يهتم كثيرا بالثقافة الشعبية والتراث والتاريخ الليبي، إسهاماته متعددة ومتنوعة بين النشر والمقال ودراسة المخطوط الليبي. الباحث الليبي توفيق شقروني، الذي كان لـ"180 تحقيقات" معه هذا الحوار، ضمن سلسلة حوارات الخبير محمد أمقران.
.. وإلى نص الحوار:
- أسعد بمحاورتكم وشكرا لإتاحة الفرصة لمتابعي موقع "180 تحقيقات" للتعرف عن قرب على تجربتكم البحثية خاصة.
أهلاً بكم. إنه لشرف كبير لي أن أشارك في هذا الحوار عبر موقع "تحقيقات الإخباري"، وللجمهور الكريم كل التحية والتقدير.
- بداية، السيد شقروني أنت موظف في هيئة البحث العلمي وهي تابعة لوزارة التعليم العالي في ليبيا، هل الوظيفة الإدارية ساعدتكم للولوج لميدان البحث في التاريخ والإهتمام به أم شغف البحث كان سابقاً لوظيفتكم الإدارية؟
الشغف بالتاريخ هو النواة الأولى التي تشكلت عليها هويتي المعرفية؛ فهو سابق للوظيفة الإدارية بمسافات زمنية طويلة. لقد نشأت وفي أعماقي رغبة ملحة في استنطاق الموروث وفهم سيرورة التاريخ الليبي. أما الوظيفة في هيئة البحث العلمي، فقد كانت بمثابة الإطار التنظيمي الذي منح هذا الشغف أدواته المؤسسية، حيث أتاحت لي بيئة خصبة للإطلاع المنهجي والإشتباك المعرفي مع قضايا التراث، محولةً الهواية من حالة وجدانية إلى عمل مؤسسي يسعى لتقديم قيمة مضافة للبحث الأكاديمي في ليبيا.
- أنت خريج كلية التاريخ وبالتالي متمكن من منهجية وأدوات البحث، حدثنا عن واقع البحث في التاريخ الليبي خاصة وأنت مهتم بالثقافة الشعبية والمخطوط ونحن نعرف صعوبات هذا الميدان خاصة من حيث جمع المعلومات ودراسة المخطوطات.
واقع البحث في التاريخ الليبي يمر بمرحلة مفصلية؛ فبينما يزخر تراثنا بمكنونات لا تزال بكراً، نصطدم بتحديات بنيوية وتقنية. إن التعامل مع المخطوط الليبي، خاصة ذلك المبعثر في الخزائن الخاصة أو المنسي في زوايا الجبل، يتطلب صبراً أيوبياً. الصعوبة لا تكمن فقط في الوصول، بل في "استنطاق" هذه النصوص ضمن سياقاتها الاجتماعية واللغوية. نحن اليوم نحاول عبر مشروعاتنا (مثل أطلس المخطوطات الرقمي) تجاوز عوائق التوثيق التقليدية بتبني أدوات العصر، لضمان حماية هذا الإرث من الضياع والإندثار، وهو جهد يتطلب تكاملاً بين المنهجية الأكاديمية والعمل الميداني الشاق.
- بين عناء الجمع والدراسة والتنقيح، يأتي مجال النشر، ماهو واقع النشر حالياً في الجمهورية، خاصة مع الأوضاع الإستثنائية التي تعرفها ليبيا؟
النشر في ليبيا يعاني من حالة "المقاومة الإبداعية"؛ فرغم الظروف الإستثنائية وتراجع البنية التحتية التقليدية للنشر، شهدنا طفرة في النشر الرقمي والمبادرات الثقافية الفردية. إن الأوضاع الراهنة جعلت النشر عملية محفوفة بالمخاطر اللوجستية والمادية، لكنها في المقابل حفزت الباحثين على ابتكار منصاتهم الخاصة. التحدي الأكبر يكمن في غياب صناعة نشر متخصصة تدعم الكتاب التاريخي والعلمي، مما يجعلنا نعتمد على مجهودات ذاتية نأمل أن تتحول قريباً إلى سياسات ثقافية مؤسسية قادرة على إيصال الصوت الليبي للعالم.
- جمع ودراسة الأمثال الشعبية، مهم في فهم سياقات المجتمع الليبي الثقافية خاصة من الجانب اللغوي والبياني، فالتمازج اللغوي والثقافي الأمازيغي والعربي في ليبيا يشكل ثراء واضحاً، حدثنا عن هذا العمل الشيق.
