كشف إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس التابع لـ الحرس الثوري الإيراني، عن توجه إيراني لإنشاء ما وصفه بـ“حزام أمني جديد للمقاومة”، يمتد جغرافيًا من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، مرورًا بأحد أخطر الممرات البحرية في العالم.
ويأتي هذا الإعلان، وفق ما نقلته وسائل إعلام رسمية إيرانية، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التوترات العسكرية مع حسابات النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى.
التصريح الإيراني لا يبدو مجرد إعلان تقليدي، بل يعكس محاولة واعية لإعادة تعريف الجغرافيا السياسية للمنطقة، عبر ربط مساحات متباعدة ضمن إطار أمني واحد، بما يخلق واقعًا جديدًا يتجاوز الحدود التقليدية للصراعات.
يشير قاآني إلى أن هذا “الحزام الأمني” سيبدأ من مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، ويمتد وصولًا إلى مضيق باب المندب قبالة السواحل اليمنية، وهو الممر الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، قبل أن يتصل بقناة السويس، ما يمنحه أهمية استثنائية في حركة التجارة الدولية.
هذا الامتداد لا يحمل فقط دلالة جغرافية، بل يعكس تصورًا استراتيجيًا يقوم على ربط نقاط الضغط البحري في المنطقة، بحيث تتحول إلى شبكة متصلة يمكن التأثير من خلالها على حركة الملاحة والتجارة، وهو ما يمنح طهران – نظريًا – قدرة أكبر على المناورة في مواجهة خصومها.
مفهوم المقاومة
يستخدم المسؤولون الإيرانيون مصطلح “المقاومة” أو “محور المقاومة” للإشارة إلى شبكة من الحلفاء الإقليميين، تضم فاعلين عسكريين وسياسيين في عدة دول، من بينهم الحوثيون في اليمن، إلى جانب قوى أخرى في المنطقة.
هذا المفهوم يتجاوز كونه توصيفًا سياسيًا، ليصبح إطارًا عمليًا لتنظيم النفوذ الإيراني خارج حدوده، حيث تعمل هذه الأطراف ضمن شبكة غير مركزية، لكنها متصلة استراتيجيًا، ما يسمح بتنسيق الأدوار وتوزيع الضغط على أكثر من جبهة في الوقت ذاته.
رسائل متعددة
يحمل إعلان “الحزام الأمني” جملة من الرسائل السياسية والعسكرية، أولها أن إيران تسعى إلى تثبيت حضورها كقوة إقليمية قادرة على التحكم في مسارات حيوية، وليس فقط الدفاع عن حدودها. كما يشير إلى أن أي مواجهة مستقبلية لن تكون محصورة في نطاق جغرافي ضيق، بل قد تمتد عبر مساحة واسعة تربط الخليج بالبحر الأحمر.
كذلك، يعكس التصريح رغبة في إعادة صياغة قواعد الاشتباك، بحيث لا تبقى المبادرة بيد القوى التقليدية، وعلى رأسها أمريكا، بل تصبح موزعة بين أطراف متعددة، في إطار توازنات أكثر تعقيدًا.
تداعيات مفتوحة
هذا الطرح يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد متزايدة، خاصة في ظل التوترات القائمة في الممرات البحرية، والتواجد العسكري الأمريكي المستمر في المنطقة. كما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاستقطاب، مع سعي أطراف دولية وإقليمية لمواجهة هذا الامتداد أو احتوائه.
وفي ظل تداخل الملفات، من الخليج إلى اليمن مرورًا بالبحر الأحمر، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة، تتراجع فيها الحدود التقليدية للصراع، لصالح شبكات نفوذ عابرة للجغرافيا، تُدار بمنطق الردع المتبادل والتصعيد المحسوب، لكن بنتائج يصعب التنبؤ بها.










