أكد الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حازم قاسم، أن الأسرى الفلسطينيين القابعين في سجون الاحتلال الصهيوني يمرون حالياً بما وصفها بـ "أخطر مرحلة في تاريخ الحركة الأسيرة" منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا.
وأوضح قاسم في تصريحاته أن هذا الخطر لا ينبع فقط من ظروف الاحتجاز القاسية التي اعتاد عليها الفلسطينيون، بل يتجاوز ذلك ليصل إلى مرحلة الوجودية، في ظل ما يتعرضون له من حملات تعذيب جسدي ونفسي ممنهجة، وعمليات تجويع حقيقية تهدف إلى إنهاك أجسادهم، وصولاً إلى انتهاكات صارخة تشمل الاعتداءات الجنسية والاغتصاب التي تُرتكب بعيداً عن أعين المنظمات الدولية والمؤسسات الحقوقية، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وإنساني عسير لوقف هذه الجرائم التي ترقى إلى جرائم حرب ضد الإنسانية.
وشدد الناطق باسم الحركة، خلال كلمة ألقاها في وقفة تضامنية كبرى نظمت في مدينة غزة بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني، على أن هذا العام يمثل ذروة التنكيل الصهيوني، خاصة مع التوجهات السياسية اليمينية المتطرفة التي تسعى لإقرار قانون "إعدام الأسرى".
هذا القانون الذي وصفه قاسم بأنه يمثل الوجه القبيح للاحتلال الذي يحاول قوننة القتل العمد وتصفية المناضلين الفلسطينيين تحت غطاء تشريعي زائف.
وأشار إلى أن الاحتلال يحاول استغلال حالة الانشغال العالمي بالحروب الإقليمية لتنفيذ مخططاته الإجرامية داخل الغرف المظلمة في معتقلات "عوفر" و"النقب" و"مجدو" وغيرها، حيث يواجه الأسرى هناك الموت البطيء في كل لحظة.
غزة والتحام الساحات الوطنية
ورغم الجراح العميقة التي تعاني منها قطاع غزة نتيجة حرب الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لكل مقومات الحياة، إلا أن حازم قاسم أكد بصوت واثق أن غزة ستبقى دائماً وأبداً في قلب المعادلة الوطنية الفلسطينية.
وأشار إلى أن التجويع والحصار الذي يفرضه الاحتلال على سكان القطاع لن يثنيهم عن دورهم الطليعي في الدفاع عن القضايا العادلة للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها قضية الأسرى التي تمثل جرحاً نازفاً في كل بيت فلسطيني.
إن غزة التي تقدم الشهداء والجرحى يومياً، لا تزال ترى في حرية الأسرى واجباً شرعياً ووطنياً لا يمكن التنازل عنه، وهي تثبت في كل محطة أنها الصخرة التي تتكسر عليها أحلام الاحتلال في تصفية القضية الفلسطينية أو عزل ملفاتها عن بعضها البعض.
وفي سياق استعراض الأرقام والإحصائيات الصادمة، لفت قاسم إلى أن ما يقارب من مليون فلسطيني قد ذاقوا مرارة السجون الصهيونية خلال العقود الماضية، وهو رقم يعكس حجم الاستهداف المباشر لجميع فئات الشعب الفلسطيني.
ومع ذلك، يرى قاسم أن المرحلة الحالية تتسم بشراسة غير مسبوقة، حيث انتقل الاحتلال من مرحلة العقاب الجماعي إلى مرحلة التصفية الجسدية والمعنوية الكاملة.
إن إقرار قانون الإعدام وتشديد الانتهاكات اليومية، بما في ذلك الحرمان من العلاج ومنع الزيارات العائلية، يهدف بالأساس إلى كسر الروح المعنوية للأسرى وتحويلهم إلى أرقام في سجلات الموت، وهو ما تفشل فيه الحركة الأسيرة يومياً بفضل صمودها الأسطوري وإيمانها بعدالة قضيتها.
دعوات للتحرك الشعبي والرسمي
ولم يكتفِ قاسم بتشخيص الواقع المرير، بل وجه دعوة ملحة وشاملة إلى ضرورة تكثيف الفعاليات الشعبية والحراك الجماهيري في كافة أماكن وجود الشعب الفلسطيني.
وطالب بتفجير الغضب الشعبي في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وفي أراضي الداخل الفلسطيني عام 1948، وصولاً إلى مخيمات اللجوء والشتات في مختلف دول العالم.
وأكد أن الضغط الميداني هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الاحتلال، وأن خروج الجماهير إلى الشوارع والتظاهر أمام السفارات والمنظمات الدولية من شأنه أن يمارس ضغطاً فاعلاً لإجبار الكيان الصهيوني على وقف جرائمه وإلغاء القوانين العنصرية التي تستهدف حياة الأسرى، فالحرية لا تُوهب بل تُنتزع انتزاعاً.
وعلى الصعيد الداخلي، شدد قاسم على أن الوحدة الوطنية التي تجلت في وقفة غزة التضامنية، بمشاركة مختلف الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية والعشائر ومؤسسات المجتمع المدني، يجب أن تترجم إلى استراتيجية رسمية فلسطينية فاعلة ومستدامة.
وأوضح أن قضية الأسرى يجب أن تظل حاضرة في المحافل الدولية والجنائية، وأن يتم تدويل الملف بشكل أوسع لضمان ملاحقة قادة الاحتلال ومصلحة السجون على جرائمهم. إن هذه الوحدة تعكس إدراكاً عميقاً من كافة مكونات الشعب الفلسطيني بأن المصير واحد، وأن النصر في معركة الأمعاء الخاوية هو نصر للمشروع الوطني الفلسطيني برمته.
رسائل إلى السلطة والمقاومة
وفي رسالة مباشرة وشديدة اللهجة إلى المؤسسة الرسمية الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، طالب حازم قاسم بضرورة التراجع الفوري عن كافة القرارات المتعلقة بقطع أو تقليص رواتب الأسرى والمحررين.
وحذر قاسم من أن استمرار هذه السياسات يصب في مصلحة الاحتلال، ويؤدي إلى تجويع عائلات الأسرى وأطفالهم بعد أن يتم تجويع الأسرى أنفسهم داخل السجون.
وأكد أن الواجب الوطني يفرض على السلطة الفلسطينية تعزيز صمود هؤلاء الأبطال وذويهم، لا التضييق عليهم في لقمة عيشهم، معتبراً أن إلغاء الإجراءات المتعلقة بالرواتب هو أقل ما يمكن تقديمه لمن ضحوا بزهرات شبابهم خلف القضبان من أجل حرية الوطن.
ختاماً، أوضح الناطق باسم حركة حماس أن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة لم ولن تتخلى عن عهدها للأسرى، مشيراً إلى أن التاريخ سجل للمقاومة بطولات في إنجاز صفقات التبادل المشرفة.
وأكد أن معركة "طوفان الأقصى" أعادت قضية الأسرى إلى الصدارة، وأثبتت أن خيار المقاومة هو الطريق الأقصر والأضمن لتحطيم قيود الزنازين.
ودعا قاسم كافة الساحات الأخرى إلى تصعيد العمل المقاوم والضغط الميداني بكل الوسائل المتاحة، لضمان تبييض السجون وعودة كل أسير وأسيرة إلى أحضان عائلاتهم مرفوعي الرأس، مؤكداً أن فجر الحرية بات قريباً بفضل تضحيات الشعب الفلسطيني وإصراره على نيل حقوقه كاملة غير منقوصة.







