20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ظلال الانهيار داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تصاعد الانتحار بين الجنود والشرطة

تشير معطيات كشفت عنها صحيفة هآرتس إلى اتساع ظاهرة الانتحار داخل صفوف الجيش والشرطة الإسرائيليين، في سياق الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، وما رافقها من ضغط نفسي متفاقم على الأفراد.

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٨ أبريل ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
14 مشاهدة
ظلال الانهيار داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية

ظلال الانهيار داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية

تشير معطيات كشفت عنها صحيفة هآرتس إلى اتساع ظاهرة الانتحار داخل صفوف الجيش والشرطة الإسرائيليين، في سياق الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، وما رافقها من ضغط نفسي متفاقم على الأفراد. فبحسب الصحيفة، انتحر ما لا يقل عن عشرة جنود في الخدمة الفعلية منذ بداية العام، بينهم ستة خلال شهر واحد فقط، في مؤشر لافت على تسارع الظاهرة داخل المؤسسة العسكرية.

ولا تقتصر هذه الحالات على الجنود النظاميين، إذ أقدم ثلاثة جنود احتياط على الانتحار خلال الفترة ذاتها، رغم أنهم لم يكونوا في الخدمة الفعلية وقت وقوع الحادث. كما سُجلت حالتا انتحار في صفوف الشرطة، أحدهما ضمن حرس الحدود. وتعكس هذه الأرقام، وفقًا لمصادر عسكرية، اتجاهًا متصاعدًا بدأ منذ اندلاع الحرب، في ظل صعوبات حقيقية تواجهها المؤسسة في احتواء الأزمة، خاصة مع امتناع بعض الجنود عن طلب العلاج النفسي.

ضغوط الحرب
نقل ضابط رفيع في إدارة شؤون الأفراد عن حالة من فقدان السيطرة التدريجي على الوضع، مشيرًا إلى أن التقديرات الأولية في بداية الحرب كانت أكثر تفاؤلًا، قبل أن تتفاقم الأمور بشكل غير متوقع. ويعزو بعض المسؤولين ارتفاع معدلات الانتحار إلى تزامنها مع مناسبات ذات طابع عاطفي مثل يوم الذكرى، وما تثيره من مشاعر الفقد والصدمة.

في المقابل، يرى خبراء في الصحة النفسية، وفقًا لما نقلته الصحيفة، أن الربط المباشر بين هذه المناسبات والزيادة في حالات الانتحار ليس حاسمًا، رغم احتمال وجود تأثير جزئي. إلا أن العامل الأكثر وضوحًا، بحسب مصادر عسكرية، يتمثل في استمرار العمليات القتالية لفترات طويلة، ما يضع عبئًا هائلًا على عدد محدود نسبيًا من الجنود، ويؤدي إلى إنهاكهم نفسيًا.

تراجع الدعم النفسي
طرح نشطاء مختصون في علاج العسكريين تفسيرًا آخر يتمثل في تراجع مستوى الدعم النفسي المقدم للجنود، خلافًا لما تعلنه المؤسسة العسكرية رسميًا. ووفقًا لما نقلته هآرتس، قرر الجيش في فبراير إلغاء أيام التأهيل النفسي التي كانت تُخصص لجنود الاحتياط قبل عودتهم إلى الحياة المدنية، وهو قرار أثار انتقادات واسعة.

ورغم إعادة هذه البرامج بشكل تدريجي لاحقًا، فإن التطبيق ظل محدودًا، حيث تم تسريح جنود خدموا في مناطق حساسة مثل الحدود الشمالية والضفة الغربية دون إخضاعهم لتقييم نفسي. ويعكس ذلك، بحسب شهادات جنود، خللًا واضحًا في ترتيب الأولويات داخل المؤسسة، التي تنفق مليارات على التسليح بينما تقلص الإنفاق في مجالات الرعاية النفسية.

حلول غير كافية
يرى مختصون في الصحة النفسية أن الإجراءات الحالية، حتى عند تطبيقها، لا ترقى إلى مستوى التحدي. إذ تقتصر في كثير من الأحيان على جلسات قصيرة لا يشرف عليها متخصصون سريريون، ما يجعل تأثيرها محدودًا للغاية. ووصف أحد الخبراء هذه الإجراءات بأنها أشبه بمحاولة وقف نزيف حاد باستخدام وسائل سطحية لا تعالج جذور المشكلة.

وفي ظل هذا القصور، لجأت بعض الوحدات إلى تمويل جلسات علاج نفسي مطولة عبر التبرعات، في محاولة لسد الفجوة التي تتركها المؤسسة الرسمية. إلا أن هذه المبادرات تظل محدودة النطاق ولا تعكس سياسة شاملة قادرة على التعامل مع الأزمة المتصاعدة.

