يقول الفيلسوف والمفكر الفرنسي مونتسكيو في كتابه الشهير روح القوانين: "تُظهر لنا التجربة المستمرة أن كل إنسان يمتلك سلطة يميل إلى إساءة استخدامها، ويتجه للمضي بها إلى أقصى حدودها الممكنة ما لم يجد حداً يقف عنده".
لم يكن هذا التحذير الفلسفي الذي صيغ في القرن 18 مجرد تنظير سياسي، بل يبدو اليوم أشبه بقراءة استشرافية دقيقة لما تشهده الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تعيش الجمهورية المعاصرة مخاضاً استثنائياً يعيد صياغة العقد المؤسسي الذي قام عليه النظام الأمريكي طوال قرنين ونصف القرن، مدفوعاً بزلزال سياسي يضرب عمق التحالفات الحاكمة.
إن ما يحدث اليوم في غزة كان شرارة الموت الأمريكي-الصهيوني، ما جعل واشنطن تتجاوز حدود التنافس التقليدي بين حزبيها (الديمقراطي والجمهوري)، ليتحول إلى معركة كسر عظم استراتيجية تسعى من خلالها إدارة دونالد ترمب إلى هندسة عكسية لموازين القوة والنفوذ، وبسط سلطة البيت الأبيض على مفاصل الدولة. إلا أن هذه المحاولة باتت تصطدم بجدران صلبة، ليس فقط من جانب المعارضة التقليدية، بل من داخل البيت المحافظ نفسه، لينقسم المشهد بين صراع دستوري معقد واهتزاز عنيف في بنية التحالفات التي صنعت ظاهرة ترمب، والسبب الحروب الخارجية التي تركت حبارير الموت واضحة في أزماتها البشرية والاقتصادية لا على الجسد الفلسطيني أو العربي فقط بل على جسد المجتمع الأمريكي المعاصر ككل.
نظرية السلطة الموحدة
إن الحبارير الفظيعة التي خلفها الاستقطاب السياسي الحاد في جسد الدستور الأمريكي باتت تنذر بانهيار هيكلي يصعب رتقه أو تلافيه، ولفهم أبعاد هذا التحول الهيكلي، يجب العودة إلى الخلفيات الفكرية والقانونية التي تستند إليها الإدارة الحالية، وتحديداً تبنيها للنظرية القانونية المعروفة بـ "السلطة التنفيذية الموحدة". تمنح هذه النظرية الرئيس سلطة شبه مطلقة على كافة أجهزة الحكومة الفيدرالية، بما يشمل عشرات الوكالات المستقلة وملايين الموظفين.
هذا التحول حظي بغطاء قضائي تاريخي عبر حكم المحكمة العليا الأمريكية في قضية ترمب ضد سلوتر؛ حيث ألغت الأغلبية المحافظة سابقة قضائية استمرت قرابة قرن كانت تقيد سلطة الرئيس في إقالة رؤساء الهيئات التنظيمية المستقلة، وذلك بعد إقدام ترمب على إقالة مفوضة لجنة التجارة الفيدرالية "ريبيكا سلوتر". هذا الحكم، إلى جانب منح المحكمة لترمب حصانة واسعة من الملاحقة الجنائية عن أفعاله الرسمية، وفّر أرضية لتوسيع الصلاحيات الرئاسية، مما دفع القاضية الليبرالية سونيا سوتومايور للتحذير في رأيها المخالف بأن المحكمة تمنح الرئيس سلطة لم تكن معروفة حتى للتاج الإنجليزي الذي ثار ضده الآباء المؤسسون.
تصدع الحصن المحافظ
باتت المؤسسات المستقلة في واشنطن تواجه واقعاً قاحلاً كأرض حبارى مستباحة، حيث تُسحق القوانين وتتآكل الحريات تحت وطأة النفوذ المطلق، بينما كان ترمب يسعى لترسيخ هذه السلطة المطلقة، تلقى معسكره ضربة استراتيجية من الداخل تمثلت في الانشقاق التاريخي للإعلامي البارز تيكر كارلسون برفقة رموز من تيار ماجا مثل النائبة مارجوري تايلور غرين. هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف عابر، بل تفجّر كموقف مبدئي ضد السياسة الخارجية للإدارة، وتحديداً بعد حرب إيران.
اتهم كارلسون إدارة ترمب علناً بالتخلي عن عقيدة أمريكا أولاً والانجرار وراء مغامرات عسكرية خارجية تخدم مصالح حلفاء إقليميين بدلاً من المصلحة الأمريكية. وفجّر كارلسون مفاجأة سياسية بإعلان سعيه لتأسيس حزب سياسي ثالث يكسر ثنائية القطبية، مستهدفاً كتلة اليمين المتردد والجيل الجديد المتذمر من التراجع الاقتصادي. هذا الانشقاق يثبت بالدليل القاطع أن محاولة إعادة تشكيل أمريكا باتت تفقد ظهيرها الإعلامي والشعبي الأكثر شراسة.
