كانت الرحلة إلى بجاية مختلفة هذه المرة، ليس فقط بسبب جمال المكان، بل لأنني كنت برفقة الخبير في التنمية البشرية مهند امقران عبدلي، الذي كان يرى في تفاصيل الطريق ما هو أبعد من الجبال والوديان. كان يتحدث عن الإنسان والمكان، وعن أثر الطبيعة في الروح، وعن المدن التي تمنح زائرها طاقة لا تشرحها الكلمات.
في الامتداد الجبلي بين درقينة وشلاطة وإمسد وتيزي تلاتة، شعرت أن الطبيعة هنا لم تُخلق للفرجة فقط، بل للتأمل أيضًا.
فالطرق المتعرجة وسط الغابات، والضباب الذي يهبط أحيانًا على السفوح، والمياه الخارجة من قلب الصخور، كلها تمنح الزائر إحساسًا بأنه أمام عالم ما يزال يحتفظ بنقائه الأول.
وعندما مررنا بإمسد، حدثني السكان عن العين الحلوة التي يقصدها الناس من مختلف المناطق لجلب الماء العذب الصافي.
هناك رأيت رجالًا ونساء يحملون أوعيتهم في هدوء، وكأنهم ذاهبون إلى موعد قديم مع الطبيعة.
ماء بارد وعذب يخرج من الجبل كأنه رحمة مفتوحة للجميع، من عطاء ربي الذي لا ينقطع.
وفي شلاطة تبرز عين ألما، تلك العين التي ارتبط اسمها بالماء نفسه، حتى صار المكان يُعرف بعذوبته قبل أن يُعرف بطرقه وجباله.
هناك يدرك الإنسان أن علاقة أهل الجبال بالماء ليست مجرد حاجة يومية، بل جزء من الذاكرة والحياة.
ثم كان اللقاء مع شلال كفريدة، حيث تنحدر المياه بقوة وسط الصخور والغابات في مشهد يجعل الصمت أجمل من الكلام. وقفنا طويلًا أمام هدير الماء، وكان مهند يقول إن بعض الأماكن لا تعالج الجسد فقط، بل تُعيد ترتيب الروح من الداخل.
لكن اللحظة التي بقيت عالقة في الذاكرة كانت عندما صعدنا إلى المرتفعات المطلة على أقبو. حينها اكتشفت جمال المدينة الحقيقي، خاصة عندما تنظر إليها من الأعلى، فتبدو وكأنك تطل على باقة ورد موضوعة بعناية على شرفة واسعة بين الجبال. البيوت المتناثرة، والخضرة التي تحيط بالمكان، وخيوط الطرق الصغيرة، كلها كانت تمنح المدينة صورة شاعرية يصعب نسيانها.
ولا يمكنني أيضًا نسيان تلك الوجبات التي تعدها أيادٍ سخية لا تعرف سوى الاكتفاء الذاتي، حيث يتحول الخبز التقليدي وزيت الزيتون والعسل الجبلي إلى مائدة تختصر كرم أهل المنطقة وبساطتهم. هناك تشعر أن الطعام ليس للامتلاء فقط، بل حكاية قديمة عن الأرض والجهد والبركة.
كما بقيت الرحيوات الصخرية المنصوبة بين المساكن واحدة من أكثر الصور رسوخًا في الذاكرة، تلك المطاحن التقليدية التي ما تزال تستعمل لعصر الزيتون، وكأنها بوصلة اتجاه نحو طريق السلامة. صخور عتيقة تفوح منها رائحة الزيتون منذ سنين طويلة، وتحمل فوق سطحها آثار أيدٍ تعاقبت عليها أجيال كاملة دون أن تنقطع علاقتها بالأرض.
هناك فقط فهمت لماذا تبقى بجاية مختلفة. فهي ليست مدينة بحر وجبال فحسب، بل فضاء يمنح الإنسان شعورًا نادرًا بالسكينة، وكأن الطبيعة فيها ما تزال قادرة على إصلاح شيء متعب داخل أرواح العابرين.










