أظهرت نتائج استطلاع الأمن القومي الإسرائيلي لشهر فبراير 2026 تحولاً جذرياً في توجهات الرأي العام تجاه الملف النووي الإيراني، حيث بات نصف الجمهور الإسرائيلي بنسبة بلغت 50.5% يؤيدون بشكل صريح تنفيذ هجوم عسكري مستقل ومباشر ضد المنشآت الإيرانية.
وتأتي هذه النتائج في ظل مخاوف إسرائيلية متزايدة من إمكانية توصل الإدارة الأمريكية إلى اتفاق دبلوماسي مع طهران قد يمنع واشنطن من توجيه ضربة عسكرية، وهو ما تعتبره شريحة واسعة من الإسرائيليين تهديداً وجودياً يتطلب تحركاً منفرداً.
وتعكس هذه النسبة حالة من عدم الثقة في الضمانات الدولية، خاصة وأن الملف الإيراني تصدر قائمة مصادر القلق الأمني بنسبة 78%، حيث اعتبر 36% من المستطلعين أن المشروع النووي هو القضية الأكثر إلحاحاً، يليه برنامج الصواريخ الباليستية، وهو ما يضع صانع القرار في تل أبيب أمام ضغط شعبي هائل لاختيار مسار التصعيد العسكري كسبيل وحيد لضمان الأمن القومي.
ثقة بالبزة العسكرية واهتزاز في أروقة السياسة والقيادة
كشف الاستطلاع عن فجوة سحيقة في مستويات الثقة بين المؤسستين العسكرية والسياسية، فبينما يتمتع الجيش الإسرائيلي بثقة عالية بلغت 76%، ترتفع هذه النسبة لتصل إلى 79% تجاه سلاح الجو، و82% تجاه قيادة الجبهة الداخلية، مما يشير إلى أن الجمهور يعول بشكل كامل على القدرات التقنية والعسكرية للجيش في حال اندلاع مواجهة شاملة.
وفي المقابل، تعاني الحكومة الإسرائيلية من أزمة شرعية حادة، حيث لم تتجاوز نسبة الثقة بها حاجز الـ 30%، بينما أعرب 69% عن تدني ثقتهم المطلق في أداء الفريق الحكومي. ولا يبدو وضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أفضل حالاً، إذ سجل 34% فقط من مستويات الثقة مقابل 64% أبدوا ثقة منخفضة به، وهو ما يعكس انقساماً سياسياً حاداً وتراجعاً في الالتفاف الشعبي حول القيادة السياسية التي يُنظر إليها على أنها غارقة في التوترات الداخلية أكثر من انشغالها بالرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
جبهات غزة ولبنان.. التشكيك في المسار السياسي والميل للحل العسكري
فيما يخص الملفات الميدانية المشتعلة، أظهر الجمهور الإسرائيلي تشككاً كبيراً في جدوى الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من العمليات العسكرية في قطاع غزة، حيث رأى 51.5% أن هذا التحول لا يخدم المصالح الاستراتيجية لإسرائيل، مما يشي برغبة في استمرار الضغط العسكري المكثف بدلاً من التهدئة الهشة.
أما على الجبهة الشمالية، فإن المزاج الشعبي يبدو أكثر ميلاً للعودة إلى القتال في لبنان بنسبة 56%، مع تباين في شكل هذه المواجهة بين من يفضل عملية محدودة لضمان أمن المستوطنات الشمالية وبين من يؤيد مناورة برية واسعة.
إن هذه التوجهات تعكس حالة من الإحباط الشعبي تجاه الحلول الدبلوماسية المتبعة حالياً، وميلاً متزايداً نحو استخدام القوة العسكرية المفرطة لحسم الملفات العالقة في كل من غزة ولبنان، مما يضع الجيش تحت ضغط الاستعداد الدائم لعدة جبهات متزامنة في وقت واحد.
التطبيع والسلام الإقليمي.. الدولة الفلسطينية كعائق أمام "الصفقة الكبرى"
وعلى صعيد العلاقات الإقليمية ومستقبل التطبيع، أظهرت النتائج أن حلم "اتفاق السلام مع السعودية" يصطدم برفض إسرائيلي قاطع لمبدأ الدولة الفلسطينية، حيث أيد 28% فقط من المستطلعين الاتفاق إذا كان مشروطاً بإقامة دولة فلسطينية، في حين عارض هذا التوجه 47%، وسجلت المعارضة أعلى مستوياتها في أوساط ناخبي اليمين والائتلاف الحاكم.
هذه المعطيات تؤكد أن الجمهور الإسرائيلي، رغم رغبته في الاندماج الإقليمي وتحقيق مكاسب اقتصادية وأمنية من التطبيع، ليس مستعداً لتقديم تنازلات جوهرية في الملف الفلسطيني، وهو ما يعقد مهمة الوسطاء الدوليين الذين يرون في حل الدولتين جزءاً لا يتجزأ من أي صفقة سلام شاملة في المنطقة، ويشير إلى أن الرأي العام الداخلي قد تجاوز فكرة "الأرض مقابل السلام" لصالح "السلام مقابل السلام" أو السلام القوي.
الجبهة الداخلية المتصدعة.. قلق من التضامن المجتمعي وانحياز الشرطة
بعيداً عن المهددات الخارجية، كشف استطلاع فبراير 2026 عن حالة من القلق العميق تجاه تماسك الجبهة الداخلية الإسرائيلية، إذ عبر 84% من المشاركين عن مخاوفهم من التوترات الاجتماعية المتصاعدة.
ورأى 66% أن مستوى التضامن المجتمعي بات ضعيفاً أو منعدماً، مما يهدد "المنعة القومية" في أوقات الأزمات الكبرى. علاوة على ذلك، وجه الجمهور انتقادات حادة لجهاز الشرطة، حيث اعتبر 69.5% أنها لا تتبع سياسة إنفاذ متساوية وتتحيز ضد المتظاهرين بناءً على خلفياتهم السياسية.
هذه الأرقام تعكس مجتمعاً منقسماً على نفسه يفتقد للثقة في مؤسساته القانونية والمدنية، وهو ما قد يمثل نقطة ضعف استراتيجية في حال تعرضت البلاد لهجوم خارجي طويل الأمد يتطلب تماسكاً شعبياً واصطفافاً وطنياً خلف مؤسسات الدولة المختلفة.