إن المثل الشعبي الليبي هو "مختبر لغوي" حي؛ فهو يعكس طبقات التاريخ وتمازج الثقافات الذي تشكل عبر القرون. دراسة التفاعل بين المكونين العربي والأمازيغي في ليبيا عبارة عن دراسة لغوية، وكشف عن آليات "التصالح الثقافي" التي مارسها الليبيون للبقاء. نحن أمام نسيج لغوي فريد، وحين أقوم بجمع وتحليل هذه الأمثال، فإنني أوثق كلمات فقط، بل أوثق "حكمة البقاء" لدى الإنسان الليبي في الجبل والسهل والصحراء، وهو عمل يتطلب حساسية عالية تجاه الدلالات الثقافية العميقة المتوارية خلف المفردة.
- ماهي خصوصيات دراسة المخطوطات التاريخية في ليبيا، خاصة ما يتعلق بجبل نفوسة، لخصوصية المنطقة من الناحية التاريخيةو الإجتماعية والثقافية وحتى النضالية؟
جبل نفوسة منطقة جغرافية، تعد "خزان استراتيجي" للمخطوطات التي أرخت لتاريخ الفكر الإسلامي، والمذاهب، والحركات النضالية. خصوصية هذه المخطوطات تكمن في كونها مرآة للحياة اليومية الصعبة، ومقاومة التهميش، وحفظ الهوية. دراسة مخطوطات الجبل تتطلب فهماً مزدوجاً: فهماً للغة التراث، وفهماً للرموز الاجتماعية والسياسية التي تحكم هذه المنطقة. هي مخطوطات ناضلت لتبقى، ونحن اليوم نناضل لنفهمها ونضعها في سياقها التاريخي الصحيح ضمن المدوّنة الليبية الكبرى.
- تحضرون لملتقى دولي هام حول موضوع الثقافة والتراث تحت عنوان "علماء وأعلام ومعالم ليبيا: جبل نفوسة وزوارة أنموذجا"، وهو موضوع يصب في صلب اهتماماتكم، فماهي الأجواء المحيطة بهذا الملتقى العلمي الدولي الهام؟
الأجواء محفوفة بالتفاؤل والجدية؛ فهذا الملتقى يمثل تظاهرة علمية تهدف لإعادة الإعتبار للمساهمة الحضارية لهذه المناطق. العمل التحضيري يجري على قدم وساق لجمع باحثين من مختلف الأقطار لكسر العزلة عن هذه الكنوز المعرفية. نحن نطمح من خلال "علماء وأعلام ومعالم" إلى بناء جسر بين الماضي العريق والمستقبل الرقمي، لخلق حالة من الوعي الجمعي بأهمية الجبل وزوارة كرافدين أساسيين للهوية الليبية التعددية والغنية.
- مثل هذه الملتقيات هي بوابات للتفتح على العالم وتقديم صورة جديدة لليبيا الحرة، ألا تتفقون معي في هذا الطرح؟
أتفق معك تماماً. القوة الناعمة للثقافة هي الوسيلة الأنجع لتصحيح الصورة الذهنية عن ليبيا. العالم يحتاج لرؤية ليبيا من منظور "الإنجاز العلمي" و"العمق الحضاري" لا من منظور الأخبار السياسية العابرة. عندما يرى العالم الباحث الليبي وهو يقدم أوراقاً علمية عن تاريخه وتراثه بمهنية عالية، فإننا بذلك لا نقدم بحثاً فقط، بل نقدم "وثيقة حضور" لليبيا كدولة تساهم بفاعلية في الحضارة الإنسانية.
- كيف ترون مستقبل البحث العلمي في ليبيا عامة والبحث حول التاريخ والتراث خاصة؟
المستقبل مرهون بمدى قدرتنا على "رقمنة التراث" و"مأسسة البحث". أنا متفائل، رغم الصعوبات، لتوفر الإرادة لدى جيل جديد من الباحثين الليبيين الذين يمتلكون الأدوات التقنية والروح النقدية. إذا استطعنا ربط البحث العلمي بالتنمية المستدامة، واستثمار التكنولوجيا في استرجاع وتحليل التراث، فإن ليبيا ستشهد نهضة معرفية حقيقية. التاريخ في ليبيا يعتبره البعض صفحات مطوية، انما هو قوة دافعة للتطوير إذا ما أُحسن فهمه وتوظيفه، وهذا هو التحدي الذي نكرس حياتنا من أجله.
السيد توفيق شقروني، شكرا لك مرة أخرى ونتمنى لك النجاح في مسعاكم البحثي النبيل ولمؤتمركم النجاح.








