14 يوليو 2026|القاهرة 28 °

انتحار العلم سياسيًا.. كيف تقتل الشعبوية مستقبلها؟

تنتحر المعرفة، عندما تبتلع الشعبوية مختبرات المستقبل

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 2 ساعة
7 دقائق قراءة
42 مشاهدة
الشعبوية

الشعبوية

تنتحر المعرفة، عندما تبتلع الشعبوية مختبرات المستقبل، وكأن ألبرت أينشتاين، برسالته إلى الأكاديمية الإيطالية للعلوم، 1933، منذراً ونذيراً: "إن روح الاستقصاء العلمي حرية، وحين تُقيد هذه الحرية لخدمة عقيدة سياسية أو مصلحة حزبية ضيقة، فإن الأمة لا تفقد علماءها فحسب، بل تفقد مستقبلها". 

لطالما قادت الولايات المتحدة العالم، وهي تستند إلى معادلة بسيطة لكنها شديدة الفاعلية، لاسيما في استقلال القرار العلمي عن تقلبات القرار السياسي. فمن المختبرات انطلقت التقنيات، ومن الجامعات خرجت الابتكارات، ومن المنافسة الحرة في البحث العلمي تشكلت إحدى أهم ركائز القوة الأمريكية الناعمة والصلبة على حد سواء. إلا أن التطورات الأخيرة تطرح سؤالاً يتجاوز الخلافات الحزبية إلى جوهر الدولة الحديثة: هل تستطيع دولة ما أن تحافظ على ريادتها العلمية إذا أصبح تمويل المعرفة أكثر ارتباطاً بالأولويات السياسية من معايير الجدارة العلمية؟ 

هذا السؤال لم يعد نظرياً. فقد أثار مقترح حديث صادر عن مكتب الإدارة والميزانية الأمريكي نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية والبحثية، بعدما اقترح إعادة صياغة الإطار التنظيمي للمساعدات الفيدرالية بطريقة يرى منتقدوها أنها تمنح المعينين سياسياً دوراً أكبر في تقرير أولويات التمويل، بدلاً من الاعتماد الحصري على آليات مراجعة النظراء التي شكلت لعقود معياراً لاستقلالية البحث العلمي، وقد دفعت هذه المقترحات آلاف الجامعات والجمعيات العلمية والباحثين إلى تقديم اعتراضات وتعليقات رسمية خلال فترة المشاورات العامة.

معيار الولاء

إن ما تشهده الساحة الأمريكية اليوم ليس مجرد تباين في وجهات النظر حول الميزانيات، بل هو "تجريف ممنهج" لبنية الذكاء الاستراتيجي التي بنيت عليها الهيمنة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. فماذا يحدث عندما تتحول المنح الفيدرالية من أداة لدعم الاكتشاف البشري إلى "هراوة سياسية" لمعاقبة المخالفين؟ 

ففي شتاء عام 1933، كان العالم يراقب بذهول كيف يمكن لأعرق المنظومات الجامعية في أوروبا أن تتآكل من الداخل بمجرد أن قررت السلطة السياسية إخضاع المعرفة لـ "معيار الولاء". واليوم، يعيد التاريخ إنتاج نفسه في واشنطن، ولكن بأدوات بيروقراطية ومالية ناعمة. لم يعد الهجوم على العلم يتم عبر الخطابات الحماسية في الميادين، بل عبر أروقة مكتب الإدارة والميزانية الأمريكي (O.M.B.)، الذي تحول في ظل الإدارة الحالية إلى مقصلة قانونية تُشهر فوق رقاب الصروح الأكاديمية.

ولا تقف المؤشرات عند حدود الجدل القانوني، فقد شهدت الأشهر الماضية تجميداً أو إلغاء عدد كبير من المنح البحثية، بينما تشير تقارير متخصصة إلى انخفاض ملحوظ في عدد المنح الجديدة الصادرة عن المؤسسة الوطنية للعلوم مقارنة بالمعدلات التاريخية، بالتزامن مع إعلان بعض الجامعات المرموقة تقليص برامج الدراسات العليا نتيجة حالة عدم اليقين التمويلية. ويرى باحثون أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤثر في استقطاب الكفاءات العلمية مستقبلاً.

خنق الابتكار بالأدلة الموثقة

إن محاولة البيت الأبيض فرض معايير أيديولوجية على التمويل العلمي، تحت شعار محاربة ما يصفه بـ "أيديولوجيات التنوع المثيرة للانقسام"، قادت إلى أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الهيكلية:

•    1.4 مليار دولار معتقلة: خلال العام الماضي وحده، جمدت الإدارة قرابة 8000 منحة بحثية. ورغم صدور أحكام قضائية فيدرالية واضحة تلزم الإدارة بالإفراج عنها، فإن نحو ثلث هذه المنح (بقيمة 1.4 مليار دولار) لا يزال محتجزاً في أدراج البيروقراطية الشعبوية.

