية. وربط الهذيلي بين غياب رؤية اقتصادية واضحة وبين تزايد الاحتقان الاجتماعي، مشيراً إلى أن السلطة لم تقدم حلولاً حقيقية، وأن هذا العجز يرتبط مباشرة بتركيز القرار السياسي في دائرة ضيقة، ما جعل التعامل مع الأزمات الاجتماعية أقرب إلى ردود أفعال منه إلى سياسات شاملة.
مشهد حقوقي يعكس تغييراً في طبيعة الحكم
تظهر الندوة، في سياق التحولات السياسية التي تشهدها تونس، باعتبارها منصة لكشف تراكمات متسارعة من التوتر بين السلطات والمنظمات المدنية. فالتغييرات المؤسسية والقانونية خلال العامين الأخيرين ألقت بظلال كثيفة على الحريات العامة والصحافة والعدالة والحقوق الاجتماعية، ما جعل هذه الندوة تبدو أشبه بجرس إنذار يُنبّه إلى أن المسار الحالي لا يعكس فقط أزمة حقوقية، بل أزمة حكم وتوازنات داخل الدولة نفسها.
وتكشف مجمل المداخلات أن التراجع الحقوقي ليس نتيجة قرارات معزولة، بل هو نتاج تحوّل عميق في فلسفة إدارة الشأن العام، تتجه نحو مزيد من المركزية والانغلاق، في مقابل تقلص دور المؤسسات الوسيطة والرقابية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو المنظمات الحقوقية أمام مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، تتطلب إعادة تعريف دورها وأساليب عملها للحفاظ على ما تبقى من مكتسبات ديمقراطية.