إهمال ميداني
تفيد شهادات جنود بانخفاض عدد ضباط الصحة النفسية في الميدان، حيث لم يلتق كثير منهم بأي مختص رغم تعرضهم لأحداث صادمة، خصوصًا في جبهات مثل جنوب لبنان. وفي الوقت ذاته، استمر الجيش في تجنيد أفراد يعانون من اضطرابات نفسية دون إخضاعهم لفحوص طبية مناسبة، ما يعكس مستوى خطيرًا من الإهمال.

كما كشفت تقارير عن ضغوط مارسها قادة ميدانيون على الجنود للالتحاق بالخدمة، وصلت في بعض الحالات إلى التهديد بالاعتقال. ويعود ذلك جزئيًا إلى نقص القوى البشرية في الوحدات القتالية، إضافة إلى استمرار مفاهيم تقليدية تقلل من أهمية الصحة النفسية داخل المؤسسة.

أرقام تكشف الأزمة
تعكس البيانات المتاحة تحولًا واضحًا في حجم الظاهرة. فخلال العقد الذي سبق حرب أكتوبر 2023، بلغ متوسط حالات الانتحار في الجيش نحو 12 حالة سنويًا. إلا أن الأرقام ارتفعت بشكل ملحوظ بعد ذلك، حيث سُجلت سبع حالات حتى نهاية 2023، ثم قفز العدد إلى 21 حالة في 2024، و22 حالة في العام التالي، وهو أعلى مستوى خلال 15 عامًا.

ورغم ذلك، تبقى هذه الأرقام جزئية، إذ لا تشمل الجنود الذين أنهوا خدمتهم. وقد اضطرت المؤسسة العسكرية إلى تعديل موقفها جزئيًا بعد تزايد التقارير عن حالات انتحار لجنود سابقين شاركوا في الحرب، ما يشير إلى أن التأثيرات النفسية تمتد إلى ما بعد انتهاء الخدمة.

ما بعد الخدمة
في نهاية 2025، أقر الجيش بوجود 15 حالة انتحار حتى ذلك الوقت، بينما كشفت هآرتس عن حالات إضافية لاحقة. وتشير المعطيات إلى أن بعض الجنود الذين شاركوا في الحرب، أو حتى في حروب سابقة، أنهوا حياتهم بعد معاناتهم من اضطرابات نفسية، بينها اضطراب ما بعد الصدمة.

كما سجلت حالات وفاة نتيجة جرعات زائدة من المخدرات أو الكحول بين جنود احتياط بعد تسريحهم، ما يعكس امتداد الأزمة إلى الحياة المدنية. ويطرح ذلك تساؤلات حول مسؤولية المؤسسة العسكرية عن متابعة هؤلاء بعد انتهاء خدمتهم، خاصة في ظل ارتباط معاناتهم بتجاربهم خلال الحرب.

قصص من الداخل
تكشف بعض الحالات الفردية عمق الأزمة الإنسانية داخل المؤسسة. فقد انتحر جنود خدموا في مواقع قتالية أو في أدوار دعم، بينهم مشغلو طائرات مسيّرة وعناصر إسعاف تعاملوا مع مشاهد مروعة خلال الحرب. وتشير شهادات مقربين إلى أن بعضهم لم يعد قادرًا على تحمل ما وصفوه بـ"فظائع الحرب".

كما برزت حالات لجنود شباب انهاروا تحت ضغط المسؤولية والأخطاء الميدانية، ما يسلط الضوء على هشاشة الدعم النفسي داخل الوحدات. وتكشف هذه القصص عن فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه الأفراد على الأرض.

مؤسسة تحت الضغط
رغم اعتراف قسم الصحة النفسية في الجيش بعدم وجود نمط موحد لحالات الانتحار، فإنه يعزو ارتفاع الأعداد إلى زيادة حجم القوات، خاصة قوات الاحتياط. إلا أن هذا التفسير لا يبدد المخاوف، في ظل استمرار تسجيل حالات مرتبطة بشكل مباشر بتجارب الحرب.

وتبقى الظاهرة، في جوهرها، انعكاسًا لأزمة أعمق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية مع الإهمال النفسي، في سياق حرب مستمرة كشفت، منذ أكتوبر 2023، ليس فقط عن حجم العنف الممارس في غزة، بل أيضًا عن التداعيات الداخلية العميقة على الجنود أنفسهم، وسط دعم أمريكي مباشر يطيل أمد هذا النزيف الإنساني على جميع المستويات.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

ظلال الانهيار داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تصاعد الانتحار بين الجنود والشرطة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°