مجدي الحداد يكتب: حول التنوع البيولوجي والثقافي

profile
مجدي الحداد كاتب ومحلل سياسي
  • clock 21 يونيو 2023, 3:26:02 م
  • تم نسخ عنوان المقال إلى الحافظة
Slide 01

في الحقيقة ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو كتاب عنوانه : " التفكير الكارثي - الانقراض و قيمة التنوع من داروين إلى الأنثروبوسين "* .
والكتاب يركز على أهمية و ضرورة التنوع البيولجي و كذا الثقافي ، وذلك من أجل الحفاظ على النوع الإنساني ذاته ، و حيث بات مهددا بالفناء ، أو الانقراض هو الأخر .
ومن هنا يجب أن نفهم أهمية الدرسات التي قام بها نخبة من العلماء حول ظاهرة إنقراض بعض الحيوانات كالديناصورات مثلا ، وكذا النباتات والأشجار و الطيور ، وحتى البكتريا والجراثيم والحشرات ، والأخرى التي مهددة بالانقراض كالدلافين وبعض أنواع القروش والحيتان .
لماذا ؟
لأن العلماء ــ وكما اتضح لي بصفة خاصة ــ لم يكونوا يدرسوا تلك الظواهر المتعلقة بالانقراض من باب رفاهة العلم ، أو الفكر ، والسيادة العلمية ، ولكن كان ، و لا زال ، هدفهم الأسمى والأساسي ــ و وفق ما أزعم ــ هو دراسة أثر وتأثير ذلك على حياة الإنسان ذاته وبقاءه . 
فإن كان هناك أنواع عديدة من الكائنات الحية قد انقرضت ، وأخرى مهددة بالانقراض ، فلمّ مثلا أن يكون الإنسان ذاته ــ وبوصفه أيضا كائنا حيا ــ هو الأخر مهددا بالانقراض ، وذلك لسبب جوهري أخر ، وهو أن الخالق سبحانه وتعال ، عندما خلق المخلوقات كلها جعلها تعتمد جميعا - وبعد الاعتماد عليه سبحانه و تعال - في بقاءها على بعض البعض ، وذلك في إطار ما تعارف عليه بمصطلح " السلسلة الغذاية " . وتلك السلسة الغذائية ـــ ووفقا لما أزعم أيضا ــ إذا انكسرت ، أو فقدت ، أو تحطمت منها حلقة ، فهي تهدد باقي الحلقات بالتحطم ، والذي هو هنا الانقراض .
وسبحان الله ؛ فهذا يشبه تماما ما ورد في الأثر بالنسبة للجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ** ــ أو كما قال صل الله عليه وسلم .
والسلسلة الغذائية هي ببساطة انه لا يوجد شيء في عالم الأحياء لا يمكن الانتفاع به ، حتى الفضلات ، وما يخرجه الإنسان أو الحيوان يمكن أن يكون غذاء لأنواع معينة ، وأساسية لبقاء كائنات حية أخرى - لذا فالحروب ذاتها تعجل بالنهاية ، و خاصة الحرب الناشئة الآن بين روسيا و أوكرانيا ، ومانجم عنها من دمار أخرها سد أوكراني ، وكذا الحرب  بين العرب جميعا - وليس فقط الفلسطينيين - و دولة الكيان الصهيوني .
إذن فهناك انواع من الجراثيم والحشرات والبكتريا ، فضلا عن فضلات الإنسان والحيوان ، والتي تعد مخصبات عضوية طبيعية للتربة . وكذا وجود نوع من الأسماك تلتصق غالبا ببعض أنواع القروش ، وتتغذي على فضلاتها  ، و نوع من الطيور يتغذي على أنواع من الفطريات الضارة والجراثيم الموجودة مثلا على جسد وحيد القرن . وهكذا دواليك ، ما يعني أن هناك سلسلة ــ متسلسلة ــ غذائية ومنتظمة ، ويعتمد ــ كما ينتظم ــ في استمراراها ــ كل الكائنات الحية في وجودها على الأخر ، وبعد الاعتماد على الله سبحانه وتعال. 
ومن هنا جائت أهمية دراسة الحفريات ، وظاهرة الانقراض ، وخطر ومخاطر تغير المناخ ، وأثر ذلك على موت أو فناء أنواع عديدة أخرى من الأحياء ــ في البر والبحر ــ ما يؤثر في نهاية المطاف ، على الإنسان ذاته . ما يعني أن الوجود الإنساني ، والذي صار عمليا على المحك ، بات مهددا هو الأخر بناءا على ما تقدم .
ومن هنا شدد العلماء على اهمية التنوع البيولجي وأيضا الثقافي ــ والذي سنأتي عليه لاحقا ــ وحيث اعتبروا أن القضاء على هذا التنوع انما يعد كارثة بيئية تلي مباشرة استخدام الأسلحة النووية في حرب عالمية . وذلك تأكيدا على التهديد الماثل للنوع البشري ذاته .
