19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

غطرسة التاريخ نزوة أم نشوة؟

"التاريخ لا يتكرر، لكن الإنسان هو الذي يُكرر حماقاته بذات الدوافع النفسية ولكن بأسلحة أكثر فتكاً"، هكذا تبدو الصورة ونحن نرقب المشهد العالمي الحالي

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٢٣ مايو ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
36 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب:  غطرسة التاريخ نزوة أم نشوة؟

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب:  غطرسة التاريخ نزوة أم نشوة؟

"التاريخ لا يتكرر، لكن الإنسان هو الذي يُكرر حماقاته بذات الدوافع النفسية ولكن بأسلحة أكثر فتكاً"، هكذا تبدو الصورة ونحن نرقب المشهد العالمي الحالي، فالقائد الذي يرى نفسه مركز الكون، قد لا يرى في العالم سوى مسرحًا لإثبات حضوره، حتى لو احترق المسرح بمن عليه. فبين إمبراطور أحرق روما وملكها يعزف على قيثارته، وقائد شعبوي أشعل فتيل الأزمات العالمية بتغريدة أو قرار أحادي، تبرز فجوة مروعة بين "عظمة الكيان" و"هوس الذات"، في جوهر السلطة حين تتحول إلى أداة للتدمير الذاتي والكوني.

أولاً: النرجسية القيادية.. حينما يرى الحاكم العالم "مرآة"

يشترك نيرون ودونالد ترامب في سمات "الشخصية النرجسية المفرطة" التي لا ترى في الدولة إلا امتداداً للأنا المُتضخمة، فنيرون، لم يكن مجرد حاكم مستبد، بل نموذجًا لشخصية مأزومة تعاني من تضخم الأنا وانفصال عن الواقع برغبة سيكولوجية لإعادة بناء المدينة وفق رؤيته الفنية الخاصة، ضارباً عرض الحائط بآلام الآلاف، حتى في لحظة احتراق روما عام 64 ميلادية، حيث نُسب إليه مشهد العزف بينما المدينة تشتعل. سواء كانت الرواية دقيقة بالكامل أم لا، فإنها تعبّر عن حقيقة نفسية أعمق: قائد يقدّم صورته الذاتية على حساب الواقع الموضوعي.

في المقابل ترامب يعكس نمطًا نفسيًا قريبًا من حيث البنية، وإن اختلفت النتائج والسياقات، بقراراته الحادة والسريعة ذات الطابع الصدامي والتي هزت أركان الاستقرار العالمي، وللأسف نصدقه، من الانسحاب من الاتفاقيات الدولية إلى إذكاء الصراعات التجارية والسياسية والاعتماد على الخطاب الاستقطابي الذي يقسم العالم إلى فائزين وخاسرين، وتضارب الخطابات وإعطاء فرص زائفة مع تناقضات، كُلها تعكس رغبة في تحطيم "النظام القديم" لبناء نظام يحمل بصمته الشخصية، حتى لو كلف ذلك العالم استقطاباً حاداً.

 في علم النفس السياسي، تُصنّف هذه السمات ضمن ما يُعرف بـ"الشخصية النرجسية القيادية"، حيث تصبح القرارات امتدادًا لصورة القائد عن نفسه، لا استجابة متوازنة لمعطيات الواقع، وكلاهما يُعاني من "عقدة التأليه"، حيث يصبح اتخاذ القرار مبنياً على "النشوة اللحظية" للقوة وليس على الحكمة الاستراتيجية، مما أدى تاريخياً إلى كوارث بشرية وسياسية لا تزال ندوبها غائرة في جسد المجتمعات.

ثانياً: زيارة الصين: غطرسة أمريكية أم انكسار هيبة؟

الضغط والابتزاز: توجه ترامب إلى بكين مهدداً بفرض المزيد من الرسوم التجارية ضمن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة لاستغلال الموقف الصيني في قضية تايوان.
الاستجداء الدبلوماسي: سعت واشنطن إلى دفع الصين للتدخل وإلزام طهران بفتح مضيق هرمز لإنهاء أزمة الطاقة العالمية، إلا أن بكين اكتفت بإعلان مبادئ فضفاضة واستمرت في دعم مصالحها دون تقديم تنازلات حقيقية.
ردود الفعل: انتقد محللون دبلوماسية ترامب، واعتبروا أن تعاطي الإدارة الأمريكية مع بكين أظهر ترامب بموقف ضعيف وسمح للصين بكسب مساحة استراتيجية إضافية.

ثالثاً: من فنزويلا لكوبا.. كاستر وصلب:

يسير نهج إدارة ترامب تجاه كوبا على خطى "دليل العمل" نفسه الذي طُبق ضد فنزويلا من حيث توظيف الأدوات القانونية والاقتصادية الحادة، إلا أن غياب الدوافع النفطية الضخمة وطبيعة النظام المعقدة في هافانا يجعلان النتائج مختلفة، فتكرار سيناريو فنزويلا، قلناها، لكن الاختلاف كوبا، لا يوجد بديل واضح داخل النخبة الحاكمة يقبل بالتعاون المباشر مع إدارة ترمب، بعكس فنزويلا، وافقت واشنطن على استلام نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز للسلطة لإدارة المرحلة الانتقالية.. أما العائد الاقتصادي فكوبا تفتقر للثروات الطبيعية، ويركز ترامب بدلاً من ذلك على استعادة استثمارات مجتمع المنفى الكوبي وشركات السياحة، بعكس الدافع الرئيسي للتدخل في فنزويلا هو السيطرة على احتياطيات النفط الهائلة وتعويض الشركات الأمريكية. وأخيراً بنية الدولة الصلبة في كوبا لذا فإن استهداف رأس النظام (مثل كاسترو) قد لا يؤدي سريعاً إلى انهيار المنظومة الحاكمة بالكامل، لأن هيكل الحكم الأمني والحزبي في كوبا أكثر تماسكاً وعمقاً مقارنة بنظام مادورو.


