18 يونيو 2026|القاهرة 28 °

حين يتكلم الشباب يعود التاريخ حيًّا من جديد: شغف الجيل الفلسطيني بسرديته الوطنية

في تلك اللحظة، بدا واضحًا أن الشبيبة في فلسطين ليست مجرد إطار تنظيمي أو عنوان نشاطي، بل فضاء يتشكّل فيه الوعي عبر التفاعل والنقاش والاختلاف.

بقلم: د. أسعد العويوي
منذ 15 ساعة
3 دقائق قراءة
10 مشاهدة
مسيرة للفلسطينيين في الداخل لإحياء ذكرى النكبة (رويترز)

مسيرة للفلسطينيين في الداخل لإحياء ذكرى النكبة (رويترز)

في لحظةٍ كان من المفترض أن تكون محاضرة عادية ضمن نشاط توعوي، اكتشفت أن ما يحدث أكبر بكثير من “فعالية” تُدرج في جدول، وأعمق من عنوان يُكتب على لافتة. كان الأمر أقرب إلى مساحة حيّة تُستعاد فيها الذاكرة، لا بوصفها سردًا جاهزًا، بل بوصفها سؤالًا مفتوحًا يُعاد طرحه على جيلٍ كامل من الشباب في فلسطين.

ما شدّني منذ البداية لم يكن عدد الحضور فقط، بل ذلك الحضور المختلف في معناه: شباب لا يأتون بدافع الفضول العابر، بل بدافع رغبة حقيقية في الفهم. في العيون كان هناك شيء يشبه البحث—بحث عن تفسير، عن سياق، عن خيطٍ يربط ما يعيشونه اليوم بما تراكم عبر عقود من التجربة الوطنية.

وحين بدأ الحديث عن التجربة التاريخية لحركة حركة فتح في لبنان، لم يكن التفاعل مجرد إنصات عابر، بل كان اقترابًا واعيًا من مرحلة شديدة التعقيد في الذاكرة الفلسطينية، حملت في طياتها أسئلة كبرى عن الثورة، واللجوء، والعلاقة مع المكان، وحدود الفعل الوطني في سياقات المنفى والحرب.

لم يكن التفاعل بروتوكوليًا أو مجاملة فكرية. كان هناك إنصات مختلف، وأسئلة تنبع من حاجة داخلية لفهم كيف تشكّلت تلك التجربة في لبنان، وكيف أثّرت على مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، وكيف بقيت آثارها حاضرة في الوعي الجمعي حتى اليوم.

الأهم من ذلك أن الحوار لم يكن أحادي الاتجاه. كان هناك شباب يربطون بين التاريخ والواقع، بين ما سمعوه وما يعيشونه، بين الرواية المكتوبة والتجربة الإنسانية المعاشة. بعض الأسئلة كانت بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في دلالتها: كيف عاش الفلسطيني تلك المرحلة خارج أرضه؟ كيف تشكّل الفعل الوطني في بيئة اللجوء؟ وكيف تُقرأ تلك التجربة اليوم بعيدًا عن التبسيط أو التقديس أو الإدانة؟

في تلك اللحظة، بدا واضحًا أن الشبيبة في فلسطين ليست مجرد إطار تنظيمي أو عنوان نشاطي، بل فضاء يتشكّل فيه الوعي عبر التفاعل والنقاش والاختلاف. ليس الهدف أن يُقدَّم التاريخ كحقيقة مغلقة، بل أن يُفتح كمساحة فهم، وأن يُترك للشباب حق الاقتراب منه بطريقتهم الخاصة، بأسئلتهم، وحتى بترددهم.

ما كان لافتًا أيضًا هو الشغف الذي لا يُعلن عن نفسه بصوت مرتفع. شغف هادئ لكنه عميق، يظهر في طريقة الإصغاء، وفي إعادة صياغة السؤال أكثر من مرة، وفي الرغبة في عدم الاكتفاء بالإجابة الأولى. هذا النوع من التفاعل لا يُصطنع، ولا يمكن فرضه، بل يدل على حاجة حقيقية للمعرفة حين ترتبط بالهوية والانتماء.

وغادرتُ تلك المساحة وأنا أشعر أن ما حدث ليس نشاطًا عابرًا، بل مؤشر على شيء أوسع: أن الوعي الوطني لا يزال يُبنى من جديد كل يوم، وأن الجيل الشاب لا يقف خارج التاريخ كما يُظن أحيانًا، بل يقف في قلبه، يحاول أن يفهمه ليعيد صياغة موقعه داخله.

ربما الدرس الأهم هنا هو أن التثقيف الوطني ليس عملية نقل معلومات، بل عملية إعادة وصل. وصل الإنسان بسياقه، والشباب بذاكرتهم، والحاضر بماضيه، دون أن يتحول ذلك إلى خطاب مغلق أو رواية واحدة. بل إلى حوار مستمر، لا يدّعي الاكتمال، لكنه يصرّ على أن يبقى حيًّا.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير