20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

"حان وقت الوداع": رسالة إبستين المخفية بخط يده قبل 18 يوماً من الموت تعيد فتح ملف وفاته الغامضة

عاد اسم رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية بشعة بحق قاصرات، إلى واجهة الأحداث مجدداً وبقوة بعد أكثر من ست سنوات على وفاته الغامضة داخل زنزانته.

بقلم: أخبار ومتابعات
١ مايو ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
10 مشاهدة
جيفري إبستين

جيفري إبستين

عاد اسم رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية بشعة بحق قاصرات، إلى واجهة الأحداث مجدداً وبقوة بعد أكثر من ست سنوات على وفاته الغامضة داخل زنزانته، وذلك عقب الكشف عن تفاصيل صادمة ومثيرة تتعلق برسالة يُعتقد على نطاق واسع أنه كتبها قبل أيام قليلة من العثور عليه ميتاً في سجن مانهاتن الفيدرالي. 

والرسالة، التي بقيت مطموسة ومخبأة عن الأنظار لنحو سبع سنوات كاملة، تفتح اليوم الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جديدة وملحة حول ملابسات وفاته التي لا تزال محاطة بالغموض والجدل والنظريات المتضاربة حتى يومنا هذا. 

وأفاد تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، استناداً إلى وثائق قضائية ومصادر مطلعة، أن الرسالة التي يُعتقد أنها تحمل توقيع إبستين كانت قد وضعت ضمن ملفات محكمة فيدرالية في نيويورك، لكنها بقيت حبيسة الأدراج دون أن يتم الكشف عنها علناً طوال كل هذه السنوات، في انتظار من يسلط الضوء عليها.

وكان إبستين، البالغ من العمر 66 عاماً وقت وفاته، قد عُثر عليه ميتاً داخل زنزانته في مركز مانهاتن الإصلاحي في العاشر من أغسطس عام 2019، وكان ينتظر آنذاك محاكمته في قضية اتجار جنسي بقاصرات كان من الممكن أن تقوده إلى السجن مدى الحياة. 

وأعلنت السلطات الرسمية أن سبب الوفاة هو الانتحار شنقاً، لكن هذه الرواية الرسمية لم تقنع الكثيرين، خاصة في ظل وجود ثغرات أمنية فادحة وتناقضات صارخة في روايات حراس السجن وإدارة المؤسسة العقابية. واليوم، ومع الكشف عن وجود رسالة لم تعلن من قبل، تتجدد الدعوات لإعادة فتح التحقيق في القضية التي طالما مثلت وصمة عار في جبين النظام القضائي والسجون الأمريكية، والتي ارتبطت بأسماء شخصيات سياسية ومالية كبرى كان إبستين على علاقة وثيقة بهم.

رسالة انتحار مخفية لسنوات: من عثر عليها ومتى؟

كشف تقرير صحيفة "نيويورك تايمز"، الذي اعتمد على وثائق قضائية ومقابلات مع محامين وخبراء، أن رسالة يُعتقد وبقوة أنها كتبها جيفري إبستين شخصياً قد عُثر عليها من قبل زميله في الزنزانة، رجل الشرطة السابق نيكولاس تارتاليون، وذلك بعد حادثة سابقة خطيرة وقعت في الثالث والعشرين من يوليو عام 2019. 

ففي تلك الحادثة، وُجد إبستين فاقداً للوعي داخل زنزانته وكان قد لف قطعة قماش حول عنقه في محاولة انتحار فاشلة أنقذه على إثرها حراس السجن في اللحظات الأخيرة. ورغم أن إبستين نجا بأعجوبة من تلك المحاولة الأولى، فإن الأقدار لم تمهل طويلاً، إذ لم تمض سوى 18 يوماً فقط حتى عُثر عليه ميتاً شنقاً داخل زنزانته في العاشر من أغسطس 2019، في ظروف لا تزال غامضة ومثيرة للجدل.

وبحسب رواية تارتاليون، التي وثقها محاموه وقدموها ضمن ملفات قضائية منفصلة، فإن الرسالة كانت مخبأة أو متروكة في مكان ما داخل الزنزانة المشتركة بعد محاولة الانتحار الفاشلة. 