التوازن القلق
يرتبط هذا الانشقاق الداخلي بجدل عميق يعصف بأروقة الدبلوماسية الأمريكية حول حدود النفوذ الإسرائيلي في صناعة القرار بواشنطن. وقد تجسد هذا في صعود شعار اجعل إسرائيل عظيمة مجدداً الذي رفعه غلاة التيار الإنجيلي والصهيوني، وتحول إلى مادة لانتقادات لاذعة من محللين اعتبروا أن السياسة الخارجية سُخرت بشكل مطلق لصالح تل أبيب.
وفي هذا السياق، برز مصطلح الابتزاز المطلق على لسان دبلوماسيين أمريكيين سابقين، انتقدوا فيه استراتيجية الإدارة التي ربطت ملف التهدئة الإقليمية بالتوسع القسري في اتفاقيات أبراهام لصالح إسرائيل؛ وهو ما عُد ضغطاً سياسياً فجّاً يسلب السياسة الأمريكية استقلاليتها الاستراتيجية، ويعمق حالة الاستقطاب الداخلي حول جدوى هذه التحالفات.
قهر الصحافة وتراجع الحريات
بالتوازي مع صراع المحاور وصدمات السياسة الخارجية، بلغت مواجهة الإدارة مع الإعلام المستقر مستويات تصعيدية خطيرة. فقد هدد ترمب بسحب تراخيص البث من شبكتي إن بي سي وإيه بي سي بتهمة التواطؤ لرفضهما بث خطابه في وقت الذروة عبر القنوات الرئيسية واكتفائهما بالمنصات الرقمية.
ولم يتوقف الأمر عند الوعيد؛ بل ترجم إلى ملاحقات قضائية عبر قيام وزارة العدل بطلب استدعاء صحفيي نيويورك تايمز للمثول أمام هيئة محلفين اتحادية في مانهاتن إثر نشر تقارير حول الطائرة الرئاسية الجديدة. هذا الهجوم الممنهج انعكس سلباً على التقييم الدولي للبلاد؛ إذ كشف مؤشر حرية الصحافة العالمي عن تراجع الولايات المتحدة إلى المركز الرابع والستين بعد أن كانت في المركز السابع والخمسين في العام الماضي، إلى جانب تسجيل مائة وسبعين اعتداءً على الصحفيين خلال عام واحد.
المال والسياسة تضارب المصالح
الوجه الآخر لإعادة التشكيل الهيكلي يتجسد في التداخل غير المسبوق بين النفوذ السياسي والتربح المالي. فقد كشف تقرير الإفصاح المالي الشخصي لترمب المكون من أكثر من 900 صفحة عن تحقيق أرباح استثنائية تجاوزت مليارين ومائتي مليون دولار، مقارنة بـ 622 مليون دولار في العام السابق له. واللافت أن الشطر الأكبر من هذه الأرباح جاء من استثمارات العملات الرقمية والرموز المشفرة المرتبطة بمشروعه وعائلته وورلد ليبرتي فاينانشال، وشراكته مع عملاق التشفير بينانس الذي عفا ترمب عن مؤسسه تشانغبينغ تشاو. كما تضمن الإقرار عوائد بلغت مائتين وثلاثة وستين مليون دولار من بيع حصة في مشروعه الرقمي لعائلة حاكمة في دولة الإمارات، وتحقيق أكثر من 117 مليون دولار من صفقات عقارية خارجية في ممالك الخليج العربي، فضلاً عن تلقيه طائرة بوينغ كهدية بقيمة أربعمائة مليون دولار استخدمها كطائرته الرئاسية الجديدة، وهو ما أظهر كيف تحولت الرئاسة في هذا العهد إلى منصة عولمية قادرة على جني الأرباح الطائلة بالتوازي مع إدارة القرار السياسي.
الهوية المجتمعية والتوترات الثقافية
هذا الاستقطاب الحاد امتد ليشمل الهوية الثقافية والدينية داخل المجتمع الأمريكي. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه النبرة القومية المتشددة، برزت أزمات محلية عكست حجم الاحتقان؛ كالتصريحات المسيئة التي أطلقها نائب حاكم ولاية إنديانا "ميكا بيكويث" ضد الدين الإسلامي، والتي أشعلت حراكاً حقوقياً واسعاً قاده مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية كير. ورغم أن المنصات الرقمية تداولت القضية مجزأة كاعتذار أمريكي للإسلام، إلا أن حقيقتها الاستراتيجية تكمن في عمق الصراع الداخلي حول التعددية، ومطالبة الكيانات المدنية بمحاسبة الخطاب الإقصائي المتنامي في ظل المناخ السياسي الراهن.
