25 يونيو 2026|القاهرة 28 °

نص و حوار سلسلة للكاتب محمد أمقران عبدلي.. ضيف العدد الأول: الكاتب التونسي المنذر المرزوقي وقصة كوابيس الجدة ماريا

كَوابيسُ الجَدَّةِ ماريّا المنذر المرزوقي – تونس. أيّتُها النّارُ التي التهمت كُلَّ شيءٍ. لم تعد لي أوجاعٌ حارقةٌ. قريبًا أهاجرُ عبر الضّوءِ إلى نُورِ أحبّتي.

بقلم: المنذر المرزوقي
منذ 8 ساعة
12 دقائق قراءة
28 مشاهدة
المنذر المرزوقي وقصة كوابيس الجدة ماريا

المنذر المرزوقي وقصة كوابيس الجدة ماريا

كَوابيسُ الجَدَّةِ ماريّا

المنذر المرزوقي  تونس.

 

أيّتُها النّارُ التي التهمت كُلَّ شيءٍ. لم تعد لي أوجاعٌ حارقةٌ. قريبًا أهاجرُ عبر الضّوءِ إلى نُورِ أحبّتي.

 

  • المكان: قريةٌ أندلسيّةٌ من قُرى وادي مجردة، بتونس الخضراء.
  • الزّمان: بعد الطرد الكبير (1609) بثلاثين عامًا.
  • الشّخصيات: سكّانٌ ينحدرون في أغلبهم من مدينة غرناطة الأندلسيّة، ويتكلّمون القشتاليّة.
  • الحدث: احتفالٌ تقليديٌّ يتمثّلُ في إشعال نار وحرق دمية.  

                                                 

   

استفاقت مفزوعةً. سمعت ابنتُها صُراخَها المُوحشَ، فأسرعت إليها تُوقظها برفقٍ. أفاقت تتصبّبُ عرقًا، وهي تستغفرُ وتُحوقلُ. ناولتها ابنتُها كأسًا شربته بيد مرتعشة، فنزّ الماءُ من مساماتِ وجهها وصدرها..

  • يا لهُ من كابوسٍ. أستغفرُ اللَه َالعظيمَ.. أستغفرُ الله العظيمَ.

ابتسمت لها ابنتُها مُطمئنةً، دون أن تُجيبها. فقد تعوّدت أن تُحاورَها بالصّمت، حين تريدُ أن تُرخي لها حبلَ الكلام.

  • السّفينةُ نفسها، بأشرعتها العالية تشقُّ البحر الهائج. نفسُ القتلةِ. الأسلحةُ مرفوعةٌ للتهديد والقتل، والسّياطُ للضّرب. النّساءُ والأطفالُ أكوامٌ من الفزع والرُّعب، والرّجالُ في القيود على الجانب الآخر من السّفينة.

لم تتكلّم ابنتُها مرّة أخرى. اكتفت بنظرة رقيقة، وهي تسندُها إلى الجدار. تمسحُ العرق عن وجهها، وتمرّرُ يدها بحُنوّ على جرح قديم على جبينها. لم تتجرّأ على نزع خيطٍ برقبتها، تدلّى منه مفتاحُ صُندوق أشيائها الخاصّة. أمّاالأمُّ فقد واصلت رواية الكابوس:

  • نفسُ الوجه القاسي ينظرُ إليّ من بُرج السّفينة. يُشيرُ بيده ويلوّحُ بقبّعته السّوداء، ويُعبّرُ بنظرته الكريهة عن رغبته الدّنيئة. لكنّني حضنتُ رضيعي، وأدرتُ وجهي نحو البحر. ثمّ رفعتُ عينيّ إلى السّماء. كان الوقتُ ظهرًا. تهامسَ النّاسُ على ظهر السّفينة، التي خرج بها القراصنةُ، من ميناء لُوسْ ألفاكيس، بقرب الوصول إلى ميناء تونس. أخذتُ أطمئنُ نفسي باقتراب التخلّص منه. لكنّي غفوتُ، بسبب الجوع والإجهاد مدّةَ أيّام طويلة في البحر. لم أتفطّن إلى اقترابه منّي، حين مالت الشّمسُ إلى المغيب. اختطف ابني من حُضني بسرعة، ثمّ وشوش في أذني:
  • يجبُ أن تتبعيني إلى المقصورة في الأسفل، وإلاّ أخذتُ ابنتك بدلاً منك، أو ألقيتُ بابنك في البحر.

انتبهتُ من غفوتي مذعورةً. جعلتُ ابنتي مُونيكَا وراء ظهري، وحاولتُ استرجاع ابني. هدّدني.. صُحتُ. ضربتُه حتّى يُسلّمني صغيري، فتمسّك به أكثر. وحين تأكّد من رفضي، سبّني ودفعني بقوّة. ثمّ أسقط ماركِيتو بقماطه في البحر. وقبل أن أتمكّن من الارتماء وراءه، قيّدني عددٌ من البحّارة. ركلني ماكسيمليانُو على بطني وصدري. داسَ على رأسي، فانفجر الدّمُ وغطّى وجهي. أصبح كُلّ شيءٍ أحمر مثل نار في الجحيم. وخيّم ليلٌ قاسٍ كئيبٌ، بدا لي القمرُ فيه أكثرَ انطفاءً وبُعدًا، من أيّ وقت مَضى. صحتُ ملء صدري وأوجاعي، حتّى استفقتُ مذعورةً، مثلما رأيتِ. أستغفرُ الله العظيمَ من كلّ شيطانٍ رجيمٍ. أستغفرُ الله العظيمَ..

بعد أن استمعت خديجةُ إلى أمّها، تروي لها ذاتَ الكابوسِ الذي رأته في منامها ألف مرّة، وبعد أن ساعدتها على النّوم من جديد، تذكّرت أشياء كثيرةً، من زمن طفولتها البعيدة. حكاياتٌ مُوجعةٌ وأحداثٌ سعيدةٌ، وأخرى لا تعرف كيف تُصنّفها، لأنّها كانت تجمع بين الألم والفرح، بين البهجة والخوف. غير أنّ كلّ الحكايات التي تذكّرتها كانت تبدأ بالنّار أو تنتهي بها. نارٌ في مناسبات أفراحِهم، في أحداثِ تهجيرهم من مكان إلى مكان، وفي أحلامهم بالعودة إلى جنّة في الجحيم. وحين فكّرت فيما يُمكن أن يُطفئ نيرانَ الكابوس المُضمّخ بالدّم والأحزان، الذي جعل حياة أمّها جحيمًا، لا تموت فيه ولا تحيا، لم تجد من وسيلة غير الاحتفالِ.

حين استقرّ رأيها على إقامة الاحتفال، طلبت من ابنها وصديقه أن يجلبا بعض القصب الجاف من الوادي. ولمّا عادَا إليها، لاهثين، شاركتهُما ابنتُها عائشة، التي تناديها الجدّةُ باسم عائشة الحرّة، في تشكيل دميةٍ كبيرةٍ في حجم إنسانٍ حقيقيٍّ، كأنّها فزّاعة في حقول الذّرة أو القمح. خاطت الأمُّ رأسًا في شكل كيس دائريٍّ ملأهُ الأطفالُ بالقشّ، ثمّ جعلوا للرأس قبّعةً من قماش أسود. وما إن أتمُّوا تركيب الدّمية وخياطة ملابسها، حتّى انتشر بين الصّبيةِ والأطفالِ، خبرُ الاحتفال الذي سيقامُ قُبيل الغروبِ، في ساحة الجامع، التي تُطلُّ عليها حُجرة الجدّة مريم من عائلة الريشكوا.

خرج الأطفالُ والصّبيةُ باحثين عن الخشب والحطب، في أطراف القرية وفي المزارع، وقريبًا من الوادي. ثمّ شرعُوا في تكويم ما تحصّلوا عليه في السّاحة. لقد بعث الحدثُ المُرتقبُ في نفوسهم حماسةً دفعتهم إلى التّنافس في تحصيل أكبر قدر من الخشب والحطب، دون مبالاة بالتّعب والإجهاد. وبعد أن جمّعوا ما يكفي لإيقاد نار تدوم ساعات، في كومة أعلى من أجسامهم، تجمّعوا، مُنتظرين في شغف لحظة انطلاق الحفل. لحظة لم تتأخّر كثيرا. إذ أُلقيتْ في ساحة الجامع الوسيعة، دميةٌ بشريّةٌ لرجلٍ بحّار، كأنّه فزّاعةٌ مرعبةٌ، فارتفعت صيحاتُ الفرح والتهليل، وأقبل إلى السّاحة من كان غافلاً، من سُكّان القرية.