وتشير الوثائق إلى أن الرسالة أغلقت لاحقاً ضمن ملف قضية تارتاليون الذي كان يواجه اتهامات جنائية منفصلة تماماً عن قضية إبستين، وتم التحقق من صحتها من قبل محامي تارتاليون دون أن يتم الكشف عن الآلية التي تم بها هذا التحقق أو عن الجهة التي تؤكد صحة التوقيع. 

ويُذكر أن تارتاليون، وهو شرطي سابق، قد أُدين لاحقاً في عام 2023 بتهم منفصلة، وهو يقضي حالياً أربعة أحكام بالسجن المؤبد، مع استمراره في الطعن على الحكم من خلال محاميه.

ماذا جاء في رسالة إبستين؟

وفقاً للرواية التي رواها نيكولاس تارتاليون لمحاميه والتي نقلتها صحيفة "نيويورك تايمز" عن الوثائق القضائية، فإن الرسالة التي يعتقد أنها كتبها إبستين احتوت على عبارات قصيرة ومقتضبة لكنها مثيرة وغامضة إلى حد كبير. 

وأبرز ما ورد في هذه الرسالة، بحسب تارتاليون، هو جملة "حان وقت الوداع"، وهي عبارة تحمل نغمة انتحارية واضحة وتشير إلى أن صاحبها كان يخطط لإنهاء حياته بعد فترة وجيزة من كتابتها. كما تضمنت الرسالة جملة أخرى مثيرة للجدل هي: "ماذا تريدني أن أفعل، أن أنهار بالبكاء؟"، وهي عبارة يمكن تفسيرها على أنها رد ساخر أو غاضب على شخص ما كان يضغط عليه أو يوجه له اتهامات.

بالإضافة إلى ذلك، أشار تارتاليون إلى أن الرسالة تضمنت ادعاءً واضحاً من إبستين بأن المحققين "لم يعثروا على شيء" خلال تحقيقاتهم معه، في إشارة ربما إلى عدم وجود أدلة كافية ضده أو إلى عدم تعاون المتهمين الآخرين مع النيابة. 

ورغم كل هذه التفاصيل المروية عن مضمون الرسالة، فإن الصحيفة نفسها أكدت في تقريرها أنها لم تطلع على الرسالة مباشرة ولم ترها بأم عينها، كما أنها لم تحصل على تأكيد مستقل من مصادرها بأن الرسالة كتبت بخط يد إبستين شخصياً. والأكثر غرابة من ذلك، أن وزارة العدل الأمريكية نفت رسمياً امتلاكها لهذه الرسالة أو حتى الاطلاع عليها من قبل، مما يزيد من تعقيد المشهد ويغذي الشكوك حول وجود حملة تهدف إلى إخفاء الحقيقة عن الرأي العام.

ماذا قال إبستين بعد محاولته الفاشلة؟

من أكثر الجوانب إثارة للارتباك في قصة وفاة جيفري إبستين هو الموقف المتناقض الذي اتخذه الرجل بعد محاولة الانتحار الفاشلة في الثالث والعشرين من يوليو 2019. فوفقاً للتقارير الرسمية والشهادات التي جمعها المحققون، قام إبستين بعد نجاته من محاولة شنق نفسه بقطعة قماش، بإبلاغ حراس السجن وإدارة المؤسسة الإصلاحية بأن زميله في الزنزانة نيكولاس تارتاليون حاول قتله، ونفى بشكل قاطع وجود أي ميول انتحارية لديه أو أي نية للإضرار بنفسه. 

وقد دفع هذا التصريح إدارة السجن إلى فصل تارتاليون عن إبستين ونقله إلى زنزانة أخرى، كما تم وضع إبستين تحت مراقبة مشددة لمنع أي محاولة انتحار جديدة أو أي اعتداء عليه من قبل سجناء آخرين.

لكن بعد أسبوع واحد فقط من هذه الحادثة، وفي تطور مفاجئ ومربك للغاية، تراجع إبستين عن أقواله السابقة بالكامل، مؤكداً للمحققين ولإدارة السجن أنه "لم تكن هناك أي مشاكل" بينه وبين تارتاليون، وأنه لا يوجد أي عداوة أو نزاع بينهما. 

