أعرب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، عن قلق المنظمة البالغ إزاء إقرار "الكنيست" الإسرائيلي تشريعاً يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين، مؤكداً أن موقف الأمم المتحدة يظل ثابتاً وواضحاً في رفض عقوبة الإعدام بجميع أشكالها وظروفها.
وأوضح دوجاريك أن هذا القانون يحمل طبيعة تمييزية تجعله "قاسياً بشكل خاص"، حيث يستهدف فئة محددة بناءً على اعتبارات سياسية وقومية، مما يعد انتهاكاً صارخاً للمبادئ القانونية الدولية التي تنص على المساواة أمام القانون.
ودعا المتحدث الأممي الحكومة الإسرائيلية إلى ضرورة التراجع الفوري عن هذا التشريع وعدم المضي قدماً في تطبيقه، مشدداً على أن تبني مثل هذه القوانين يساهم في تأجيج الكراهية ويزيد من تعقيد المشهد المتأزم أصلاً في الأراضي المحتلة، ويقوض أي فرص مستقبلية لتحقيق عدالة انتقالية أو استقرار حقيقي.
التداعيات الاقتصادية الكارثية للتصعيد في الشرق الأوسط
وفي سياق استعراضه للمؤشرات الاقتصادية المرعبة، كشف دوجاريك عن معطيات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحذر من أن استمرار التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي حاد يتراوح بين 3.7% و6% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي.
وأشار التقرير الأممي إلى أن هذه الأرقام تترجم إلى خسائر مالية هائلة تتراوح بين 120 و294 مليار دولار، مما يضع اقتصاديات المنطقة على حافة الانهيار الكلي.
ولم تتوقف التحذيرات عند الجوانب المالية فقط، بل شملت البعد الاجتماعي المباشر، حيث يُتوقع ارتفاع معدلات البطالة بنحو أربع نقاط مئوية، وهو ما يعني فقدان نحو 3.6 ملايين وظيفة، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى انزلاق ما يقارب أربعة ملايين شخص إضافي إلى دائرة الفقر المدقع، مما يدمر عقوداً من العمل على تحسين مؤشرات التنمية البشرية في المنطقة.
الكارثة الصحية والإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة
انتقل دوجاريك في إحاطته إلى تفصيل الوضع المأساوي داخل قطاع غزة، مشيراً إلى أن الجهود الإنسانية تبذل أقصى طاقتها في ظل ظروف شبه مستحيلة، حيث تم تسهيل عودة أطفال عبر معبر رفح بعد رحلات علاجية شاقة، وإجلاء مرضى آخرين يعانون من حالات حرجة لا يمكن التعامل معها محلياً بسبب تدمير المنظومة الصحية.
وحذر المتحدث من تدهور الحالة الصحية داخل مراكز الإيواء المؤقتة، حيث أفادت التقارير الأممية بانتشار واسع للأمراض الجلدية المعدية، وعلى رأسها مرض "الجرب"، بالإضافة إلى تفشي القوارض والآفات نتيجة النقص الحاد في مواد النظافة الشخصية والمبيدات.
وأكد أن وكالات الأمم المتحدة تطالب بضمان حركة آمنة وكريمة للأفراد وفقاً للقانون الدولي الإنساني، وتناشد بفتح الممرات بشكل دائم لإدخال الإمدادات اللازمة لمكافحة هذه الأوبئة ومنع وقوع كارثة صحية شاملة داخل مراكز النزوح.
لبنان والخط الأزرق.. شبح الحرب الشاملة والنزوح الكبير
بشأن الأوضاع في لبنان، حذر المتحدث الأممي من الانزلاق إلى حرب شاملة في ظل تكثيف تبادل إطلاق النار عبر "الخط الأزرق" واتساع نطاق العمليات العسكرية التي طالت مناطق بعيدة عن الحدود.
وكشف دوجاريك أن أعداد النازحين داخلياً في لبنان تجاوزت حاجز 1.1 مليون شخص، يعيش أغلبهم في ظروف صعبة للغاية مع تضرر البنية التحتية والطرق الرئيسية التي تعيق وصول المساعدات الغذائية والطبية.
كما تطرق إلى الحوادث التي استهدفت قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل)، مؤكداً سقوط ضحايا في صفوفها ومشيداً بشجاعتهم في أداء مهامهم، معلناً عن استمرار التحقيقات لتحديد المسؤوليات. وشدد على أن سيادة لبنان ووحدة أراضيه يجب أن تحترم، معقباً على التهديدات الإسرائيلية بالتوغل حتى نهر الليطاني بأن لبنان "لا يمكن أن يتحول إلى غزة أخرى"، وأن الدولة اللبنانية هي الوحيدة صاحبة الحق في بسط سلطتها العسكرية على أراضيها.
إدانة محاولات الاغتيال السيادي وحماية النشطاء
ختم دوجاريك إحاطته بالتطرق إلى الشأن الحقوقي الدولي، حيث أشار إلى إحباط محاولة اغتيال الناشطة الفلسطينية الأمريكية نردين كسواني في مدينة نيويورك.
وعبرت الأمم المتحدة عن امتنانها العميق للسلطات الأمنية التي تمكنت من كشف المخطط وإيقافه قبل التنفيذ، واصفة الحادثة بأنها محاولة يائسة لإسكات الأصوات الحقوقية عبر العنف.
وجدد المتحدث الرسمي موقف المنظمة الدولية الرافض بشكل قاطع لجميع أشكال العنف السياسي وعمليات الاغتيال المستهدفة، مؤكداً أن حماية حرية التعبير وسلامة النشطاء هي جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان التي تدافع عنها الأمم المتحدة.
ودعا إلى ضرورة محاسبة المتورطين في مثل هذه المخططات لضمان عدم تكرارها، معتبراً أن اللجوء إلى التصفية الجسدية يعكس عجزاً عن مواجهة الحجج والآراء في الفضاء العام بأسلوب ديمقراطي وحضاري.