رابعاً: كُلفة الغطرسة:

الأرقام حين تتكلم برُعب، تقف الحكمة وتعكس حجم الخسائر، فحريق روما لم يكن مجرد حادث عابر، بل كارثة التهمت نحو 70% من المدينة وفق بعض التقديرات التاريخية، وتدمير 10 أحياء من أصل 14 حياً في روما، وتشريد عشرات الآلاف. ورغم الجدل حول دور نيرون المباشر، فإن إدارة الأزمة كشفت عن خلل عميق في القيادة.

وفي حالتنا الحديثة والسياسات التصادمية للإدارة الأمريكية، حيثُ لا تُقاس الكوارث بالحريق فقط، بل بالحروب والقرارات الجمركية والتوترات الجيوسياسية، التي ساهمت في رفع الإنفاق العسكري العالمي ليتجاوز حاجز الـ 2.6 تريليون دولار بحلول عام 2026، مع خسائر في التجارة العالمية قُدرت بمئات المليارات، خاصة ما رأيناه بمقتل مئات الآلاف في العراق بعد 2003، وخسائر بشرية ضخمة في أفغانستان تجاوزت 170 ألف قتيل، تكاليف اقتصادية للحروب الأمريكية قُدّرت بأكثر من 6 تريليونات دولار، والتاريخ يذكر لنا "كاليجولا" الذي أعلن الحرب على البحر، و"إيفان الرهيب" الذي قتل ابنه في نوبة غضب، ولدينا أدولف هتلر الذي تسبب في مقتل أكثر من 70 مليون إنسان خلال الحرب العالمية الثانية، ونابليون بونابرت: الذي خاض حروبًا أودت بحياة ملايين الأوروبيين، وكلها نماذج لقادة جعلوا من "اضطرابهم النفسي" دستوراً لدولهم، مما كلف البشرية ملايين الأرواح وضياع ثروات كان يمكن أن تُبنى بها حضارات، والقاسم المشترك بينهم ليس فقط السلطة، بل الإيمان العميق بأنهم فوق الخطأ.

خامسًا: العرب بين سندان الفوضى ومطرقة الحكمة:

حين يقترب العالم من حافة التكرار نقف أمام لحظة حساسة، حيث تتداخل الأزمات الدولية مع شخصيات قيادية ذات نزعات حادة مع الجنون العالمي، والتوترات في الشرق الأوسط، الصراع في أوكرانيا، والتنافس الأمريكي الصيني، يبرز دور "العقل العربي" كصمام أمان وحيد وسط حقول الألغام الجيوسياسية، والدور المحوري الذي تلعبه مصر والسعودية في دعم الاستقرار الإقليمي الذي يمثل اليوم "المرساة" التي تمنع السفينة العربية من الغرق في أمواج الحروب العالمية التي يشعلها الطامحون لمجد شخصي زائف على حساب دماء الشعوب، فبينما يصرخ البعض بلغة الصدام، تصر الرياض عبر "رؤية 2030" والقاهرة عبر "ثقلها الاستراتيجي" على تغليب التنمية والحلول السياسية، لتجنب الانجرار خلف صراعات "القوى النيرونية" الحديثة التي لا ترى في منطقتنا إلا ساحة لتصفية الحسابات.

سادساً: من التاريخ إلى الوعي:

لا يُعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد أنماطه النفسية، فالشعوب التي تُستباح حقوقها تحت شعارات "العظمة" هي التي تدفع الثمن دائماً، ونيرون لم يكن مجرد شخصية رومانية، بل نموذج يتكرر كلما اجتمعت السلطة المطلقة مع الاضطراب الداخلي، كما يحدث ببيوتنا عند تسلط المرأة العاقة. والدرس المستفاد أن القائد المأزوم نفسيًا يصبح أكثر خطورة حين يعمل داخل نظام لا يقيّده، ولا يحاسبه، ولا يوازن قراراته فما بين نيرون وترامب أن "القيادة الحقيقية" تُقاس بقدرتها على إطفاء الحرائق لا إشعالها، وبناء الجسور لا الجدران. فالعالم اليوم لم يعد مدينة تحترق، بل نظامًا دوليًا كاملًا يمكن أن يشتعل. ويحتاج إلى "دبلوماسية الحكمة" لمواجهة "سيكولوجية الغطرسة، فالقرارات لم تعد محلية، بل عابرة للقارات، تؤثر في الاقتصاد والطاقة والأمن العالمي.

وقفة: هل يعي القادة المعاصرون أن قيثارة نيرون لم تنقذه من لعنة التاريخ، أم أننا باقون في زمن يظن فيه "الهواة" أن إحراق العالم هو أقصر طريق للخلود؟!!. فما بين نيرون الذي يُقال إنه عزف وروما تحترق، وترامب الذي قاد سياسات صدامية في عالم متوتر، نجد خيطًا رفيعًا لكنه خطير: حين تتحول القيادة من مسؤولية إلى استعراض، فالإعلام الصادق والوعي الشعبي هما السد المنيع أمام هؤلاء، في تلك اللحظة، لا يعود التاريخ مجرد سرد للماضي، بل تحذير للمستقبل، وحين يغيب العقل، سيبدأ العالم في سماع موسيقى قد لا تكون سوى مقدمة لحريق جديد.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير