المرصد الأورومتوسطي يحذر: إسرائيل تدمر 21 مقبرة في غزة وتحوّل الرفات إلى ركام عسكري
مع استمرار فصول الإبادة الجماعية في قطاع غزة، برزت جريمة "نبش القبور" كواحدة من أبشع أدوات الحرب النفسية والجسدية التي يمارسها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين.
لقد وثق "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" تصاعداً خطيراً في عمليات تجريف المقابر والعبث بالجثامين، ولا سيما في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، حيث تم نبش نحو 200 قبر تحت ذريعة البحث عن جثة الأسير الإسرائيلي الأخير.
إن هذه الممارسات التي تتجاوز حدود المنطق العسكري، تضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني قارس، إذ تتحول المقابر من أماكن للسكينة والوقار إلى مسارح للتمثيل بالرفات وسحق العظام تحت جنازير الدبابات، في محاولة واضحة لمحو الهوية الديموغرافية والتاريخية للإنسان الفلسطيني حتى بعد رحيله.
التدمير المنهجي للمقابر
تشير تقارير المرصد الأورومتوسطي إلى أن الاستهداف الإسرائيلي للمقابر لم يكن عرضياً أو نتيجة للاشتباكات، بل كان عملاً منظماً استهدف 21 مقبرة من أصل 60 في قطاع غزة خلال العامين الماضيين.
ففي حي الشجاعية وقرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، يواصل الجيش الإسرائيلي فتح القبور بشكل أحادي دون أي إشراف دولي محايد، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مما يفتح الباب على مصراعيه لسلب الجثامين ونقلها إلى مواقع مجهولة.
هذا النمط من التدمير طال أيضاً مقابر "بيت حانون" و"الشيخ شعبان" و"الفالوجا"، حيث أدت عمليات التجريف إلى اختلاط الرفات وصعوبة التعرف على هوية المتوفين، مما يمثل انتهاكاً صارخاً للمادة 120 من اتفاقية جنيف الرابعة التي توجب احترام الموتى وصون قبورهم.
التعذيب النفسي للعائلات
لا تتوقف آثار هذه الجرائم عند تدنيس الرفات، بل تمتد لتشكل "تعذيباً نفسياً" لا يوصف لعائلات الضحايا الذين يعيشون في حالة شك دائم بشأن مصير رفات ذويهم. إن رؤية القبور مجرفة والشواهد محطمة يغرق الأهالي في دوامة من الألم، محرومين من حقهم الأساسي في معرفة مواقع دفن أحبائهم أو إقامة مراسم الوداع اللائقة.
ويرى المرصد الأورومتوسطي أن هذا السلوك الممنهج يهدف إلى كسر الروح المعنوية للفلسطينيين عبر إشعارهم بأن كرامتهم مهدرة حتى في الموت، وهو ما يندرج ضمن سياسات "العقاب الجماعي" التي تتبعها إسرائيل بدعم قوى دولية، متجاهلة النداءات الأممية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف مظاهر الإبادة كافة.
خروقات القانون الدولي
من الناحية القانونية، يؤكد القانون الدولي الإنساني وقواعد الحرب حظر سلب جثامين القتلى أو التمثيل بها، وتعتبر "المعاملة المهينة للموتى" جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
إن تذرع إسرائيل بالبحث عن أسرى لا يمنحها شرعية العبث بمئات القبور الفلسطينية؛ فالقانون يشترط أن تكون أي أعمال بحث مقيدة بأضيق نطاق ممكن وبضمانات إنسانية صارمة.
ومع ذلك، فإن النمط الموثق في غزة يظهر تجريفاً واسعاً لمساحات تصل إلى آلاف الأمتار المربعة، كما حدث في شرق خان يونس وفي المقبرة التونسية ومقبرة الشيخ رضوان، حيث تم تحطيم القبور وإحداث حفر كبيرة ابتلعت الرفات، مما يثبت نية التدمير والتدنيس المتعمد وليس البحث الفني المنضبط.
صرخة حقوقية
أمام هذا التغول الإسرائيلي، يطالب المرصد الأورومتوسطي بوقف فوري لعمليات النبش والتجريف، مشدداً على ضرورة أن تضطلع المحكمة الجنائية الدولية ولجان التحقيق الأممية بدورها في التحقيق في "التدمير المنهجي للمقابر".
إن غياب المحاسبة شجع الجيش الإسرائيلي على تحويل جثامين الموتى إلى أدوات للمساومة السياسية أو أهداف للآليات العسكرية. يجب إلزام إسرائيل بتوثيق كل عملية فتح قبر وتحديد إحداثياتها بدقة، مع منع نقل أي رفات إلى خارج القطاع و إن استعادة حرمة الموتى في غزة هي جزء لا يتجزأ من معركة استعادة كرامة الأحياء، وبدون ضغط دولي حقيقي سيبقى رفات الفلسطينيين عرضة للانتهاك المستمر في ظل صمت عالمي مريب.
غزة ومعركة الذاكرة تحت التراب
وإن ما يحدث في مقابر غزة هو محاولة "لمحو الأثر"؛ فإسرائيل لا تكتفي بقتل الفلسطينيين فوق الأرض، بل تلاحقهم في باطنها. إن نبش القبور وتدمير 21 مقبرة يمثل ذروة السلوك المتوحش الذي يسعى لتفكيك الرابط التاريخي بين الإنسان وأرضه.
وستظل شواهد القبور المحطمة في جباليا وخان يونس والشجاعية شاهدة على مرحلة مظلمة من تاريخ البشرية، حيث تُنتهك فيها أقدس الحرمات الإنسانية وإن صيانة حرمة الموتى هي واجب أخلاقي وقانوني عابر للحدود، وتحقيقه هو الخطوة الأولى نحو ضمان عدم إفلات الجناة من العقاب وصون ما تبقى من إنسانية في هذا العالم المكلوم.








