نشر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، في 9 يوليو 2026، دراسة للواء احتياط الدكتور يعقوب بنجو، تناول فيها التداعيات الاستراتيجية لصفقة بيع محركات F110 الأمريكية لتركيا، والمخصصة لتشغيل المقاتلة التركية KAAN. وترى الدراسة أن الصفقة، التي تتجاوز قيمتها 700 مليون دولار، لا تمثل مجرد عقد لتوريد محركات طائرات، بل تشكل خطوة استراتيجية تمهد لعودة أنقرة إلى برنامج المقاتلة الأمريكية الشبح F-35، بعد سنوات من استبعادها بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400.
ويشير الباحث إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تتعامل مع تركيا باعتبارها ركناً أساسياً في بنية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولذلك تسعى إلى إعادة بناء الثقة العسكرية معها، حتى وإن استدعى ذلك تجاوز الاعتراضات القائمة داخل الكونغرس الأمريكي. ومن وجهة النظر الإسرائيلية التي تعكسها الدراسة، فإن هذه السياسة قد تحمل تداعيات واسعة لا تقتصر على العلاقات الأمريكية التركية، بل تمتد إلى ميزان القوى في الشرق الأوسط وأمن منظومة F-35 العالمية.
وتستعرض الدراسة تطور الأزمة بين أنقرة وواشنطن، بدءاً من انضمام تركيا عام 2002 إلى برنامج تطوير F-35 كشريك صناعي، مروراً بقرار الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2017 شراء منظومة S-400 الروسية، ثم استبعاد تركيا رسمياً من البرنامج عام 2019، وفرض عقوبات أمريكية عليها في عام 2020 بموجب قانون CAATSA. إلا أن الباحث يرى أن عامي 2025 و2026 شهدا تحولاً تدريجياً في الموقف الأمريكي، تمثل في مؤشرات على استعداد إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة فتح قنوات التعاون الدفاعي مع أنقرة، وجاءت صفقة محركات F110 لتكون أول اختبار عملي لهذا التوجه.
وتؤكد الدراسة أن محركات F110 وحدها لا تحول مشروع KAAN إلى مقاتلة مكتملة من الجيل الخامس، لكنها تمثل أحد أهم المكونات التقنية اللازمة لإنجاز المشروع، وهو ما يجعل الصفقة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لتركيا. وفي الوقت نفسه، تواصل أنقرة تعزيز قوتها الجوية عبر السعي للحصول على ما يصل إلى 56 مقاتلة Eurofighter Typhoon، مع استمرار تدريب طياريها في قطر، في إطار خطة متكاملة لإعادة بناء سلاح الجو التركي.
وتحذر الدراسة من أن نجاح مشروع KAAN قد يحول تركيا إلى مصدر إقليمي للطائرات المقاتلة الحديثة، مشيرة إلى أن إندونيسيا وقعت بالفعل اتفاقاً بشأن المشروع، بينما تبدي كل من مصر والسعودية اهتماماً بالحصول على الطائرة مستقبلاً. ومن منظور الكاتب، فإن انتشار مقاتلات شبحية تركية في المنطقة سيشكل تحدياً مباشراً للتفوق الجوي الإسرائيلي، ويغير ميزان القوى في الشرق الأوسط.
وتخصص الدراسة مساحة واسعة للحديث عن المخاطر التي ترى أنها قد تنتج عن استمرار امتلاك تركيا لمنظومة S-400 الروسية بالتوازي مع حصولها على تقنيات الجيل الخامس. ويرى الباحث أن تشغيل مقاتلات متقدمة بالقرب من منظومة روسية متطورة قد يسمح – نظرياً – بجمع معلومات دقيقة عن الخصائص الرادارية للطائرة F-35، وهو ما قد يؤدي إلى انتقال هذه البيانات إلى روسيا، وربما لاحقاً إلى الصين، بما يهدد أمن البرنامج الأمريكي بالكامل، وليس فقط التفوق العسكري الإسرائيلي.
كما تعبر الدراسة عن مخاوف إسرائيلية من احتمال حصول تركيا، في حال عودتها إلى برنامج F-35، على إمكانية الوصول إلى شبكات البيانات التكتيكية المشتركة للحلف، إضافة إلى الاطلاع على بعض التقنيات المرتبطة بالصناعات الدفاعية الإسرائيلية المشاركة في إنتاج أجزاء من الطائرة، مثل الأجنحة التي تصنعها الصناعات الجوية الإسرائيلية، وخوذ الطيار المتقدمة التي تنتجها شركة "إلبيت".
وعلى المستوى الجيوسياسي، ترى الدراسة أن تركيا لم تعد تسعى إلى الاندماج الكامل في المنظومة الغربية، وإنما تعمل على ترسيخ نفسها كقوة إقليمية مستقلة تتبع سياسة خارجية أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة، مع توسيع نفوذها في سوريا وشرق المتوسط، وتعزيز حضورها في شمال قبرص، وتطوير علاقاتها مع عدد من القوى الإقليمية، بما في ذلك مصر والسعودية وقطر.
ويخلص الباحث إلى أن جوهر القلق الإسرائيلي لا يرتبط فقط بنقل التكنولوجيا العسكرية إلى تركيا، بل بصعود أنقرة كقوة إقليمية تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وقادرة على إنتاج وتصدير مقاتلات الجيل الخامس، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة. ويرى أن صفقة محركات F110 قد تكون بداية مسار سياسي وعسكري ينتهي بإعادة دمج تركيا في برنامج F-35، الأمر الذي تعتبره الدراسة تحدياً مباشراً للأمن الإسرائيلي وللبنية الأمنية الغربية، خاصة إذا استمرت أنقرة في الاحتفاظ بمنظومة S-400 الروسية.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، دراسة بعنوان: "صفقة محركات F110 ومقاتلات F-35 لتركيا: تداعياتها على ميزان القوى الإقليمي والعالمي"، للواء احتياط د. يعقوب بنجو، 9 يوليو 2026.









