د. سعيد الشهابي يكتب: الأزمة الأوكرانية: اصطفافات أيديولوجية وسياسية

profile
د. سعيد الشهابي ناشط سياسي وصحفي ومعلق بحريني
  • clock 28 فبراير 2022, 5:27:35 ص
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

أزمة أخرى تعصف بأوروبا وتذكّرها بآلام الحربين العالميتين، وتشعل في نفوس الكثيرين مشاعر القلق والخوف من المستقبل الذي لا يبدو مشرقا، لكن آثار الحرب التي تدور رحاها على الحدود الشرقية للقارة البيضاء، لن تنحصر بهذه المنطقة، بل ستتردد أصداؤها وتصل تردداتها إلى بقية مناطق العالم.
إنها واحدة من الأزمات التي تنطوي على مخاطر لا يمكن التنبؤ بمداها بعد، ولكنها انعكست في أبعادها السياسية والدبلوماسية على مجلس الأمن الدولي الذي لم يستطع إصدار قرار يدين الحرب الروسية على أوكرانيا لأن كلا من روسيا أوالصين تملكان حق النقض لمنع صدور أي قرار لا ينسجم مع سياساتهما.
وثمة تساؤلات عديدة لا يستطيع المراقب تجاوزها تتصل بدوافع روسيا لاستهداف جارتها، ودور السياسة الغربية في خلق الظروف التي دفعت فلاديمير بوتين للإقدام على خطوة خطيرة كهذه، ومدى قدرة روسيا على تحقيق اختراق عسكري او سياسي حاسم بعد تجاربها غير الموفقة في مناطق أخرى كأفغانستان، ومدى فاعلية العقوبات الاقتصادية كعامل رادع لبلد كبير يملك من الثروات الطبيعية خصوصا النفط والغاز ما لا تستطيع أوروبا الاستغناء عنه.
لكن موسكو تشعر بقدر من الطمأنينة إزاء نتائج المغامرة الخطيرة بالنظر إلى ما حققته عندما قامت قبل بضعة أعوام بالسيطرة على شبه جزيرة القرم في 2014، إذ لم يتمخض عن ذلك تداعيات خطيرة
ثمة حقائق تفرض نفسها بوضوح: أولها أن الاستهداف العسكري الروسي لأوكرانيا لم يكن مفاجئا، بل كان متوقعا منذ أسابيع، الأمر الذي يؤثر سلبا على مصداقية الدول الغربية التي عجزت عن منع حدوثه. ثانيها: أن التصريحات الغربية التي سبقت الاجتياح ربما ساهمت في تشجيع روسيا بدلا من ردعها، لانها لم تتسم بالقوة الرادعة، بل تركزت تصريحات الزعماء الغربيين على العقوبات الاقتصادية فحسب، وكان واضحا عدم استعدادهم لمواجهة عسكرية مع روسيا. ثالثا: أن العقوبات المطروحة ليست مرشحة لتركيع روسيا خصوصا مع عدم استعداد أمريكا لمنع روسيا من الاستفادة من النظام المصرفي الدولي وآلية «سويفت» التي تسهل عملية التبادل المالي بين الدول. رابعا: أن الدول الأوروبية لا تريد التصعيد مع روسيا بوقف استيراد منتجاتها من النفط والغاز، خصوصا في الظروف الحالية التي شهدت صعودا كبيرا لأسعار الطاقة غير مسبوق في الأوان الأخير.
خامسا: أن الغرب وجد نفسه في معركة مع روسيا يرفض حلفاؤه التورط فيها، فلم تصدر مواقف قوية ضد روسيا منهم. فبالإضافة إلى الصين التي لم تشجب روسيا، كانت مواقف أغلب دول العالم محايدة، فالسعودية وحليفاتها الخليجيات امتنعت عن شجب روسيا، أما باكستان فكان رئيس وزرائها، عمران خان، يتبادل الحديث مع الرئيس الروسي في اليوم نفسه الذي أمر فيه بشن العمل العسكري على أوكرانيا. وحتى الدول الأوروبية نفسها كانت مترددة. فألمانيا أعلنت عن وقف مشروع أنبوب الغاز مع روسيا المعروف بـ «جاز استروم 2». واكتفى رئيس وزراء بريطانيا باستخدام عبارات رنانة بدون محتوى فاعل، الأمر الذي اعتبره معارضوه من حزبي العمال والأحرار الديمقراطيين مؤشرا لضعف موقفه.
هذه الحقائق لا تلغي أبعادا أخرى للأزمة.