•    الحضيض التاريخي لـ  NSF: المؤسسة الوطنية للعلوم، التي قادت الثورات التكنولوجية الكبرى، باتت اليوم بلا مدير مثبت منذ 15 شهراً، وهي في طريقها لتقديم 1700 منحة فقط هذا العام، وهو أدنى معدل تمويل تسجله المؤسسة منذ أكثر من نصف قرن.

•    نزيف العقول في MIT: عندما يعلن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عن انخفاض أعداد طلاب الدراسات العليا بنسبة 20%، فإننا لا نتحدث عن أزمة مقاعد دراسية، بل عن تجفيف قسري لـ "أنبوب الابتكار" الذي يغذي قطاعات الذكاء الاصطناعي، الهندسة الحيوية، والطاقة النظيفة.

المقارنة الدولية

ولعل المقارنة الدولية تكشف جانباً آخر من الصورة. ففي الوقت الذي تناقش فيه الولايات المتحدة إعادة تنظيم آليات تمويل البحث العلمي، تواصل قوى منافسة، وفي مقدمتها الصين، زيادة استثماراتها في البحث والتطوير، بينما يوسع الاتحاد الأوروبي برامجه المشتركة لدعم الابتكار والتعاون العلمي العابر للحدود. 

ولم يعد التنافس العالمي يدور حول امتلاك المختبرات فقط، بل حول بناء بيئة مؤسسية تمنح العلماء الثقة في استقرار السياسات واستقلالية القرار، وبدلاً من مواجهة الحقيقة بالعلم، اختارت الشعبوية إقالة العلماء وتفكيك المجلس، في سلوك يذكرنا بالأنظمة الشمولية التي تكسر ميزان الحرارة ظناً منها أنها بذلك تعالج الحمى.

الهروب من الحقيقة وتفكيك مجالس الوعي

المفارقة الجيوسياسية الأخطر تجلت في شهر أبريل الماضي، عندما أقال الرئيس فجأة جميع الأعضاء الـ 22 في المجلس الاستشاري العلمي للمؤسسة الوطنية للعلوم. لم يكن القرار إدارياً، بل كان محاولة لحجب الرؤية؛ فالمجلس كان يضع اللمسات الأخيرة على تقرير استراتيجي مرعب يثبت أن الصين قد تجاوزت الولايات المتحدة بالفعل في عدد من المجالات العلمية الحرجة والصناعات الفائقة.

من استقلال المعرفة إلى العزلة العلمية

ثلاث مسارات لتلخيص طبيعة هذا التحول الهيكلي، يكشف الجدول التالي كيف تحولت السياسات الضالة من مرحلة الدعم إلى مرحلة التهديد الوجودي للصروح الأكاديمية:

المحور

الماضي (الاستقرار المؤسسي)

الحاضر (الموجة الشعبوية)

المستقبل المحتمل (الانتحار المعرفي)

مرجعية التمويل البحثي

لجان مراجعة النظراء والخبراء المستقلين.

التعيينات السياسية وأجندة الولاء للبيت الأبيض.

خضوع كامل للمختبرات لأهواء الإدارة المؤقتة.

التعاون العلمي الدولي

شراكات عابرة للحدود (محطة الفضاء الدولية).

حظر استخدام الأموال الفيدرالية مع دول شريكة.

عزلة علمية جزئية وفقدان الريادة في مراقبة الأوبئة والمناخ.

بيئة الجامعات والصروح

جاذبية عالمية واستقطاب لأبرز العقول.

هجوم سياسي وقضائي (استهداف هارفارد و $UCLA$).

هجرة عكسية للأطباء والعلماء نحو أوروبا وآسيا.

عندما تفقد الأمة بوصلتها

إن إصرار مكتب الميزانية على إقرار اللوائح الجديدة قبل الانتخابات النصفية يهدف إلى تحصين هذه الإجراءات ضد أي رقابة تشريعية قادمة. إنهم لا يغيرون قواعد اللعبة، بل يصادرون اللعبة بأكملها. فالخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف الحكومات، فذلك جزء طبيعي من الممارسة الديمقراطية، وإنما في أن تصبح قواعد إنتاج المعرفة نفسها عرضة للتبدل مع كل دورة سياسية. 

فالدول الكبرى لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو قوتها العسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية المؤسسات التي تنتج الحقيقة العلمية بعيداً عن ضغوط اللحظة السياسية. ولهذا فإن النقاش الدائر اليوم داخل الولايات المتحدة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خلافاً حزبياً بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل باعتباره نقاشاً حول أحد أهم مصادر القوة الأمريكية في القرن 21 الثقة في المؤسسات العلمية واستقلالها.

وقفة

الحقيقة لا تباع ولا تُشترى، ولا تتغير بتغير القاطنين في البيت الأبيض. الخوف من العلم هو أولى علامات الهزيمة الحضارية، فعندما يُهان العلم، وتُحاصر الجامعات، وتُتحكم في المختبرات عبر "مزاج المسؤول المناوب"، فإن النتيجة الحتمية ليست هزيمة حزب سياسي، بل هي تراجع حضاري لأمة ظنت يوماً أن تفوقها التكنولوجي قدرٌ لا يزول.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

انتحار العلم سياسيًا.. كيف تقتل الشعبوية مستقبلها؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°