5 يوليو 2026|القاهرة 28 °

عندما يكبر الطفل... ينتهي التضامن

ماذا بقي من هذا التضامن عندما كبر أولئك الأطفال؟ وأين هي الأسر التي كانت تستقبلهم كل صيف عندما أصبحوا رجالًا ونساءً، أو عندما احتاجوا إلى من يقف إلى جانبهم؟

بقلم: محمد مولود مولاي لحسن
منذ 5 ساعة
4 دقائق قراءة
6 مشاهدة
برنامج عطل في سلام

برنامج عطل في سلام

تابعت برنامج عطل في سلام الذي يطفئ اليوم أكثر من أربعين شمعة منذ انطلاقه، وهو برنامج يقدم على أنه مبادرة إنسانية للتخفيف من معاناة أطفال اللجوء الصحراويين، حتى أصبح أحد أبرز برامج التضامن مع الأطفال الصحراويين.

غير أن مرور أكثر من أربعة عقود يفرض سؤالًا مشروعًا: ماذا بقي من هذا التضامن عندما كبر أولئك الأطفال؟ وأين هي الأسر التي كانت تستقبلهم كل صيف عندما أصبحوا رجالًا ونساءً، أو عندما احتاجوا إلى من يقف إلى جانبهم؟

فالطفل يحظى بالترحيب والرعاية طوال فترة البرنامج، لكن ما إن يغادر السن المحدد للمشاركة، حتى تنقطع العلاقة في كثير من الحالات، وكأن التضامن كان مرتبطًا بعمر الطفل لا بكرامة الإنسان. وتبقى الذكريات عند الطفل الصحراوي، بينما ينتهي الالتزام عند كثير من الأسر بانتهاء البرنامج.

وفي كل صيف، يبسط البساط الأحمر لأفواج جديدة من الأطفال، وتلتقط الصور، وترفع شعارات التضامن والتكافل والتعاضد، بينما يغادر من سبقوهم في صمت، دون متابعة أو سؤال عن مستقبلهم أو تعليمهم أو ظروف حياتهم. وهكذا يتكرر المشهد عامًا بعد عام، حتى أصبح التضامن عند البعض موسمًا يتكرر كل صيف أكثر مما هو علاقة إنسانية مستمرة.

ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن كثيرًا من العائلات الصحراوية اليوم لم تعد متحمسة لإرسال أطفالها إلى أوروبا كما كان الحال في السابق. فالكثير من الآباء والأمهات كانوا هم أنفسهم أطفالًا في هذا البرنامج، وما زالوا يتذكرون أسماء الأسر التي استقبلتهم، وأسماء المدن والقرى التي عاشوا فيها، ويحتفظون إلى اليوم بصور ورسائل وذكريات يعتبرونها جزءًا من حياتهم. لكن المفارقة أن تلك الأسر، في كثير من الحالات، نسيتهم بمجرد أن كبروا. بقي الصحراوي وفيًا للذكرى، بينما انقطعت صلة من كان يرفع شعار التضامن والتكافل الاجتماعي.

والحقيقة أن التضامن والتكافل والتعاضد لا يرتبط بعمر الطفل، ولا ينتهي بانتهاء عطلة صيفية أو حملة إعلامية. بل تزداد قيمته ورمزيته كلما استمر سنوات وعقود، وتحول من مبادرة مؤقتة إلى التزام إنساني دائم. فالوفاء لا يقاس بعدد الأيام التي يقضيها الطفل في بيت الأسرة المضيفة، وإنما بمدى استمرار تلك الأسرة في الوقوف إلى جانبه عندما يحتاج إليها. فالتضامن الحقيقي لا تحدده الأعمار، بل تحدده استمرارية المسؤولية وصدق الالتزام.

وهنا يستحضر كثير من الصحراويين صفحة مؤلمة من تاريخهم. ففي نظرهم، كان تخلي إسبانيا سنة 1975 عن مسؤولياتها تجاه إقليم الصحراء الغربية وشعبه بداية مرحلة طويلة من اللجوء والمعاناة. ولذلك، يشعر البعض أن التضامن الذي ينتهي بانتهاء مرحلة عمرية أو برنامج موسمي لا يرقى إلى مستوى المسؤولية الأخلاقية التي يفترض أن تستمر مع الإنسان، لا أن تتوقف عندما يكبر.

إن الطفل الصحراوي لا يحتاج فقط إلى عطلة صيفية جميلة، بل يحتاج إلى أن يشعر بأن العلاقة التي بنيت معه كانت صادقة، وأنها لم تكن مرتبطة بعمره أو بصور تلتقط في موسم معين. فالإنسان لا يفقد حاجته إلى التضامن عندما يكبر، بل ربما تزداد حاجته إليه في مراحل الدراسة، والعلاج، والعمل، وبناء المستقبل.

إن قيمة التضامن لا تكمن في بدايته، بل في استمراره. فالعلاقة التي تعيش مع الإنسان سنوات طويلة، وتبقى وفية له في مختلف مراحل حياته، هي التي تستحق أن تسمى تضامنًا. أما إذا انتهت بمجرد انتهاء البرنامج أو انتهاء الطفولة، فإنها تتحول إلى ذكرى جميلة، لكنها لا تحقق المعنى الحقيقي للتكافل والتعاضد الذي ترفعه شعاراتها.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

محمد مولود مولاي لحسن

كاتب صحراوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير