لم تكن رغد عاشور تحمل سلاحًا، ولم تكن في طريقها إلى ساحة معركة. كانت تحمل ما يحمله ملايين الطلاب حول العالم في مثل عمرها: قلق الامتحان، أحلام المستقبل، وأسئلة الغد.
كانت في طريقها إلى امتحان التوجيهي.
هذه الجملة وحدها كافية لتلخّص مأساة عصر كامل.
في الأماكن الطبيعية، يُقاس مستقبل الشعوب بعدد الطلاب الذين يجلسون على مقاعد الدراسة. أما في غزة، فيُقاس أحيانًا بعدد الذين لا يصلون إلى قاعات الامتحان أصلًا.
رغد لم تكن استثناءً. كانت واحدة من آلاف الفتيات اللواتي يحاولن انتزاع حقهن في الحياة من بين الركام. كانت تؤمن، كما يؤمن كل طالب، أن وراء هذا الامتحان جامعة، ووراء الجامعة مهنة، ووراء المهنة حياة كاملة تستحق أن تُعاش. لكن الحرب لا تعترف بهذه التفاصيل الصغيرة التي تشكل جوهر الإنسانية.
في خبر قصير، قد يُقال إن طالبة استشهدت أثناء توجهها لتقديم امتحانها. غير أن ما لا تستطيع الأخبار العاجلة قوله هو أن فتاة كانت تخطط لأيامها القادمة، وربما لفستان تخرجها، وربما لبيت تحلم به، وربما لأطفال كانت تتخيل أسماءهم، انتهت قصتها قبل أن تبدأ.
المأساة ليست فقط في موت رغد.
المأساة الحقيقية أن العالم بدأ يعتاد مثل هذه الأخبار.
أن تتحول وفاة طالبة في طريقها إلى الامتحان إلى خبر عابر بين عشرات الأخبار الأخرى. أن تصبح أحلام الأطفال والشباب أرقامًا في نشرات الأخبار. أن يتعايش الضمير العالمي مع مشهد جيل كامل يعيش بين الخوف والجوع والنزوح والموت، ثم يواصل يومه كأن شيئًا لم يكن.
قصة رغد ليست قصة فرد.
إنها قصة شعب كامل يحاول أن يعيش حياة عادية في ظروف غير عادية. شعب يرسل أبناءه إلى المدارس وسط القصف، ويقيم امتحاناته وسط الدمار، ويتمسك بفكرة المستقبل بينما تتهاوى حوله كل مقومات الحاضر.
لهذا السبب لن يبقى اسم رغد مجرد اسم في سجل الضحايا. سيبقى سؤالًا أخلاقيًا موجّهًا إلى العالم كله: كيف يمكن لفتاة أن تخسر حياتها وهي تمارس أكثر الأفعال إنسانية وسلمية، الذهاب إلى امتحانها؟
لن يعيد هذا السؤال رغد إلى الحياة.
لكن الإجابة عنه ستحدد ما إذا كان العالم ما يزال يحتفظ بشيء من إنسانيته.
أما رغد، فقد أنهت امتحانها الأخير قبل أن تصل إليه.. وتركت لنا جميعًا ورقة الأسئلة.