سمعت الجدّةُ ماريّا صياحَ الصّبية المُتحمّسين، فطلبت من ابنتها مُساعدتها على الوقوف. أطلّت من شبّاك بيتها وتمسّكت بالحديد المُعرّش، كي تتمكّن من مشاهدة الحدث. رأت الصّبيةَ يتنافسون على الإمساك بدمية في حجم إنسان وضربها. تلقّفوها صائحين: بِييَّانُو.. بِييَّانُو... رُكلت الدّميةُ. ضُربت بالأيادي. تَبارى الجميعُ في سبّها وشتمها. تقاذفتها الأرجلُ وارتفعت الصّيحاتُ المنتشيةُ والأصواتُ المُتحمّسةُ:  

  • ڨُولْبِيِيمُسْ.. ڨُولْبِيِيمُسْ..

اقتربت خديجةُ من أمّها، فسمعتها تهمسُ:

  • البحرُ.. ! السّفينةُ وقبّعةُ القرصان السّوداء ؟ !

طوّقتها بيديها، مثلما تُحبُّ أن تفعل دائمًا. صدر الأمرُ من أحد المشاركين في السّاحة بإيقاد النّار:

  • فْوَاڨُو..

فردّد جميعُ من في السّاحة بحماسٍ:

  • فْوَاڨُو.. فْوَاڨُو..

أُشعلت النّارُ. انتشرت في الحطب رُويدًا. تعالى صياحُ الصّبيةِ. ارتفعت النّيرانُ أكثر. ثمّ استعرتْ. أصدر الخشبُ الملتهبُ طقطقةً أطربت الحاضرين. أضيئت السّاحةُ بنُور نارها ولهيبها، فاستضاء وجهُ الجدّة بانعكاس النّور عليه. رفع الأطفالُ شُعلات ملتهبةً، غير أنّ شعلةَ قلبها كانت خامدةً منطفئةً. التصقت بالشّباك أكثر. أسندت الجرح الذي على جبينها إلى الحديد البارد، ثمّ همست لحسيس النّار:

  • أراڨون.. (Aragón) ماليخان.. (Maleján) ساحة الكنيسة.. أطفالٌ وشبابٌ حول النّار.. ديغُو.. آنّا.. رُوبيُو.. المُوسيقى و الزّمبرا .. ثمّ..؟ ثمّ الظّلمُ والظّلامُ.. كاتالونيا (Cataluña) والطريقُ نحو البحر.. الميناءُ.. مُونيكا.. ماركيتُو.. الرّجالُ في القيود.. والقرصانُ يتوعّدُ:
  • إن لم تُباعوا في أسواق النّخاسة، أو اشتراكم داي تونس، فسألقي بكم إلى البحر قَتلى مُغتصبينَ.
  • ماكسيمليانُو..، تقول الجدّةُ، من أيّ كابوسٍ جحيميٍّ خرجتَ ؟ ! 

تسمعُ خديجةُ همس أمّها. تعرفُ جُرحهَا. كانت طفلةً في العاشرة، تلتصقُ بها وتشدُّها إليها بكلّ قوّتها. وحين أراد القرصانُ إيذاءها، تمسّكت بخصرها، حتّى لا تلقي بنفسها في البحر. رأت أخاها ماركو الملفوف في قُماط أبيض يغرقُ رُويدًا في القاع. تتذكّر صياحَ أمّها، والدّمُ ينزفُ من رأسها وجبينها ويُغطّي صدرها وفستانها. تتذكّرُ كيف ارتمت عليها واحتضنتها، لتتلقّى عنها الضّربَ بالسّياط والرّكلَ بالأحذية. حاولوا انتزاعها من أمّها. تمسّكت بها أقوى. وحين سُحِبت وجُرّت على وجهها، رأت يدها مغموسةً في الدّم الذي سال من أمّها غزيرا.

