قال الدكتور سعيد أبو رحمة، الباحث في قضايا الصراع، إن المعطيات التي أوردتها جمعية "الضمير" لحقوق الإنسان عن أن قطاع غزة لا يواجه فقط واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث، بل يواجه أيضاً أزمة مفقودين واسعة النطاق مرشحة للتحول إلى أحد أكثر ملفات ما بعد الحرب تعقيداً وحساسية.
وأوضح أبو رحمة أن وجود أكثر من 9500 حالة لفلسطينيين فُقدوا أو انقطع الاتصال بهم منذ بداية الحرب يشير إلى أن حجم المأساة يتجاوز الأرقام التقليدية للشهداء والجرحى، ويدل على وجود فجوة كبيرة بين ما هو موثق وما يزال مجهول المصير، الأمر الذي يعكس حجم الدمار والفوضى والانهيار الذي أصاب البنية المدنية والمؤسساتية في القطاع.
وأكد أبو رحمة أن خطورة هذه الأرقام تزداد مع الإشارة إلى أن نحو 4700 من المفقودين هم من النساء والأطفال، ما يؤكد أن التأثير الأكبر للحرب وقع على الفئات المدنية الأكثر هشاشة، ويعكس حجم الاستنزاف الذي تعرض له النسيج الاجتماعي الفلسطيني. كما أن وجود أكثر من 8100 شخص ما زالوا تحت أنقاض المباني والمنشآت المدمرة يكشف أن جزءاً مهماً من الكارثة الإنسانية لم يُستكمل توثيقه بعد، وأن الحصيلة الفعلية للخسائر البشرية قد تبقى مفتوحة على احتمالات أكبر مع استمرار عمليات البحث ورفع الركام مستقبلاً.
اقرأ أيضا: مفقودو غزة يفضحون الإبادة: أكثر من 9500 غائب بين الركام والاعتقال
وأشار إلى أن تسجيل أكثر من 250 حالة فقدان لأشخاص أثناء توجههم إلى نقاط توزيع المساعدات الإنسانية أو على الطرق التي تسلكها شاحنات الإغاثة يحمل دلالة شديدة الخطورة، لأنه يعكس تآكل مفهوم "المساحة الإنسانية الآمنة" داخل القطاع. فحين يصبح الوصول إلى الغذاء أو المساعدات محفوفاً بمخاطر الفقدان أو الموت، فإن ذلك يعكس مستوى غير مسبوق من الانهيار في البيئة المدنية وقدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الأساسية.
وشدد الباحث في قضايا الصراع على أن الأرقام المتعلقة بـأكثر من 800 فلسطيني انقطع الاتصال بهم بعد احتجازهم أو خلال المرور عبر الحواجز العسكرية والتوغلات البرية، إضافة إلى أكثر من 350 شخصاً اختفوا بعد عبورهم السياج الحدودي في السابع من أكتوبر 2023، تمنح الملف بعداً سياسياً وقانونياً وأمنياً يتجاوز الجانب الإنساني. فهذه الحالات لا ترتبط فقط بظروف الحرب والدمار، بل تفتح تساؤلات تتعلق بالمصير وأماكن الاحتجاز وآليات التوثيق والكشف عن المعلومات، وهي قضايا غالباً ما تبقى حاضرة في المفاوضات السياسية والحقوقية لسنوات طويلة بعد انتهاء النزاعات المسلحة.
وبحسب أبو رحمة، تكشف هذه الأرقام عن وجود ثلاث دوائر متداخلة للأزمة؛ الأولى تتعلق بمفقودي الأنقاض الناتجين عن التدمير الواسع، والثانية بمفقودي النزوح والحركة الإنسانية، والثالثة بمفقودي الاحتجاز والأحداث الأمنية. ونوّه إلى أن هذا التداخل يجعل الملف أكثر تعقيداً من أن يُعالج عبر جهود إنسانية فقط، لأنه يتطلب مسارات قانونية وتقنية وسياسية متوازية للوصول إلى إجابات حول مصير آلاف الأشخاص.
أما انعكاسات هذه الأزمة، رجّح أبو رحمة أن تمتد لسنوات طويلة بعد توقف الحرب. فعلى المستوى الإنساني ستبقى آلاف العائلات معلقة بين الأمل والانتظار دون معرفة مصير أبنائها، وعلى المستوى الاجتماعي سيؤدي ذلك إلى تعميق آثار الصدمة الجماعية التي يعيشها المجتمع الغزي. أما على المستوى السياسي والقانوني، فمن المتوقع أن يتحول ملف المفقودين إلى أحد أبرز الملفات المطروحة أمام المؤسسات الحقوقية والمحاكم الدولية والجهات الوسيطة، وأن يصبح جزءاً أساسياً من أي ترتيبات أو تفاهمات مستقبلية تتعلق بغزة.
ولفت إلى ان الدلالة الأهم لهذه المعطيات لا تكمن فقط في أن غزة تضم أكثر من 9500 مفقود، بل في أن الحرب أفرزت أزمة إنسانية مفتوحة زمنياً، لن تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية. فكما أن إعادة الإعمار تحتاج إلى سنوات، فإن الكشف عن مصير آلاف المفقودين وتوثيقهم ومعالجة آثار غيابهم سيبقى أحد أكبر التحديات التي ستواجه المجتمع الفلسطيني والمؤسسات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب، وسيشكل أحد أبرز الشواهد على حجم الكلفة الإنسانية العميقة التي خلفها الصراع.