قوة المؤسسات
بينما كانت أركان النظام التقليدي تتهاوى، كان الحبور الأسود يملأ قلوب القوى المتربصة التي رأت في تفكك أمريكا داخلياً فرصة تاريخية لإنهاء عهد قطبيتها، إذ كان النموذج المؤسسي الأمريكي التقليدي يقوم على خمس مرتكزات رئيسية هي: (قوة المؤسسات، والتماسك الحزبي، وحرية الصحافة، وثبات السياسة الخارجية، وهيمنة المصالح الاقتصادية المرتبطة بالنفوذ السياسي). لكن حالياً، تظهر مؤشرات على تراجع هذه المرتكزات؛ إذ برزت محاولات للتأثير في استقلالية المؤسسات، وتصاعد الانقسام داخل الحزب الجمهوري مع بروز تيار كارلسون والدعوة إلى تأسيس حزب ثالث، إلى جانب انخفاض ترتيب الولايات المُتحدة إلى المركز 64 في مؤشر حرية الصحافة، وازدياد النزعة نحو الانخراط العسكري وربط التهدئة بشروط إسرائيلية، فضلًا عن تنامي نفوذ رجال الأعمال، مثل "ماسك"، في توجيه القرارات السياسية. وتشير هذه التحولات إلى آثار استراتيجية محتملة، تشمل تراجع فعالية الرقابة التشريعية والقضائية، وتفكك البيئة المحافظة، وانحسار دور الصحافة الرقابي، وارتفاع مخاطر التوتر مع القوى الدولية، إضافة إلى تزايد التداخل بين المصالح الاقتصادية وصنع القرار السياسي والدبلوماسي.
ولتلخيص الفوارق الجوهرية بين النموذج المؤسسي الأمريكي التقليدي والواقع الحالي الذي تفرضه التحولات الراهنة، يعرض الجدول التالي مقارنة تحليلية شاملة:
|
محور المقارنة |
أمريكا المؤسسية التقليدية (الماضي القريب) |
أمريكا المعاد تشكيلها (الواقع الحالي والمسار المستقبلي) |
الأثر الاستراتيجي المتوقع |
|
التوازن المؤسسي |
الفصل المرن بين السلطات والالتزام بآليات الضوابط والتوازنات الفيدرالية. |
تبني نظرية "السلطة التنفيذية الموحدة" وإضعاف استقلالية الهيئات التنظيمية. |
تركيز القرار في يد البيت الأبيض وتراجع الرقابة التشريعية والقضائية. |
|
التماسك الحزبي |
اصطفاف تقليدي خلف القيادة الحزبية واستقرار التحالفات الحاكمة. |
تصدع المعسكر المحافظ وانشقاق تيار كارلسون والدعوة لتأسيس حزب ثالث. |
تفتت الكتلة التصويتية لليمين وظهور أقطاب منافسة من داخل البيئة المحافظة. |
|
حرية الصحافة |
حماية دستورية صارمة وحرية حركة واسعة للمؤسسات الإعلامية المستقلة. |
ملاحقات قضائية للصحفيين وتراجع الترتيب العالمي في مؤشر الحريات للمركز 64. |
انحسار مساحة المناورة أمام السلطة الرابعة وتحول الاستدعاء لأداة ضغط وتخويف. |
|
السياسة الخارجية |
تغليب عقيدة "أمريكا أولاً" وتجنب الانجرار الكامل وراء صراعات المحاور. |
اندفاع عسكري (حرب إيران) وربط التهدئة بشعار "إسرائيل عظيمة". |
اصطدام القوة العسكرية بحدود فرض الاستقرار، وتعميق التوتر مع القوى الدولية. |
|
المال والمنصب العام |
قيود صارمة على الأنشطة التجارية لمنع استغلال النفوذ السياسي والتربح. |
طفرة أرباح قياسية (2.2 مليار دولار) وعولمة الاستثمارات الرقمية والعقارية للرئيس. |
تداخل تضارب المصالح مع التوجهات السياسية والدبلوماسية للدولة. |
لم يعد مشروع إعادة تشكيل الدولة الأمريكية يواجه خصومه التقليديين فحسب، بل بات يواجه السيف ذاته الذي رفعه؛ فقد أفرزت المغامرات العسكرية في الخارج والتمدد السلطوي في الداخل انشقاقاً بنيوياً في صفوف الحلفاء. إن أمريكا اليوم لا تمر بمجرد أزمة حُكم، بل تقف عند منعطف تاريخي يختبر صلابة جمهوريتها التي لم تفلح في أي حرب ولم تنتصر فب أي منها. فهل تنجح المؤسسات الراسخة والتوازنات الجديدة في كبح جماح التمدد الرئاسي، أم أن الاستقطاب الحالي سيمضي بالبلاد نحو نموذج سياسي جديد تتآكل فيه الديمقراطية لصالح النفوذ؟ إنها المعركة التي ستحدد ليس فقط طبيعة النظام الأمريكي، بل ميزان القوة الدولي بأكمله.
وقفة: يقول الكاتب والمفكر السياسي البريطاني توماس هوبز في كتابه اللاويان: "إن العهود بدون السيف ليست سوى كلمات، ولا تملك القوة لتأمين الإنسان على الإطلاق".