انتبهت على كلمة أَرَّسْتْرَارْ. تُرَدَّدُ في السّاحة. أخذ أحدُ الأطفالِ حبلاً ربطه بساق الدّمية التي تهشّمَ قصبها وانفرطَ قشّها، بسبب الضّرب والرّكل. أمسك بقيّةُ الأطفال بالحبل الطويل وأخذوا في سحل الدّمية. سحبوها في الأزقّة المتفرّعة. ثمّ عادوا بها إلى ساحة الجامع مُتصايحينَ. طافوا بأشلائها حول اللّهب، فإذا هم كائناتٌ ضوئيّةٌ تطوفُ خفّاقةً، وأهلُ القرية في ذهولٍ تشدُّهم البُهرةُ الغامرةُ بنُورها الوهّاج إليها. شاعت سعادةٌ غريبةٌ على وجوه النّساء المُطلّات من النّوافذ والأبواب. والتمعت في عُيون الرّجال الواقفين قريبا من المشهد، وتحت نظر الڨوبرنادور والمستشارين والقاضي، بهجةٌ غامرةٌ، لا يعرفون تفسير أسبابها. كانُوا ينظرون إلى النّار بقلوبٍ راضيةٍ، وبحزنٍ غريبٍ على فقدٍ لا يعرفون استعادته وفراغ لا يعرفون ملأهُ.

تعالت الأصواتُ.. كِيمِيمُسْ.. كِيمِيمُسْ .  تنافس الأطفالُ في إنجاز المهمّة المثيرة. وحين تمكّن أسرعُهم من إلقاء أشلاء دمية القرصان في النّار، صاح الجميعُ ابتهاجًا. تطايرَ قبسٌ مُضيءٌ من نار حامية. تسرّبت النّارُ إلى الدّمية، ثمّ حين توقّدت والتهبت، وانقدح منها شررٌ وهّاجٌ، ارتفع التهليلُ. أحسّ الحاضرون بالحماسة وبسعادة غامرة. تعالت صيحاتُ الفرح والنّصر على عدوّ خفيّ لا تراه الأبصارُ، لكنّه يقبعُ الآنَ بين ألسنة اللّهيب. نادت الجدّةُ حفيدتها الحرّةَ. ذهبت إلى رُكن الحُجرة، حيث صندوق أشيائها الخاصّة، سلّمتها لفافةً من قُماش، ثمّ عادت إلى الشّبّاك.

أشرقَ وجهُ الجدّة، وتوهّجت نظرتُها، فرأت نفسَها في حلقة الرّقص. تمسكُ بيد أختها ماريّا لُونَا ويد ابن عمّها رُوبيُو. تحرّكت أجسادُ الرّاقصين في ساحة الكنيسة على إيقاع رقصة السّمبرا. صوتُ القيثارة ينبعثُ هدّارًا مع ضرب الأقدام على الأرض. تتحرّرُ الأيادي. تُوضعُ الأكفُّ على الخُصُور، ثمّ تُرفعُ أطرافُ الفساتين الحمراء المُنقّطة بالأسود رُويدا، على ربلاتٍ بضّةٍ بيضاءَ. وبحركةٍ سريعةٍ خاطفةٍ، على توقيعِ التصفيقٍ، تتحرّكُ الأكتافُ يمنةً ويسرةً، وترتفعُ الرُّؤُوسُ إلى السّماء سامقةً. تمتزجُ الملامحُ الحادّةُ في الوجوهِ الحزينة، بالعنفوان والأنفة في النّظرة الحالمة الشّغوفة. وترتفعُ أصواتٌ شجيّةٌ مكابرةٌ بأهزوجةِ غزلٍ على إيقاعِ أوجاعٍ عتيقةٍ، تُهدهدُها كلمةُ أُولِي، فتُصعّدُ أرواحَهم إلى أوجِ الانتشاءِ. هناك، تنظرُ ماريّا رُوزا، بعينين عَسليتين عاشقتين، إلى سماء ينثالُ من قمرها الأحمر ضوءٌ شفيفٌ يلامسُ وهجَ النّارِ السّاهرةِ في ساحة الكنيسة، في قرية ماليخان.

أمّا هنا، في ساحة الجامع الأندلسيّ، فقد ساد صمتٌ ملأتهُ النّارُ بوميضٍ أصابَ الجميعَ بذُهولٍ مثل خدرٍ خفيفٍ لذيذٍ. وقف الأطفالُ حول الكومة النّاريّة، فارتسمت أجسادهم التي صارت مثل قناديل مضيئةٍ من فخّارٍ شفّافٍ، ظلالاً كبيرةً على جُدرانِ البُيوتِ التي قُدّت من طُوبٍ طينيٍّ أصفرَ. خرجت عائشةُ من بيت الجدّةِ، وألقت لفافةً من قماشٍ في النّار التي ازدادت استعارًا. أنارَ وجهُ الجدّة الحِنطيُّ المتعرّقُ، وتسرّبت بُهرةُ النُّور إلى روحها، فأضاءت عتمةَ قلبها. كانُوا ينظرون مذهولين إلى اللّظى تلتهمُ الدّميةَ وتأكلُ الحطبَ. وظلّوا وُقوفًا بوجوه طيفيّة غائمة، كأنّما غابت أرواحُهم في أقاصي الكون، أو علقت بسقفِ مكانٍ آخر بعيدٍ. ولمّا بدأت النّارُ تخفتُ رُويدًا، تضاءلت ظلالُهُم المنعكسةُ على جدران البيوت في السّاحة. وحين خمدت، غابت الظّلالُ تمامًا، وظهر القمرُ أحمر قانيًا تحيطُ به هالةٌ برتقاليّةٌ، همست الجدّةُ: أيّتها النّارُ التي التهمت منّي كلّ شيءٍ. لم تعد لي أوجاعٌ حارقةٌ. قريبًا أهاجرُ عبر الضّوءِ إلى نُور أحبّتي.