وكمقدمة لما هو آت ، فقد توصل العلماء ، إلى أن ظاهرة الانقراض لم تتفق تماما مع نظرية دارون : " البقاء للأصلح " ، وحيث أفترض العلماء أن ما اندثر من حيوانات ونباتات أو طيور ، وغيرها من كائنات حية ليس نتيجة لعيب ينتقص من صلاحياتها أو بقائها ، ولكن قد يعزى ذلك لأسباب خارجية ، كالشهب والنيازك مثلا ، أو الزلازل القوية جدا أو البراكين الهائلةالتي حجبت أدخنتها وترابها ضوء الشمس عن الأرض لسنوات عدة .
تماما كالتغير المناخي الأن الذي قد يؤدى إلى فناء وانقراض العديد من الأحياء المائية وحتى البرية ، والتي هي أغساسية في السلسة الغذائية ،  ما يعني تهديد الوجودالإنساني ذاته بمخاطر الانقراض . وهذا لن يفرق بطبيعة الحال بين غني وفقير ، أو قوي وضعيف ، أو كهل أو صغير ، أو ذكر أو أنثى ، وبعيدا تماما عن نظرية دارون في تفسيره لأسباب الانقراض .
و حتى لا نطيل ، فمن يضمن وحتى في حال نجاح خطة المليار الذهبي ، أن لا يصيب كوكب الأرض ، و كنتيجة لما سبق ذكره ، وكذا لتغير المناخ ، أو أسباب اخرى غير متوقعة ،  انقراض هذا المليار الذهبي أيضا ، وبذا نكون قد وصلنا إلى انقراض النوع الإنساني بأسره ؟
و من هنا دعم العلماء - و أنا بكل تواضع أتفق مع هذا الاتجاه تماما - نظرية التنوع البيولوجي والثقافي . وحتى إذا ما حدث انقراض لعرق ما يعوضه عرق أخر من غير أن يفضي ذلك إلى قضاء على النوع ذاته .
و طور العلماء فكرة التنوع البيولوجي ، و انتقلوا بعدئذ إلى التنوع الثقافي ، والذي هو يخدم هنا ، كما يعزز التنوع البيولوجي ذاته والمتعلق هنا بالإنسان - ووفقا لفهمي ، و تصوري المتواضع .
التنوع الثقافي يعني مكافحة النمطية المقيتة فيما يتعلق سواء بالنشاط أو الفكر الإنساني ، ومن باب أولى الممارسة السياسية ذاتها .
يعني مثلا مينفعش نقول المجتمع الشيوعي و الاشتراكي بحيث يذوب الإنسان في المجموع ، و يكون مطلوب من كل فرد الايمان بايدلوجية نمطية ، و الولاء لرمز / صنم نمطي ، ولذا فرأينا كيف تحطمت الشيوعية ذاتيا قبل أن تتحطم بعوامل خارجية .
و ما قيل عن الشيوعية يقال أيضا على ما يسمى ب " النيوليبرالية الاقتصادية " ، أو الرأسمالية المتوحشة ، والتي كانت سببا رئيسيا لما لحق العالم من كوارث ، والشعوب من فقر و دمار ، و حروب وصراعات ، دولية وإقليمية لا تنتهي ، ليس أقلها فرض أنظمة تابعة على شعوب مستضعفة ، لتزيدها فقرا ومرضا وتخلفا ، كما ليس أعظمها ؛ التسبب في تغير المناخ نتيجة الإسراف المذري في استخراج و استغلال و نهب الموارد  ، والتنافس على الريادة الصناعية والتكنولوجية و حتى العسكرية . 
إذن فتلك أيضا نمطية مقيتة يمكن أن تفضي في نهاية المطاف ، إلى انقراض النوع الأنساني  - وحتى أن عالم الاجتماع السياسي ؛ فرانسيس فوكياما ،  في كتابه ؛ نهاية التاريخ ؛ و ذلك باعتبار أن النموذج الليبرالي الرأسمالي الغربي هو النموذج الأرشد في الكون ، و أخر ، و أعظم ما توصل إليه البشر على مدى التاريخ ، و حيث بنبغي أن يسود كل أركان المعمورة ، قد تراجع عن كل ذلك .
وقبل أن نختم ، وحتى لا نجافي الموضوعية ، فإن عسكرة المجتمع المدني أيضا ، نتيجة لتعدد و توالي الانقلابات العسكرية في العالم النامي خاصة ، و غالبا بناء على تباين و اختلاف ، و احيانا تضارب المصالح الغربية مع بعضها البعض من جهة ، وبينها وبين الأنظمة الوطنية الحقيقية ، في هذه الدولة أو تلك ، من جهة أخرى ، و من وقت لأخر ،   تفضي كذلك  إلى أسوأ و أردأ نوع من الرتابة و النمطية المقيتة ، من حيث تعمدها على القضاء المطلق على أي تنوع ثقافي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* والكتاب صادر عن سلسلة عالم المعرفة ؛ العدد  504 مارس 2023 . تأليف : ديفيد سيبكوسكي ؛ ترجمة: إيهاب عبد الرحيم علي .
** فعن النعمان بن بشير ــ رضي الله عنهما ــ قال : قال رسول الله صل الله عليه وسلم ــ " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " .
أخرجه البخاري و مسلم .


هام : هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير
التعليقات (0)