في ظل تصاعد الأزمة السودانية واستمرار التدهور الإنساني في إقليم دارفور، جددت مصر التأكيد على موقفها الثابت والداعم لوحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفضها القاطع لأي محاولات لتقسيمه أو النيل من مؤسساته الوطنية.
فقد شدد وزير الخارجية والهجرة المصري الدكتور عبد العاطي خلال اتصالين هاتفيين منفصلين مع كلٍّ من مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق الأوسط، وتوم فليتشر، وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، على ضرورة دعم مؤسسات الدولة السودانية، وتوحيد الجهود الدولية من أجل وقف القتال وإطلاق عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون أنفسهم.
وتأتي التحركات المصرية ضمن دبلوماسية نشطة تقودها القاهرة بهدف منع تفكك السودان، وإيجاد مخرج إنساني وسياسي للأزمة التي تهدد استقرار القرن الإفريقي بأكمله.
اتصالات مكثفة لاحتواء الأزمة في دارفور:
تلقى الوزير عبد العاطي اتصالين هاتفيين، الأول من مسعد بولس، المستشار الأمريكي رفيع المستوى للشؤون العربية والشرق الأوسط، والثاني من توم فليتشر، وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية.
وجاءت الاتصالات في إطار متابعة التطورات الأمنية والميدانية المتسارعة في إقليم دارفور، ولا سيما في مدينة الفاشر، التي تشهد تصعيدًا خطيرًا وعمليات نزوح واسعة.
وخلال الاتصالين، تم بحث سبل الدفع نحو التهدئة وتحقيق الاستقرار، إلى جانب مناقشة آليات تعزيز وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأكثر تضررًا من الصراع.
وأكد عبد العاطي أن الموقف المصري تجاه السودان ثابت وواضح، ويتمثل في دعم وحدة البلاد وسيادتها ورفض أي تدخلات أو مخططات لتقسيمها، مشددًا على أن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا، بل من خلال حوار سوداني شامل يستند إلى وحدة الدولة ومؤسساتها.
التنسيق مع واشنطن في إطار الرباعية الدولية:
في الاتصال مع مسعد بولس، عرض المسؤول الأمريكي جهود واشنطن ضمن الآلية الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر) لوقف الانتهاكات في السودان، خاصة في مناطق النزاع بإقليم دارفور.
وأكد عبد العاطي من جانبه أهمية الالتزام الكامل بتنفيذ بيان الرباعية الصادر في 12 سبتمبر الماضي، والذي دعا إلى هدنة إنسانية شاملة تمهد لإطلاق عملية سياسية دائمة.
وأوضح الوزير المصري أن القاهرة تواصل التواصل مع جميع الأطراف السودانية من أجل تهيئة بيئة تفاوضية بنّاءة، بعيدًا عن أي إملاءات خارجية، مشيرًا إلى أن دعم القوات المسلحة السودانية ومؤسسات الدولة الوطنية هو السبيل الوحيد لحفظ وحدة البلاد ومنع تفككها.
تنسيق مصري – أممي لضمان وصول المساعدات:
أما الاتصال الثاني مع توم فليتشر، وكيل السكرتير العام للأمم المتحدة ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، فقد ركّز على تعزيز الاستجابة الدولية للأزمة الإنسانية في السودان وضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر تضررًا.
وخلال المباحثات، أشار فليتشر إلى اعتزامه تقديم إحاطة شاملة إلى مجلس الأمن بشأن الانتهاكات المستمرة في السودان، وخاصة تلك التي تشهدها مناطق غرب البلاد.
من جانبه، استعرض عبد العاطي الجهود المصرية المتواصلة لدعم الأشقاء في السودان، مؤكدًا أن مصر تواصل إرسال المساعدات الإغاثية عبر حدودها المشتركة، إلى جانب تنسيقها المستمر مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لضمان وصول المساعدات دون عراقيل.
مصر ترفض أي كيانات موازية وتركّز على الحل الإفريقي:
أكد الوزير عبد العاطي خلال اتصالاته أن مصر ترفض تمامًا أي محاولات لإنشاء كيانات موازية أو ميليشيات خارج إطار الدولة السودانية، محذرًا من أن ذلك سيؤدي إلى تفاقم الانقسام الداخلي ويهدد وحدة البلاد.
وشدد على أهمية أن يكون الحل سودانيًا – إفريقيًا، مستندًا إلى مبادئ احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
كما أشار إلى أن القاهرة تعمل بشكل متوازٍ مع شركائها الإقليميين والدوليين من أجل إطلاق مسار سياسي شامل يضع حدًا للحرب ويعيد مؤسسات الدولة السودانية إلى العمل الفعلي.
موقف مصري ثابت ومسؤولية إنسانية:
أوضح عبد العاطي أن مصر لن تتخلى عن مسؤوليتها التاريخية تجاه السودان، مشيرًا إلى أن العلاقات بين البلدين تتجاوز الأطر السياسية إلى روابط تاريخية وشعبية عميقة.
وأكد أن القاهرة تولي اهتمامًا خاصًا بالجانب الإنساني للأزمة، وتسعى لتخفيف معاناة اللاجئين والنازحين الذين تدفقوا عبر الحدود المصرية – السودانية منذ اندلاع الحرب.
كما شدد الوزير المصري على أن بلاده ستستمر في العمل مع جميع الأطراف الإقليمية والأممية من أجل ضمان وحدة السودان وسلامة أراضيه، ومنع أي مخاطر قد تمتد إلى دول الجوار الإفريقي والعربي.
تحليل: القاهرة في قلب الجهود الدولية لإنقاذ السودان
يرى مراقبون أن الاتصالات المكثفة التي أجراها وزير الخارجية المصري تعكس دور القاهرة القيادي في ملف السودان، إذ تتحرك مصر على مسارين متوازيين:
إنساني يهدف إلى رفع المعاناة عن المدنيين.
سياسي يسعى إلى وقف الحرب والحفاظ على الدولة السودانية.
وتُعد مصر، إلى جانب السعودية والإمارات والولايات المتحدة، أحد الأطراف الفاعلة في "الرباعية الدولية" التي تضطلع بجهود الوساطة.
ويؤكد الموقف المصري الرافض لتقسيم السودان أن القاهرة ترى في وحدة الأراضي السودانية ضمانًا مباشرًا للأمن القومي المصري والإقليمي.










