أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، عن اكتشاف أثري جديد يعكس عمق الحضارة المصرية وتنوعها عبر العصور. وجاء هذا الكشف من خلال بعثة أثرية إسبانية تابعة لجامعة برشلونة ومعهد الشرق الأدنى القديم، والتي تعمل في منطقة البهنسا بمحافظة المنيا. ويؤكد هذا الاكتشاف استمرار النشاط الأثري في مصر، خاصة في المواقع التي لا تزال تخفي الكثير من أسرار الماضي.
وتبين أن المقبرة المكتشفة تعود إلى العصر الروماني، وتضم عدداً من المومياوات والتوابيت الخشبية الملونة. ويعكس هذا التنوع في محتويات المقبرة طبيعة الطقوس الجنائزية التي كانت سائدة في تلك الفترة. كما يشير إلى مستوى متقدم من الحرفية الفنية والاهتمام بالتفاصيل في تجهيز الموتى.
ويأتي هذا الكشف في سياق سلسلة من الاكتشافات التي شهدتها محافظة المنيا خلال الفترة الأخيرة. إذ تحولت المنطقة إلى مركز مهم للبعثات الأثرية الدولية الباحثة عن كنوز الحضارة المصرية. ويعزز ذلك من أهمية البهنسا كموقع تاريخي غني بالدلائل الأثرية.
مومياوات مميزة
أوضحت وزارة السياحة والآثار أن المومياوات التي تم العثور عليها تتميز بخصائص فريدة من نوعها. فقد كان بعضها ملفوفاً بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية دقيقة، ما يدل على عناية خاصة بعملية التحنيط. كما تعكس هذه الزخارف أبعاداً فنية وثقافية مرتبطة بالمعتقدات السائدة آنذاك.
وعثرت البعثة أيضاً على ثلاثة ألسنة ذهبية، بالإضافة إلى لسان آخر مصنوع من النحاس. ويُعد هذا الاكتشاف من المؤشرات المهمة على الطقوس الجنائزية، حيث ارتبطت هذه الألسنة بمعتقدات تتعلق بالحياة بعد الموت. كما تم العثور على دلائل تشير إلى استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، ما يضفي بعداً رمزياً ودينياً على عملية التحنيط.
وتبرز هذه التفاصيل مدى التداخل بين الفن والدين في الحضارة المصرية خلال العصرين اليوناني والروماني. إذ لم تكن عملية التحنيط مجرد إجراء جسدي، بل كانت تحمل دلالات روحية عميقة. ويؤكد ذلك استمرار التأثيرات الثقافية المتعددة في تلك الفترة.
دلالات تاريخية
نقل بيان الوزارة عن وزير السياحة والآثار شريف فتحي تأكيده أن هذا الاكتشاف يمثل إضافة مهمة لسجل الاكتشافات الأثرية في مصر. وأشار إلى أنه يعكس ثراء وتنوع الحضارة المصرية عبر العصور المختلفة. كما يعزز من مكانة محافظة المنيا كمركز أثري بارز.
من جانبه، أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار هشام الليثي أن هذا الكشف يقدم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا. وأكد أن الموقع يحمل دلالات مهمة تتعلق بفترة العصرين اليوناني والروماني. ويُسهم ذلك في إعادة قراءة التاريخ المحلي للمنطقة.
كما أن طبيعة المكتشفات تشير إلى وجود مجتمع متطور يمتلك طقوساً معقدة ومعتقدات راسخة. وتعكس هذه المعطيات تداخلاً حضارياً بين الثقافات المختلفة التي مرت على مصر. وهو ما يجعل هذا الاكتشاف ذا قيمة علمية كبيرة.
بردية نادرة
من أبرز ما تم العثور عليه خلال أعمال التنقيب بردية نادرة داخل إحدى المومياوات. وتتضمن هذه البردية نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، وهو أحد أهم الأعمال الأدبية في التاريخ اليوناني. ويُعرف هذا الجزء باسم "فهرس السفن"، حيث يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضد طروادة.
ويمثل هذا الاكتشاف بعداً استثنائياً، إذ يجمع بين القيمة الأثرية والأدبية في آن واحد. فهو لا يسلط الضوء فقط على الممارسات الجنائزية، بل يكشف أيضاً عن التأثيرات الثقافية اليونانية في مصر خلال تلك الحقبة. وهذا يعزز فهم التفاعل الحضاري بين الشعوب القديمة.
وأشار الليثي إلى أن هذه البردية تضيف بعداً تاريخياً وأدبياً مهماً للموقع. إذ تفتح آفاقاً جديدة لدراسة انتشار النصوص الأدبية في العصور القديمة. كما تعكس مدى ارتباط مصر بشبكة أوسع من التأثيرات الثقافية في العالم القديم.
أهمية البهنسا
تُعد منطقة البهنسا واحدة من أهم المواقع الأثرية في مصر، لما تحمله من تاريخ ممتد عبر عصور متعددة. فقد كانت جزءاً من الحضارة المصرية القديمة قبل أن تزدهر بشكل لافت خلال العصر الروماني. كما شهدت المنطقة أحداثاً تاريخية مهمة، خاصة خلال فترة الفتح الإسلامي.
وتتميز البهنسا بتنوع طبقاتها الأثرية، ما يجعلها موقعاً غنياً بالدلالات التاريخية. إذ يمكن من خلاله تتبع تطور الحضارة المصرية وتأثرها بالثقافات الأخرى. وهذا ما يجعلها محط اهتمام الباحثين والبعثات الأثرية من مختلف دول العالم.
ويعزز هذا الاكتشاف الأخير من أهمية البهنسا كموقع استراتيجي في خريطة الآثار المصرية. كما يفتح المجال لمزيد من الدراسات والاكتشافات المستقبلية. ومن المتوقع أن تسهم هذه الاكتشافات في تعزيز السياحة الثقافية في مصر وإبراز تاريخها العريق.