مجلس الأمن الدولي منقسم على نفسه بشكل واضح، وعاجز عن اتخاذ قرارات فاعلة لاحتواء الحرب، ومن شأن ذلك أن يدفع الأمم المتحدة تحت ضغط دول العالم الأخرى لإعادة التفكير بتركيبته

أولها أنها الأولى بهذا الحجم منذ الحرب العالمية الثانية، وأن نتائجها ستؤثر كثيرا على التوازن العسكري في أوروبا.
ثانيها: أن أوكرانيا أدركت تخلي الغرب عنها في ساعة حاجتها، واعتبر رئيسها زيلينيسكي نفسه وحيدا في المعركة مع قوة عسكرية عملاقة تفوق في امكاناتها العسكرية ما لدى بلاده. بينما حقيقة الأزمة تتصل بحلف الناتو مباشرة، لأن أوكرانيا ترغب في الانضمام إلى الحلف، بينما تعتبر موسكو ذلك تهديدا لأمنها القومي، ولا يستبعد أن يخالجه الشعور بعدم جدوى الانضمام للحلف ما دام قد أثبت عجزه عن اتخاذ موقف يحميه من روسيا.
ثالثها: أن من المتوقع أن تلقي الأزمة بظلالها على التوازن الدولي في جانبيه السياسي والعسكري. فمجلس الأمن الدولي منقسم على نفسه بشكل واضح، وعاجز عن اتخاذ قرارات فاعلة لاحتواء الحرب، ومن شأن ذلك أن يدفع الأمم المتحدة تحت ضغط دول العالم الأخرى لإعادة التفكير بتركيبة مجلس الأمن التي استمرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتغيير تركيبة المجلس الحالية وكذلك نظام الفيتو المتبع حاليا. أما على المستوى العسكري فإن الخطوة الروسية أعادت السجال حول الميزان العسكري بين الشرق والغرب، وأن وضعا عسكريا جديدا قد ينجم في وقت غير بعيد ليضم دولا أخرى مثل الصين وكوريا الشمالية وإيران. وعلى الصعيد الاقتصادي هناك ملامح مشروع بديل يسعى لكسر هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي، ولا يستبعد أن تصبح العملية الرقمية «بيتكوين» إحدى البدائل للدولار، بالإضافة لعملة اخرى تتوافق عليها الدول ذات الاقتصادات الكبرى كالصين وروسيا والهند. وربما ما هو أخطر أن الأزمة ستشجع الصين للسيطرة على تايوان، وقد تجدد رغبة إيران في السيطرة على البحرين.
وهكذا فان الأزمة الأوكرانية مرشحة للتحول إلى قضية عالمية تساعد على الإسراع في البحث عن نظام سياسي وعسكري واقتصادي جديد بعد أن بدأت معالم الشيخوخة تظهر على النظام الذي هيمن على العالم منذ ثلاثة ارباع القرن. فإذا كان سقوط النظام الاشتراكي بتفكك الاتحاد السوفياتي قبل أكثر من ثلاثين عاما قد تم استيعاب آثاره، فإن ما يجري في وسط أوروبا فد يكون مفتاحا لبوابة عملاقة من التغيرات العالمية. بل أن اوروبا نفسها لم تعد قادرة على حماية وجودها كقوة سياسية متماسكة، خصوصا بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتداخل اقتصاداتها مع روسيا والصين وبقية دول العالم بشكل يصعب تفكيكه بسهولة. والواضح أن البحث عن بدائل للطاقة طوال ربع القرن الماضي لم يؤد إلى نتائج حاسمة، فما يزال النفط هو مصدر الطاقة الأول في العالم. فإذا كانت أسعاره قد تراجعت في العقدين الأخيرين نتيجة التأثر بالدعاية الغربية حول بدائل الطاقة، فقد استعاد النفط عافيته وتضاعف سعره في الشهور الستة الأخيرة حتى تجاوز سعر البرميل مائة دولار. ومن المؤكد أن أزمة الطاقة ستؤثر على مسار الأزمة خصوصا أن الغربيين ليسوا مستعدين للتضحية الاقتصادية كثيرا في ظل استمرار تصاعد أسعار النفط والغاز. وستظل الأبعاد السياسية تتفاعل مع أبعادها الاقتصادية والعسكرية، الأمر الذي حسبه الرئيس الروسي بدقة قبل أن يقدم على ما فعله. ويؤسس بوتين مواقفه على خلفيات تاريخية سبقه اليها أسلافه خلال الحرب الباردة التي نشبت بعد الحرب العالمية الثانية. فالاتحاد السوفياتي لم يكن مستعدا لتحمل محاولات التمرد أو الانشقاق من قبل الدول الاعضاء، فكان اجتياح بودابست عاصمة المجر في 1956 ثم جاء ما سمي «ربيع براغ» في تشيكوسلوفاكيا في 1968، وتم سحق من سعى للتمرد آنذاك. وما تزال الذاكرة تستحضر التدخل السوفياتي في أفغانستان الذي استمر حوالي عشرة اعوام بعد الاجتياح الذي تم في 1979 لدعم النظام الشيوعي في كابل. وبغض النظر عن مدى ما أنجزته تلك التدخلات فقد كانت تطورات مقلقة للغرب الذي كان يخشى من نشوب حرب نووية خصوصا بعد أزمة الصواريخ في كوبا في العام 1962.
هذه المرة استطاع بوتين استغلال أوضاع الغرب التي لم تكن في أفضل أحوالها وأعلن رفضه القاطع لما كان يعتبره سياسة حصار عسكري على حدوده الغربي بعد انضمام جمهوريات أوروبا الشرقية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي للاتحاد الـوروبي وحلف الناتو. وقد عقدت قمم بين الرئيسين الأمريكي والروسي لمناقشة قلق موسكو على أمنها من توسع حلف الناتو شرقا، حتى لم يبق سوى أوكرانيا خارج الحلف بانتظار انضمامها الذي كان حتميا.

كاتب بحريني


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)