لطالما قيل إن كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبية في العالم، وهي الساحرة التي تربط الثقافات، وإنها القادرة على توحيد الشعوب وتجاوز الخلافات السياسية والأيديولوجية. غير أن التجارب المتكررة أثبتت أن السياسة كثيرا ما تجد طريقها إلى المستطيل الأخضر، وأن الجماهير لا تشاهد المباريات بمعزل عن السياق الدولي الذي نتعايشه.
لذلك، لم يعد تشجيع منتخب بعينه يقتصر على الأداء الفني أو التاريخ الكروي دائما، بل أصبح في بعض الأحيان انعكاسا لمواقف سياسية وقيم يراها المشجع أقرب إلى قناعاته. ومن هنا، جاء الانقسام الذي شهدته مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيد لإسبانيا وآخر للأرجنتين .. في مشهد تجاوز حدود الرياضة إلى ساحات السياسة
فقد رأى قطاع من الجماهير العربية أن مواقف الحكومة الإسبانية الأخيرة تجاه القضية الفلسطينية، والتي اتسمت بقدر أكبر من الانتقاد للسياسات الإسرائيلية، والدعوة إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تستحق التقدير والدعم. حتى وإن كان ذلك من خلال تشجيع المنتخب الإسباني، باعتباره ممثل لدولة داعمة لقضية العرب المركزية في المحافل الدولية ( القضية الفلسطينية والاعتراف بها ).
في المقابل، تمسك فريق من المشجعين الآخرين بفكرة أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة.. وأن المنتخبات الوطنية لا ينبغي تحميلها مسؤولية مواقف الحكومات.
لذلك، فضل هؤلاء تشجيع الأرجنتين انطلاقا من مكانتها التاريخية في كرة القدم، ومدرستها الكروية العريقة التي مثلها مارادونا وباتستوتا. وأيضا ما تمثله هذه المدرسة اللاتينية من متعة وإبداع داخل المستطيل الأخضر، بعيدا عن أي اعتبارات سياسية ممثلة في أحد وأعظم لاعبي كرة القدم في العالم ليونيل ميسي.
وفي ظني أن السبب الآخر في اصطفاف الجماهير العربية تجاة تشجيع إسبانيا هي الدعم الكبير من الحكومة الإسرائيلية لمنتخب الأرجنتين، واتصال نتنياهو برئيس الأرجنتين ودعم بن غفير لميسي ورفاقه.
هذا الانقسام يجعلني اطرح سؤالً مهما: هل أصبح المشجع لاعبا سياسيا من خلال كرة القدم؟
الواقع يشير إلى أن الإجابة أصبحت أقرب إلى (نعم). فمع تصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت البطولات الرياضية إلى منصات للتعبير عن المواقف السياسية. وأصبحت الجماهير تربط بين صورة الدولة وسياساتها الخارجية، وبين منتخبها الوطني الذي يمثلها في المنافسات الدولية.
ولا يعد ذلك أمرا جديدا في التاريخ، فقد شهد العالم العديد من الأحداث التي تداخلت فيها السياسة مع الرياضة. فأتذكر في كأس العالم 1990، وكنت أبلغ من العمر 10 سنوات، جمعت مباراة بين أمريكا وإيران، وفازت إيران بهدف على دائي، وكان يحضرها الملايين في العالم بسبب الخلاف الأمريكي الإيراني.
فمن مباراة أمريكا وإيران، إلى مقاطعة أولمبياد موسكو عام 1980، إلى مقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس عام 1984، مرورا باستخدام البطولات الرياضية كأداة لتحسين الصورة الدولية للدول.. أصبحت الرياضة إحدى أهم أدوات "القوة الناعمة" في العلاقات الدولية.
ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، فإن مفهوم القوة الناعمة الذي طرحه جوزيف ناي يفسر جانبا كبيرا من هذا المشهد. فالدول لا تؤثر في الآخرين بالقوة العسكرية أو الاقتصادية فقط، بل أيضا بثقافتها وقيمها وصورتها الذهنية، وأيضا إنجازاتها الرياضية. ومن ثم، فإن أي نجاح رياضي أو موقف سياسي إيجابي ينعكس على صورة الدولة لدى الرأي العام العالمي.
لكن في المقابل، فإن المبالغة في تسييس الرياضة قد تؤدي إلى نتائج عكسية. إذ أن اللاعبين في نهاية المطاف يمثلون شعوبهم داخل الملعب، ويدافعون عن ألوان علم بلادهم، وليسوا صناع القرار السياسي. كما أن مواقف الحكومات تتغير بتغير القيادات والظروف الدولية، بينما يبقى الإرث الرياضي والتاريخ الكروي عاملا مستقلا إلى حد كبير بعيد عن الخلافات السياسية.
كما أن ربط تشجيع أي منتخب بانتماءات دينية أو عرقية، أو تداول معلومات غير دقيقة عن الدول أو شعوبها، لا يخدم النقاش الموضوعي، بل يزيد من حالة الاستقطاب ويبعد الجماهير عن جوهر المنافسة الرياضية.
نهاية، يكشف الجدل بين مؤيدي إسبانيا والأرجنتين عن حقيقة باتت واضحة في عالم اليوم، وهي أن السياسة أصبحت حاضرة في كل تفاصيل الحياة حتى في أكثر المجالات التي كان يعتقد أنها بعيدة عنها. فالرياضة لم تعد مجرد منافسة على كأس أو ميدالية، بل أصبحت ساحة تعكس توازنات القوة، وصراع الروايات، واتجاهات الرأي العام العالمي الدول والشعوب، وتساهم في تكوين رأي عام داخلي يستطيع صانع القرار السياسي في الداخل البناء علية وإعادة وصياغة سياستة الخارجية.
ويبقى السؤال الذي أود طرحه: هل تستطيع كرة القدم أن تستعيد حيادها يوما ما؟ أم أن العالم باتت تحكمه لغة السياسة والإعلام ووسائل التواصل؟
الإجابة: من الصعب الحياد، فالسياسة تتداخل في كافة أمور الحياة. وحتى في الرياضة، فلا يمكن أن تصبح عاملا متغيرا في عالم متعولم، أصبحت العولمة والتكنولوجية أحد أهم ثماته.








