صراع سد النهضة أكبر من كونه حول المياه.. كارنيجي يشرح التفاصيل

profile
  • clock 22 يناير 2023, 2:17:15 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

"النزاع الطويل الأمد حول سد النهضة الأثيوبي الكبير، لا يقتصر فقط على الموارد المادية وإنما يمتد إلى أبعد من ذلك".. هكذا يتحدث تقرير مركز "كارنيغي"، وهو يقول: "المفاوضات في سياق هذا الصراع المبني على الهوية هي لعبة غالب ومغلوب".

ويشير التقرير إلى أنه مع تسارع وتيرة التغيّر المناخي، دخل نزاع النيل مرحلة جديدة من التعقيد، ما دفع بدول المنطقة إلى التنافس على المياه والغذاء وأمن الطاقة.

وجاء بناء سد النهضة الأثيوبي الكبير، وهو مشروع للطاقة الكهرومائية غير الاستهلاكية تقوم أثيوبيا بإنشائه على نهر النيل، ليُفاقم تعقيدات العلاقة بين أثيوبيا ومصر، حيث تعتبر الدولة الأولى أن المشروع هو ضرورة وجودية لها، فيما ترى فيه الدولة الثانية تهديدًا وجوديًا لها. ولكن هذا النزاع لا يدور فقط حول الموارد المادّية، بل يطال أيضًا هوية الدولتَين بحد ذاتها.

ومنذ البدء ببناء سد النهضة الأثيوبي الكبير في عام 2011، أكّدت القاهرة أن المشروع يشكّل تهديدًا للاستقرار في مصر والمنطقة، وبصورة خاصة للأمن المائي المصري.

كما تخشى مصر، التي تعتمد على النهر في 97% من مياه الري والشرب، أن يقلل السد إمداداتها المائية الشحيحة أصلا.

أما أثيوبيا فتصرّ على أنه مشروع إنمائي وليس مشروعًا سياسيًا مرتكزًا على الأمن.

وعلى الرغم من هذا الخلاف في وجهات النظر، من الواضح أن سعي الطرفَين المتناحرين إلى الحفاظ على أمنهما الوجودي، أو الحفاظ على هوية الدولة، هو عاملٌ محرّك لنزاع النيل، وفق "كارنيجي".

ويضيف التقرير: "ربما ينعدم الأمن الوجودي حين تتسبب تطورات داخلية وخارجية باختلال في استمرارية الهويات ووجهات النظر السائدة المتجذرة".

ويتابع: "لذا قد يُقال بأن مشروع سد النهضة الأثيوبي الكبير يهدد استمرارية العالم الذي بنته مصر حول رؤيتها للنيل ككائن حي لا ينفصل عن تاريخ البلاد وثقافتها وهويتها الحضارية، وهكذا، قد تُضطر مصر، في ضوء التطورات المتعلقة بالمشروع، إلى إعادة تعريف هويتها الوطنية المتمحورة حول نهر النيل".

ويلفت التقرير إلى أن "القاهرة المتخوّفة من هذا الاحتمال، عمدت إلى إضفاء طابع أمني على المسألة، مبديةً معارضتها للمشروع فور إعلان أثيوبيا عنه في عام 2011".

وتصاعدت حدّة النزاع في عام 2013 حين قامت أثيوبيا بتحويل مجرى النهر لبناء السد، في خطوةٍ اعتبرها بعض الأفرقاء المصريين تجاوزا للخطوط الحمراء، وفي نهاية المطاف، طرحت مصر مسألة النزاع على سد النهضة في مجلس الأمن الدولي.

في المقابل، والحديث لتقرير "كارنيجي"، تواجه أديس أبابا مشقات أيضًا في فرض الأمن المادي وغير المادي.

ففي أثيوبيا، لا يعتبر سد النهضة جزءًا من البنية التحتية التي تولّد الكهرباء فحسب، بل هو أيضًا رمزا للوحدة في مواجهة الفقر والتخلف المتصوَّر.

ويُقدَّم السد على أنه مشروع سيادي يضاهي انتصار أثيوبيا على إيطاليا في معركة عدوة في عام 1896، ولا يتحقق هذا النصر الحديث ضد معتدٍ أجنبي، بل ضد عدو داخلي هو الفقر المدقع.

وساهم سد النهضة أيضًا في تغيير نظرة الرأي العام إلى النيل ("أباي" باللغة الأمهرية) من نهر يسرق الموارد الأثيوبية القيّمة إلى قوّة للتنمية الأثيوبية، فالنهر الذي كان مصدرًا للانقسامات في الماضي تستخدمه النخبة الحاكمة الآن لتوحيد الشعب تحت مظلة "هوية أثيوبية جديدة" ذات مرتكزات اجتماعية، وفي صلبها سد النهضة.

ووفقا للتقرير، يمتد هذا النزاع على الهوية إلى أبعد من الحدود الأثيوبية والمصرية، فتصوّر أثيوبيا السد بأنه مشروع أفريقي، نظرًا إلى أن نهر النيل يمرّ في 11 بلدًا أفريقيًا، ويرى البعض أن سد النهضة يدعم انتقال أفريقيا نحو المعايير المراعية للبيئة.

أما مصر فترى أن هذه الاعتبارات نفسها تشكّل تهديدًا للأمن المائي العربي.

ويعلق التقرير على ذلك بالقول: "تقع المحاولات المتضاربة لإضفاء الطابع الأفريقي والعربي على النيل في واجهة الصراع بين عوالم النيل ذات المرتكزات المختلفة".

ويتابع: "ليس الخلاف بشأن سد النهضة مرتبطًا فقط بالجوانب المادية لأمن الموارد، بل إنه أيضًا نزاع بين الهوية المصرية القديمة المتمحورة حول النيل والهوية الأثيوبية الجديدة المتمركزة حول النيل، والتي هي قيد البناء".

ويختتم التقرير: "المفاوضات في سياق هذا الصراع المبني على الهوية هي لعبة غالب ومغلوب، لذا، التوصل إلى اتفاق بين الدولتَين حول الجوانب المادية يتطلب بذل جهود للنأي بنهر النيل عن الاعتبارات الأمنية في سياقٍ مشحون بالهويات المتنافسة".

وتجمدت مفاوضات السد الإثيوبي منذ أبريل/ نيسان 2021، فيما توجهت مصر إلى مجلس الأمن الدولي في يوليو/ تموز الماضي، رافضة خطوات أديس أبابا في الملء "المنفرد" للسد خشية تأثيرها على حصتها المائية.

وتتمسك القاهرة والخرطوم، بالتوصل أولا إلى اتفاق ثلاثي حول ملء وتشغيل السد؛ لضمان استمرار تدفق حصتيهما السنوية من مياه نهر النيل، غير أن إثيوبيا ترفض ذلك.

وتؤكد أديس أبابا أن سدها الذي بدأت تشييده قبل نحو عقد "لا يستهدف الإضرار بأحد".

وفي أغسطس/آب الماضي، أكملت إثيوبيا، وهي دولة منبع نهر النيل الملء الثالث للسد، بعد عمليتي ملء مماثلتين العام الماضيين دون تنسيق في المراحل الثلاثة مع دولتي المصب مصر والسودان.

التعليقات (0)