"لا يستطيع أحد أن يخدم سيدين". من إنجيل متى (6:24)، فهل يستطيع جيه دي فانس أن يخدم الله ودونالد ترامب معاً؟ هكذا كتب نائب الرئيس كتاباً عن إيمانه غافلاً فيه أهم الأسئلة.
فلم يكن السؤال الأكثر إثارة في المشهد السياسي الأمريكي خلال السنوات الأخيرة متعلقًا بقدرات جيه دي فانس الإدارية أو بخبرته السياسية رغم سقطاته الأخيرة وما قبلها، بل تمحور حول قدرة رجل يُعلن التزامه الديني العميق على التوفيق بين قناعاته العقدية ومتطلبات العمل داخل واحدة من أكثر الإدارات الأمريكية إثارةً للجدل والاستقطاب، لاسيما شعبوية لرئيس الأمريكي ترمب وفضائحه.
ومن هنا يتجاوز النقاش شخص فانس إلى سؤال أوسع يتعلق بعلاقة الدين بالسلطة، وحدود البراجماتية السياسية، وما إذا كانت العقيدة تستطيع أن تبقى مرجعًا أخلاقيًا عندما تصبح السلطة هي الغاية الأولى، حيثُ انتقل فانس خلال أقل من عقد من الزمن من كاتب يحظى باحترام قطاعات واسعة من النخب الفكرية الأمريكية إلى أحد أبرز الوجوه السياسية في الحركة المحافظة الجديدة.
من كاتب لسياسي مُهمل
في عام 2016 قدّم في كتابه الشهير Hillbilly Elegy قراءة اجتماعية لأزمات الطبقة العاملة البيضاء، بينما أصبح بعد سنوات قليلة نائبًا لأكثر رئيس جدلي وأحد أهم المدافعين عن المشروع الوهمي "أمريكا أولًا"، وهو تحول يفرض سؤالًا مشروعًا: هل تغيرت المبادئ، أم تغيرت الأولويات؟
تكشف الأرقام جانبًا مهمًا من هذه القصة، فالكاثوليك يمثلون ما يقارب خمس سكان الولايات المتحدة، وهُم كتلة انتخابية مؤثرة في الولايات المتأرجحة التي غالبًا ما تحسم نتائج الانتخابات الرئاسية بفوارق محدودة، لذا فأي سياسي مُحافظ ينجح في استقطاب هذه الكتلة يحقق مكسبًا انتخابيًا كبيراً، ومن هنا يبدو كتاب فانس عن تجربته الدينية أكثر من مجرد سيرة روحية؛ فهو أيضًا رسالة سياسية موجهة إلى جمهور يرى في الهوية الدينية عنصرًا أساسيًا في صناعة القرار السياسي. غير أن السياسة لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج.
من أبرز الملفات التي واجهت إدارة ساكني البيت الأبيض "ترامب" ملف الهجرة، حيث طرحت الإدارة برامج لترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين، وتحدثت تقديرات مختلفة عن ملايين الأشخاص الذين قد تشملهم تلك السياسات المجحفة، لذا ظهرت التناقضات بين الخطاب الكنسي الذي يؤكد كرامة الإنسان بغض النظر عن جنسيته، وبين الخطاب السياسي الذي يجعل أمن الحدود والسيادة الوطنية أولوية مطلقة، وكلا الموقفين لا يخلو من الحجج.
فأنصار التشدد في الهجرة يرون أن الدولة لا تستطيع الاستمرار إذا فقدت السيطرة على حدودها، وأن حماية المواطنين مسؤولية دستورية يحب حمايتها وقبل أي اعتبار آخر. أما المنتقدون فيؤكدون أن الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل الاعتبارات الإنسانية أو إضعاف منظومة اللجوء والهجرة القانونية.
وبين هذين الموقفين وجد "فانس" نفسه في منطقة شديدة الحساسية، حيث أصبح مطالبًا بالدفاع عن سياسات حكومية، وفي الوقت نفسه بالحفاظ على صورته بوصفه سياسيًا يستلهم المرجعية المسيحية.
المقارنة الأولى
فقد تحدث فانس عام 2016 عن الطبقة المهمشة بلغة التعاطف الاجتماعي، بينما يتحدث اليوم عن الدولة بلغة الأولويات الاستراتيجية متجاهلاً وعوده التي كان الفرد محور التحليل، متحولاً في المرحلة الثانية إلى الدولة كمركز الاهتمام.
وليس بالضرورة أن يكون هذا التحول دليلًا على تناقض، لكنه يعكس انتقالًا من موقع الباحث إلى موقع صانع القرار، حيث تتغير طبيعة المسؤوليات وتتعقد المفاضلات التي تقتل الإبداع والمهنة الأصيلة.