هذا التراجع المفاجئ والمريب أثار حفيظة المحققين وزاد من تعقيد المشهد، حيث لم يقدم إبستين أي تفسير مقنع لماذا اتهم تارتاليون بمحاولة القتل ثم تراجع بعد أسبوع. ويعتقد بعض المحللين أن إبستين ربما تعرض لضغوط شديدة من جهات خارجية لإسقاط الاتهام عن تارتاليون، أو ربما كان يتبع استراتيجية قانونية معينة لا تزال غامضة. وبغض النظر عن الأسباب، فإن هذا التناقض في أقوال إبستين أضعف بشكل كبير مصداقية روايته الأولى وزاد من حالة الارتباك حول ما حدث بالفعل داخل الزنزانة.

نظريات المؤامرة: اغتيال أم انتحار؟

إن الكشف عن وجود هذه الرسالة وكونها بقيت مخفية طوال سبع سنوات كاملة لم يهدئ من موجة نظريات المؤامرة التي أحاطت بوفاة إبستين، بل زادها اشتعالاً وتنوعاً. 

فمنذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها السلطات الرسمية عن وفاته في أغسطس 2019، انقسم المراقبون والمحللون إلى معسكرين رئيسيين: معسكر يصدق الرواية الرسمية التي تتحدث عن انتحار، ومعسكر آخر يرى أن إبستين تم اغتياله داخل زنزانته بواسطة جهات قوية كانت تخشى من المعلومات الهائلة التي كان بحوزته عن شخصيات سياسية ومالية وإعلامية نافذة. ومع ظهور رسالة "حان وقت الوداع"، أصبح أنصار نظرية الانتحار يمتلكون الآن دليلاً مكتوباً (وإن كان مشكوكاً في صحته) يعزز روايتهم وتفنيد نظريات الاغتيال.

لكن أنصار نظرية الاغتيال يردون بأن وجود الرسالة لا يثبت شيئاً، لأنها يمكن أن تكون مزورة أو مكتوبة تحت الإكراه أو حتى من قبل شخص آخر يحاكي خط يد إبستين. ويشيرون أيضاً إلى أن التوقيت الغريب للرسالة (التي كُتبت بعد محاولة الانتحار الفاشلة وقبل أسابيع قليلة من الموت) يمكن أن يكون جزءاً من مسرحية معقدة لإظهار أن إبستين كان يعاني من نوبات انتحارية، وبالتالي تبرير وفاته لاحقاً كهيئة انتحار حتى لو كان اغتيالاً. 

والأكثر إثارة للريبة، كما يقول هؤلاء، هو أن الرسالة بقيت مخفية كل هذه السنوات ولم تظهر إلا الآن عبر وسائل إعلام، وأن وزارة العدل نفسها تنفي امتلاكها أو الاطلاع عليها، مما يعني أن سلسلة حيازة الدليل (سلسلة العهدة) غير واضحة وغير موثوقة من الأساس.

رسالة واحدة لا تكفي لحل اللغز

في المحصلة النهائية، فإن الكشف عن رسالة "حان وقت الوداع" و"ماذا تريدني أن أفعل أن أنهار بالبكاء"، رغم أهميته وإثارته، لا يزال أبعد ما يكون عن حل لغز وفاة جيفري إبستين الذي حيّر العالم لأكثر من ست سنوات. فالرسالة، حتى لو ثبت يقيناً أنها كتبت بخط يده وأنها تعبر عن نواياه الحقيقية، لا تثبت وحدها أنه انتحر، لأنها لا تنفي إمكانية أن يكون قد قتل ثم رتبت الأدلة لتبدو كأنها انتحار. 

وفي المقابل، فإن غياب أي أدلة مادية قوية على الاغتيال (بصمات، كاميرات، شهادة شهود) يجعل من الصعب على أنصار نظرية الاغتيال تقديم إثبات قاطع ينسف الرواية الرسمية. ويبقى السؤال الأكبر الذي سيظل مفتوحاً طويلاً: لماذا كل هذا الغموض والتناقض والرسائل المخفية والتصريحات المتناقضة؟ ومن الذي يستفيد من إبقاء ملف قضية جيفري إبستين مفتوحاً وغير محسوم؟ الأيام وحدها كفيلة بإظهار المزيد من الأدلة، ربما بعد سبع سنوات أخرى.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

"حان وقت الوداع": رسالة إبستين المخفية بخط يده قبل 18 يوماً من الموت تعيد فتح ملف وفاته الغامضة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°