ما بين مائية هرمز وضبابية غُرف القرار، لا يحدث شيء بالمصادفة أبداً لا سيما السياسة، وإذا حدث فاعلم أنه خُطط له، فالحروب الحديثة أصبحت أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى، ورسم خرائط النفوذ، وفرض وقائع جديدة على الاقتصاد العالمي قبل الجغرافيا السياسية، وهو ما تشهده المنطقة اليوم من تصاعد غير مسبوق في التوتر بين إسرائيل وإيران، بالتوازي مع استمرار المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي في روما برعاية أميركية لا طائل منها، وهُما مساران ليسا منفصلان؛ بل هما وجهان لاستراتيجية واحدة تتحرك فيها واشنطن وتل أبيب وطهران وفق حسابات دقيقة تتجاوز حدود الميدان إلى مستقبل النظام الإقليمي بأكمله، في وقت تتراجع فيه فرص نجاح المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، بينما يستمر التنسيق العسكري الأميركي الإسرائيلي بوتيرة مرتفعة، وهُناك في المقابل، تستضيف روما الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، لكن تحت مظلة أميركية واضحة، بما يعكس أن العاصمة الإيطالية ليست سوى منصة جغرافية، بينما يبقى القرار السياسي في واشنطن.
توازن اضطراب ومناورات خاسرة
منذ عقود، أثبتت التجارب أن الشرق الأوسط يعيش في حالة "توازن اضطراب"؛ حيث لا تسمح القوى الكبرى بانفجار شامل يهدد الاقتصاد العالمي، لكنها في الوقت ذاته لا تدفع نحو تسويات نهائية تلغي أوراق المساومة، وتشير بيانات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر المضيق، وهو ما يجعل أي تصعيد عسكري واسع عاملاً مؤثراً في أسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومعدلات التضخم العالمية. لذلك، فإن مجرد الحديث عن توسيع بنك الأهداف يحمل رسائل تتجاوز البعد العسكري إلى الضغط الاقتصادي والاستراتيجي.
وفي المقابل، تدرك إيران أن امتلاكها أدوات الرد غير التقليدية يمنحها هامشاً واسعاً للمناورة، فهي لا تحتاج بالضرورة إلى مواجهة تقليدية شاملة إذا كانت تستطيع التأثير في البيئة الإقليمية عبر حلفائها، أو عبر رفع كلفة أي تحرك عسكري ضدها، وهُنا حسابات الردع المتبادل أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل عقد من الزمن. أما الولايات المتحدة، فتبدو حريصة على إدارة الأزمة أكثر من حسمها. وهي سياسة ليست جديدة، لكنها اكتسبت زخماً أكبر مع التحولات الدولية، وازدياد المنافسة مع الصين، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وهو ما يجعل فتح جبهة إقليمية واسعة خياراً عالي الكلفة بالنسبة لواشنطن.
وفي هذا السياق، تكتسب مفاوضات روما أهمية مختلفة، فهي ليست مجرد اجتماعات تقنية تتعلق بترتيبات أمنية أو حدودية، بل تمثل اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على إدارة ملفات متعددة في وقت واحد. فنجاحها في إبقاء المسار اللبناني الإسرائيلي قائماً يمنحها ورقة استقرار في جنوب لبنان، بينما يتيح لها التركيز على إدارة المواجهة مع إيران ضمن سقوف يمكن التحكم بها.
حروب البجعة الشمطاء
إن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري والتقني، تدرك أن أي مواجهة طويلة مع إيران ستتجاوز حدود الضربات الجوية، لتتحول إلى حرب استنزاف تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وإلى الأمن البحري، وإلى أسواق الطاقة، وربما إلى ممرات التجارة الدولية، وكذلك تُدرك طهران أن المحافظة على قدرتها الردعية لا تعني بالضرورة خوض حرب شاملة، بل الحفاظ على معادلة تجعل كلفة استهدافها أعلى من كلفة احتوائها. ومن هنا، يبدو أن تحديث بنك الأهداف الإسرائيلي لا يحمل بعداً عسكرياً فحسب، بل يمثل أيضاً رسالة سياسية مزدوجة: الأولى إلى إيران بأن خيارات الرد ما زالت مفتوحة، والثانية إلى الولايات المتحدة بأن تل أبيب مستعدة للتحرك إذا رأت أن المسار الدبلوماسي بلغ نهايته. وفي المقابل، تحاول واشنطن الاحتفاظ بدور "مدير الأزمة"، بحيث تمنع الانفجار الكامل، دون أن تتخلى عن أدوات الضغط العسكري والسياسي.
أما انتقال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية إلى روما، فلا ينبغي تفسيره على أنه تغيير في موازين الوساطة، بل إعادة توزيع للأدوار فقط، وهو ما يعكس استمرار النهج الأميركي القائم على الجمع بين الردع والتفاوض في آن واحد.