المقارنة الثانية
تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، فهناك اتجاه يرى أن الدين ينبغي أن يوجه الضمير الأخلاقي للحاكم دون أن يتحول إلى أداة للصراع الحزبي، في المقابل يرى اتجاه آخر أن القيم الدينية يجب أن تنعكس بصورة مباشرة على السياسات العامة.
وبين الاتجاهين يقف "فانس" مترنحاً ومحاولًا صياغة نموذج يجمع بين الهوية الدينية والمشروع القومي المحافظ، وهو نموذج يحظى بالتأييد من بعض المحافظين، ويواجه في الوقت نفسه انتقادات من آخرين داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها.
ترتيب المحبة كم؟!
لعل أكثر ما يلفت الانتباه هو أن النقاش لا يدور حول العقيدة ذاتها، وإنما حول تفسيرها السياسي. فمفهوم "ترتيب المحبة" الذي استشهد به فانس فُسر بطرق مختلفة؛ إذ يرى مؤيدوه أنه يمنح الأسرة والمجتمع المحلي والوطن أولوية عملية في تحمل المسؤوليات.
بينما يرى منتقدوه أن هذا المفهوم لا يجوز استخدامه لتبرير تجاهل حقوق الغرباء أو التقليل من قيمة التضامن الإنساني. وهكذا يتحول النص الديني إلى ساحة تأويل، لا إلى معادلة سياسية جاهزة.
الاختبار الأخلاقي
هنا تقف العلاقة من زاوية استراتيجية، فإن فانس يمثل جيلًا جديدًا من المحافظين الأمريكيين الذين يحاولون إعادة صياغة العلاقة بين الاقتصاد والثقافة والدين. فهو لا يكرر الخطاب المحافظ التقليدي الذي يركز على السوق الحرة وحدها، بل يتحدث عاطفياً أيضًا عن الأسرة، والانتماء، والهوية، والتماسك الاجتماعي. وهذه محاولة لإعادة بناء تحالف سياسي واسع يجمع بين المحافظين الدينيين والطبقة العاملة وبعض القوميين الاقتصاديين.
لكن النجاح السياسي لا يعفي من الاختبار الأخلاقي. فالتاريخ مليء بقادة بدأوا بشعارات إصلاحية وانتهوا إلى تبرير كل قرار يصدر عن السلطة. وعندما تصبح المصلحة الحزبية هي المعيار الوحيد، يفقد الخطاب الأخلاقي كثيرًا من قدرته على الإقناع، وبالتالي نجد جوهر الإشكالية التي أثارتها كتابات عدد من المحللين؛ ممن يرون أن السؤال ليس: هل فانس مُتدين؟. بل: هل يستطيع الاحتفاظ باستقلاله الأخلاقي وهو يشغل ثاني أعلى منصب في الدولة؟
الهوية والتنافس الانتخابي
تبدو الولايات المتحدة اليوم من الناحية الاستراتيجية أمام معادلة معقدة، فالاستقطاب السياسي بلغ مستويات غير مسبوقة، وأصبحت الهوية الدينية والثقافية جزءًا من التنافس الانتخابي، حيثُ تشير استطلاعات الرأي إلى أن الثقة بالمؤسسات التقليدية شهدت تراجعًا خلال العقد الأخير.
بينما ازدادت أهمية الشخصيات السياسية الكاريزمية، وبالتالي يُصبح الولاء الشخصي عنصرًا مؤثرًا في العمل السياسي، وهو ما يفسر كثرة التساؤلات حول قدرة أي مسؤول على الاحتفاظ بمسافة نقدية من القيادة التي يعمل معها.
حبورًا مؤقتًا
وفي خضم هذا الجدل، يظهر بعض المنظرين الذين يبدلون مواقفهم مع تبدل موازين القوة، فتتطاير حججهم عند أول اختبار كما تتطاير الحبارير عند اقتراب الخطر.
بينما ينسحب آخرون من ساحات النقاش كأنهم حباري آثرت النجاة بالصمت على مواجهة الأسئلة الصعبة، فإما انتصار انتخابي أو مكسب سلطوي، يمنح أصحابه حبورًا مؤقتًا، لكنه لا يحسم الجدل حول مدى اتساق المبادئ مع الممارسة.
وقفة
"السلطة تكشف حقيقة الإنسان أكثر مما تغيره"، بمعني أن مستقبل جي دي فانس لا يتعلق بقدرته على كسب الانتخابات فحسب، بل بقدرته على الإجابة عن السؤال الذي سيظل يلاحقه: أين تنتهي حدود الولاء السياسي، وأين تبدأ مسؤولية الضمير؟
فالسياسة تحتاج إلى الواقعية، لكنها تحتاج أيضًا إلى معايير أخلاقية تمنعها من التحول إلى مجرد صراع على النفوذ، وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الدول تُبنى بالمؤسسات، وأن القادة يرحلون، أما المبادئ التي يصمد أصحابها في الدفاع عنها فهي التي تبقى.








