محمد خميس
في خطوة توصف بأنها "بارقة أمل" في طريق العلاقات التجارية المتوترة بين بكين وواشنطن، كشف كبير المفاوضين التجاريين الصينيين لي تشنغ قانغ، اليوم الأحد، عن بعض تفاصيل الاتفاق الأولي بين بلاده والولايات المتحدة، والذي تم التوصل إليه خلال محادثات جرت في كوالالمبور على هامش اجتماعات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).
وقال المسؤول الصيني إن الجانبين توصلا إلى تفاهمات مبدئية بعد مناقشات شملت مجموعة من الملفات الحساسة، أبرزها تمديد الهدنة التجارية، والتعاون بشأن تجارة الفنتانيل غير المشروعة، وملف ضوابط التصدير، مضيفًا أن المشاورات جرت في أجواء إيجابية عكست رغبة متبادلة في التهدئة، رغم عدم الكشف عن تفاصيل دقيقة حول البنود التي تم الاتفاق عليها.
حوار بين العملاقين وسط أجواء متوترة
اللقاء الذي جمع نائب رئيس مجلس الدولة الصيني خه لي فنغ، بكل من وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت والممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير، مثّل أول حوار مباشر رفيع المستوى منذ أشهر، بعد تصاعد التوتر بين البلدين بسبب السياسات الحمائية الأمريكية والعقوبات المفروضة على الشركات الصينية، خصوصًا في مجال التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات.
ووفق وكالة "رويترز"، فإن المباحثات ركزت على منع التصعيد التجاري واستكشاف فرص جديدة لإعادة التوازن للعلاقات الاقتصادية، التي تُعد الأكبر والأكثر تأثيرًا في الاقتصاد العالمي، إذ تمثل بكين وواشنطن معًا نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
ترامب يبدي تفاؤله: فرصة لاتفاق شامل
في المقابل، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق شامل مع نظيره الصيني شي جينبينغ خلال الجولة الآسيوية التي يقوم بها، والتي تشمل ماليزيا وكوريا الجنوبية، قائلًا في تصريحات للصحفيين على متن طائرته "إير فورس وان":
"أعتقد أن لدينا فرصة كبيرة فعلا للتوصل إلى اتفاق شامل يضع حدًا للحرب التجارية ويعيد الثقة إلى الأسواق العالمية".
وتأتي هذه التصريحات في ظل ضغوط اقتصادية داخلية تواجهها إدارة ترامب بسبب ارتفاع أسعار الواردات وتراجع الصادرات الزراعية والصناعية الأمريكية إلى الصين، إضافة إلى قلق المستثمرين من تباطؤ الاقتصاد الأمريكي إذا استمرت الحرب التجارية.
خلفية الحرب التجارية بين واشنطن وبكين
بدأت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين رسميًا عام 2018 عندما فرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية ضخمة على مئات السلع الصينية، بحجة "حماية الصناعات الأمريكية" وتقليص العجز التجاري مع الصين، الذي تجاوز حينها 375 مليار دولار سنويًا.
وردّت بكين بخطوات مماثلة، ففرضت تعريفات جمركية على منتجات أمريكية كبرى، مثل فول الصويا والسيارات والطائرات، ما تسبب بخسائر فادحة للقطاع الزراعي الأمريكي وأربك سلاسل التوريد العالمية.
ومع تصاعد القيود المتبادلة، امتدت المواجهة إلى مجالات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي، لتتحول إلى ما يشبه حربًا باردة اقتصادية تهدد مستقبل التجارة العالمية، وتؤثر على الاقتصادات الصاعدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
الفنتانيل وضوابط التصدير.. ملفات أمنية واقتصادية متشابكة
يُعد ملف تجارة الفنتانيل – وهي مادة مخدرة قاتلة تصدّر منها الصين كميات ضخمة بصورة غير مشروعة إلى أمريكا الشمالية – من أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين. فقد اتهمت واشنطن بكين مرارًا بـ"التساهل" في مراقبة شبكات الإنتاج والتصدير، وهو ما نفته الصين مؤكدة أنها تبذل جهودًا ضخمة لمحاربة التجارة غير القانونية للمواد المخدرة.
أما ملف ضوابط التصدير، فيرتبط بتشديد واشنطن قيودها على الشركات الصينية، لا سيما في قطاع الرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا الفائقة، وهو ما تعتبره بكين "محاولة لخنق صعودها الصناعي وتقويض مكانتها كمحور رئيسي في الاقتصاد العالمي".
وبحسب مصادر اقتصادية، فإن جزءًا من الاتفاق الأولي يتضمن مراجعة متبادلة لهذه القيود، وربما فتح الباب أمام تخفيفها في حال التزام الطرفين بشروط الشفافية والتجارة العادلة.
انعكاسات الاتفاق على الاقتصاد العالمي
إذا ما تم تثبيت هذا التفاهم الأولي وتحويله إلى اتفاق شامل خلال الأشهر المقبلة، فقد يشكّل نقطة تحول في المشهد الاقتصادي العالمي، إذ من المتوقع أن يؤدي إلى:
استقرار الأسواق المالية بعد سنوات من التذبذب.
انتعاش التجارة الدولية وزيادة الثقة في سلاسل التوريد.
تعزيز النمو في آسيا وأوروبا التي تأثرت بشدة من الرسوم الجمركية المتبادلة.
تحفيز الاستثمارات المشتركة بين الشركات الأمريكية والصينية، خصوصًا في مجالات الطاقة الخضراء والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
لكن في المقابل، يرى محللون أن الطريق ما يزال طويلًا أمام تحقيق تسوية حقيقية ومستدامة، إذ تبقى ملفات حقوق الملكية الفكرية والدعم الحكومي للشركات الصينية وهيمنة بكين على قطاع التكنولوجيا نقاطًا شائكة يصعب تجاوزها بسهولة.
رسائل السياسة والاقتصاد في آن واحد
يرى مراقبون أن الصين تسعى من خلال هذا الاتفاق إلى كسب الوقت وتخفيف الضغوط الاقتصادية عليها، خصوصًا في ظل تباطؤ النمو المحلي وتراجع الصادرات بسبب التوترات الجيوسياسية.
بينما تحاول الولايات المتحدة تحقيق إنجاز سياسي واقتصادي سريع يمكن أن يستثمره ترامب داخليًا، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة، في إطار شعار "أمريكا أولاً" ولكن بصيغة أكثر مرونة.
يبدو أن الاتفاق الأولي بين الصين والولايات المتحدة لا يمثل سوى هدنة مؤقتة في حرب تجارية أرهقت العالم، لكنه مع ذلك يشير إلى إدراك متبادل بأن الصدام الاقتصادي بين العملاقين لم يعد مجديًا وأن الاستقرار والتعاون هما الطريق الأكثر أمانًا لإنقاذ الاقتصاد العالمي من الركود.
وبينما ينتظر العالم الجولة المقبلة من المفاوضات بين بكين وواشنطن، تظل الأسئلة مفتوحة:
هل ستتحول هذه الهدنة إلى اتفاق دائم يعيد التوازن للتجارة العالمية؟ أم أنها مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من الصراع بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم؟