وتبرز أهمية هذا المسار في أنه يتعامل مع ملفات تنفيذية تمس مستقبل الجنوب اللبناني، بدءاً من تثبيت وقف إطلاق النار، ومروراً بترتيبات الانتشار الأمني، وصولاً إلى إعادة الإعمار. غير أن نجاح هذه الخطوات يظل مرهوناً بالبيئة الإقليمية الأوسع؛ إذ إن أي تصعيد كبير بين واشنطن وطهران قد ينعكس مباشرة على هذا المسار، ويعيده إلى نقطة الصفر.
قوة الاقتصاد وحباري الحرب
يظل الاقتصاد العامل الأكثر حساسية، فأسواق الطاقة تتفاعل مع احتمالات التصعيد قبل وقوعه، وشركات النقل البحري تعيد حساباتها بمجرد ارتفاع مستوى المخاطر، بينما تراقب الأسواق المالية أي مؤشرات قد تؤدي إلى تعطيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، لذا فالحفاظ على أمن الملاحة في الخليج لم يعد مصلحة إقليمية فحسب، بل ضرورة للاقتصاد الدولي بأسره. ومن زاوية أخرى، فإن إسرائيل وإيران تواجهان معادلة داخلية لا تقل تعقيداً عن التحديات الخارجية، فكل قرار عسكري يحمل كلفة سياسية واقتصادية، وكل تصعيد يفرض ضغوطاً على الرأي العام، ويختبر قدرة الحكومات على تحقيق التوازن بين الأمن والاستقرار الاقتصادي. لذلك، تبدو حسابات الطرفين أكثر حذراً مما توحي به الخطابات السياسية أو التصريحات الإعلامية.
لوحة المؤشرات الاستراتيجية للأزمة (حتى يوليو 2026)
|
المؤشر |
الرقم |
الدلالة الاستراتيجية |
المصدر المرجعي |
|
حصة النفط العالمية العابرة عبر مضيق هرمز |
نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية (17–20 مليون برميل يومياً) |
أي تهديد للمضيق ينعكس فوراً على أسعار الطاقة العالمية |
إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) |
|
نسبة تجارة الغاز الطبيعي المسال المارة عبر هرمز |
نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً |
يهدد أمن الطاقة خاصة في آسيا وأوروبا |
EIA – IEA |
|
حجم الإنفاق العسكري الإسرائيلي (2024) |
46.5 مليار دولار |
من أعلى معدلات الإنفاق العسكري نسبة إلى الناتج المحلي عالمياً |
SIPRI 2025 |
|
حجم الإنفاق العسكري الإيراني (2024) |
قرابة 7.9 مليارات دولار |
رغم انخفاضه مقارنة بإسرائيل، تعتمد طهران على الردع غير المتماثل |
SIPRI 2025 |
|
الفارق في الإنفاق العسكري |
إسرائيل تنفق نحو 6 أضعاف إيران |
يفسر التفوق العسكري التقليدي الإسرائيلي |
حسابات مبنية على بيانات SIPRI |
|
عدد المواقع الإيرانية التي أعلنت واشنطن استهدافها في أحدث موجة (وفق المادة محل التحليل) |
أكثر من 300 موقع عسكري |
يعكس اتساع نطاق العمليات العسكرية الأميركية |
المادة المرفقة |
|
ترتيب إسرائيل عالمياً في مؤشر الابتكار |
ضمن أفضل 15 دولة عالمياً |
التفوق التقني عنصر رئيس في استراتيجيتها العسكرية |
WIPO – Global Innovation Index |
|
احتياطيات إيران المؤكدة من النفط |
نحو 208 مليارات برميل (الرابعة عالمياً) |
تجعل قطاع الطاقة هدفاً استراتيجياً بالغ الحساسية |
OPEC Annual Statistical Bulletin |
|
احتياطيات إيران من الغاز الطبيعي |
نحو 34 تريليون متر مكعب (الثانية عالمياً) |
تفسر أهمية منشآت الطاقة في أي مواجهة |
BP Statistical Review / Energy Institute |
|
عدد الدول التي تعتمد بصورة مباشرة على نفط الخليج |
أكثر من 30 دولة صناعية ونامية |
يفسر الاهتمام الدولي بمنع إغلاق هرمز |
IEA |
ورغم التصعيد، فإن احتمالات التسوية لم تختفِ تماماً، لكنها أصبحت أكثر ارتباطاً بقدرة القوى الدولية على إنتاج تفاهمات جديدة تراعي مصالح جميع الأطراف، أو على الأقل تمنع انتقال الصراع إلى مرحلة يصعب احتواؤها. فالمنطقة لا تعاني نقصاً في أدوات القوة، بقدر ما تعاني ندرة في الثقة السياسية.
وقفة:
السلام ليس غياب الصراع، بل القدرة على إدارة الصراع بحكمة، فقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الشرق الأوسط لا يتغير بالضربات العسكرية وحدها، ولا بالمفاوضات وحدها، بل بتوازن دقيق بين القوة والعقلانية. ومن ينجح في إدارة هذا التوازن، سيكون الأقدر على صياغة مستقبل المنطقة، أما من يراهن على الحسم الكامل، فقد يكتشف أن أكثر الانتصارات العسكرية كلفة هي تلك التي تفتح أبواب صراعات لا تنتهي.