عادت إلى فراشها خفيفةً. طلبت من ابنتها أن تترك مصراع الشّباك مفتوحا، حتّى تُطلّ على القمر في السّماء. وقبل أن تستسلم للنّوم، نزعت الخيط من رقبتها، وعلّقت مفتاح صندوق ذاكرتها الدّامية، في مسمار قرب السّرير. تعرفُ خديجة حكاية الصّندوق، وتعرف جيّدا ما فيه: قارورةٌ بها بقيةُ عطرٍ من زوجها القتيل رُوبيو.. مدمعيّةٌ مملوءةٌ قهرًا واشتياقًا.. مفتاحُ بيتهم في قرية ماليخان، وفستانُها المغموسُ بدمها، الذي ألقت به عائشة في النّار منذ حين. شهدت خديجةُ، التي كانت تُسمّى مُونيكا، تلك الحوادثَ. وهي تعرفُ أنّ ماكسيمليانُو لم يكن وهمًا في كابوسٍ. وتعرفُ، أيضًا، أنّه لا يُوجد ما هو أصدق من الكوابيس في حياتهم.

أصرّت  خديجة على النّوم إلى جانب أمّها، مُمسكةً بطرف لباسها. تلاحمتَا وهما تنظران، من خلال الشّباك إلى سماء عالية بلا نهاية، مرصّعة بنجوم وضّاءة يتصدّرها قمرٌ بهيّ. ماتت الجدّةُ مريم التي كانت تُسمّى ماريّا روزا فجرًا، بعد ليلة بلا كوابيس. بعد الظّهر، وقفت خديجة وابنتها عائشة الحرّة، في الشّباك، ترقبان خروج الجثمان من الجامع الكبير. وفي طريق الجنازة إلى المقبرة البرّانيّة، داسَ المُشيّعون على رمادٍ باردٍ ذرتهُ الرّيحُ على امتداد السّاحةِ الرّحبةِ، وعلى قرميد المنازل الورديّ، ثمّ رفعتهُ عاليًا إلى عنان السّماءِ. ظنّت خديجةُ، أنّ كلّ الكوابيسِ قد احترقت في النّار، وأنّها غابت بموت أمّها إلى الأبد، إلى أن لمحت يد ابنتها عائشة، التي ألقت بالفستان في النّار، مغموسةً في دمٍ قانٍ، صَار مع الأيّام وشمًا لا يُمّحَى.

تونس - أوت 2025.   

الدكتور المنذر المرزوقي أستاذ جامعي من تونس. باحث في تعليميّة العربيّة وبيداغوجا تعليمها للناطقين بغيرها. له مؤلفات في الشّعر والنّقد والتّاريخ المحلّي والتّعليميّة والسّرد. شارك في ندوات علميّة وملتقيات أدبيّة وفكريّة في تونس وخارجها.

البريد الالكتروني:                    [email protected]

[email protected]                                  

 

المنذر المرزوقي

الدكتور المنذر المرزوقي أستاذ جامعي من تونس. باحث في تعليميّة العربيّة وبيداغوجا تعليمها للناطقين بغيرها. له مؤلفات في الشّعر والنّقد والتّاريخ المحلّي والتّعليميّة والسّرد. شارك في ندوات علميّة وملتقيات أدبيّة وفكريّة في تونس وخارجها. البريد الالكتروني:                    [email protected] [email protected]

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

نص و حوار سلسلة للكاتب محمد أمقران عبدلي.. ضيف العدد الأول: الكاتب التونسي المنذر المرزوقي وقصة كوابيس الجدة ماريا - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°