الهدنة بغزة.. في وقت تترقب فيه الأوساط الدولية والفلسطينية بصيص أمل لإنهاء معاناة دامت لأكثر من عامين، يبرز التساؤل الجوهري هل يصمد اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار الانتقال إلى "المرحلة الثانية"؟ ، ففي حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، قدم الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني عزات جمال قراءة معمقة تشرح لماذا يراوح الاتفاق مكانه، وكيف تتحول بنود التهدئة إلى أوراق للمناورة السياسية في يد حكومة الاحتلال.
المرحلة الثانية: الاختبار الحقيقي لإرادة الوسطاء
يرى عزات جمال أن الانتقال من المرحلة الأولى (التهدئة المؤقتة والتبادل الأولي) إلى المرحلة الثانية (الوقف الدائم لإطلاق النار والانسحاب الشامل) يمثل الاختبار الحقيقي لإرادة الوسطاء والإدارة الأمريكية مؤكدامماطلة حكومة نتنياهو و لم تعد المماطلة مرتبطة بحسابات أمنية محضة، بل أصبحت رهينة لتماسك الائتلاف اليميني الحاكم.
السياسة فوق الأمن
وأضاف أن نتنياهو يخشى أن يؤدي الالتزام الكامل بالانسحاب ووقف الحرب إلى انهيار حكومته من الداخل، لذا يفضل إبقاء الاتفاق في حالة "سيولة" دائمة.
ويشير التحليل إلى أن نتنياهو يتبع سياسة "اجتراح المطالب" لإفراغ الاتفاق من مضمونه الزمني. بدلاً من الالتزام بتسلسل المراحل، يقوم الاحتلال بفتح مسارات تفاوض موازية: لإطالة أمد المداولات الفنية وربط التقدم بملفات أمنية جديدة لم تكن مطروحة في المسودات الأولى وتجاوز الجداول الزمنية: تحويل المواعيد النهائية (Deadlines) إلى مجرد مقترحات قابلة للتأجيل.
التناقض الدولي: عجز سياسي خلف خطاب إنساني
هناك فجوة هائلة بين ما يُقال في أروقة الأمم المتحدة وما يحدث على الأرض في غزة. يصف جمال هذا التناقض بأنه "غطاء للعجز السياسي" و تكتفي القوى الدولية بإصدار بيانات التنديد والقلق دون آليات ضغط فعالة (عقوبات أو إجراءات تنفيذية) و الخروقات الميدانية المستمرة من قبل جيش الاحتلال تمر دون محاسبة، مما يضعف مصداقية الوسطاء أمام الشارع الفلسطيني.
التداعيات على الأرض: وقائع جديدة ومعاناة مستمرة
وقال : كل يوم يتأخر فيه الانتقال للمرحلة الثانية، يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لفرض تغييرات ديموغرافية وجغرافية في القطاع: وهناك محاولة تحويل المواقع المؤقتة إلى قواعد دائمة مؤكد أن الاستنزاف الإنساني وبقاء مئات الآلاف في حالة نزوح وعدم استقرار، مما يزيد من الضغط النفسي والمعيشي على الحاضنة الشعبية.
الحسابات الداخلية لنتنياهو: حارس الأمن أم حارس الكرسي؟
ويستثمر نتنياهو حالة "اللاحرب واللاسلم" ليقدم نفسه للجمهور الإسرائيلي كـ "حارس للأمن القومي" الذي لا يقدم تنازلات مجانية. لكن هذا السلوك، وفقاً لعزات جمال، يراكم أزمات مستقبلية.
الرؤية المستقبلية: هل ينكسر المسار المستدام؟
في المحصلة، تظل تعقيدات الانتقال سياسية بامتياز وليست تقنية. غياب الإرادة الدولية الصلبة أمام "بلطجة" القرار الإسرائيلي يجعل من وقف إطلاق النار مجرد محطة عابرة بدلاً من أن يكون مساراً مستداماً نحو السلام.
السيناريوهات المفتوحة
واختتم أن دون ممارسة ضغوط حقيقية من واشنطن والوسطاء العرب، سيبقى الواقع الميداني أقوى من أي خطاب دبلوماسي، حيث قال إن تحويل الاتفاق إلى "ورقة مناورة" قد يخدم طموحات نتنياهو الشخصية على المدى القصير، ولكنه يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة نتيجة غياب الأفق السياسي العادل.
يذكر انه تاريخياً، عانت الاتفاقات بين المقاومة والاحتلال من فجوة "الغموض البنّاء"، حيث يسعى الوسطاء لتقريب وجهات النظر عبر صياغات تحتمل التأويل ومع ذلك، دخلت حكومة بنيامين نتنياهو مرحلة "الممانعة الصلبة" للانتقال للمرحلة الثانية، مدفوعةً بضغوط وزراء اليمين المتطرف (سموتريتش وبن غفير) الذين يلوحون بفرط عقد الائتلاف إذا توقفت الحرب دون "تفكيك كامل لقدرات المقاومة".
هذا المناخ السياسي خلق حالة من "اللاحرب واللاسلم"، حيث يُستغل الاتفاق كأداة تكتيكية لشراء الوقت وإعادة التموضع الميداني، مما جعل قضايا مثل (محور فيلادلفيا، عودة النازحين، والانسحاب من وسط القطاع) نقاطاً خلافية متجددة تُستخدم لإفراغ أي تقدم دبلوماسي من محتواه، وهو ما يضفي أهمية استثنائية على تحليل عزات جمال حول هشاشة الالتزام الدولي أمام المناورات الإسرائيلية.
وجاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي وُقع في أكتوبر 2025 برعاية "قطرية-مصرية-أمريكية"، كاستجابة دولية عاجلة لإنهاء عامين من حرب الإبادة الجماعية التي دمرت قطاع غزة، صُمم الاتفاق على مراحل ثلاث؛ تهدف الأولى إلى تبادل جزئي للأسرى وتهدئة ميدانية، بينما تشكل المرحلة الثانية العمود الفقري للحل عبر إقرار "هدوء دائم" وانسحاب كامل لقوات الاحتلال.




