4 يوليو 2026|القاهرة 28 °

في سيدي تيمان... كان النوم هو الحلم الوحيد

ثلاثة أشهر ونصف قضيناها في معتقل سيدي تيمان، لكن الزمن هناك لم يكن يُقاس بالأيام، بل بالساعات الثقيلة التي تلتهم الجسد والروح.

بقلم: د. رامي أبو زبيدة
منذ 23 ساعة
3 دقائق قراءة
7 مشاهدة
ثلاثة أشهر ونصف قضيناها في معتقل سيدي تيمان، لكن الزمن هناك لم يكن يُقاس بالأيام، بل بالساعات الثقيلة التي تلتهم الجسد والروح.

ثلاثة أشهر ونصف قضيناها في معتقل سيدي تيمان، لكن الزمن هناك لم يكن يُقاس بالأيام، بل بالساعات الثقيلة التي تلتهم الجسد والروح.

ثلاثة أشهر ونصف قضيناها في معتقل سيدي تيمان، لكن الزمن هناك لم يكن يُقاس بالأيام، بل بالساعات الثقيلة التي تلتهم الجسد والروح.

كنا مقيدي الأيدي على الدوام، معصوبي الأعين، لا نرى سوى العتمة، ولا نعرف من العالم إلا أصوات السجان وأوامره. كان يفرض علينا وضعية جلوس محددة، لا نملك تغييرها ولو بمقدار سنتيمتر، وكأن الغاية لم تكن الاحتجاز، بل صناعة الألم نفسه.

أكثر من ثماني عشرة ساعة كل يوم نقضيها في تلك الوضعية القاسية. الظهر يصرخ، الرقبة تتيبس، والأطراف تتخدر، بينما يمنع علينا الكلام، وحتى الهمس قد يكون سبباً لعقاب جديد. لا شيء يقطع الصمت سوى صراخ الجنود أو وقع خطواتهم، وكأن المكان خُلق ليقنع الإنسان أن الألم هو الحالة الطبيعية.

وكانت حرارة الصحراء، في ذلك المعتقل القريب من النقب وغلاف غزة، شريكاً دائماً في التعذيب. الهواء نفسه كان يحرق الأنفاس، والخيمة تتحول إلى فرن مغلق، فلا ظل يخفف القيظ، ولا نسمة تمنح الجسد هدنة.

وسط كل ذلك، كنا ننتظر لحظة واحدة فقط... لحظة يسمح لنا فيها بالنوم.

لم نكن نفرح لأننا سننام، بل لأن أجسادنا المنهكة ستتحرر، ولو لساعات قليلة، من عذاب الجلوس الذي استمر يوماً كاملاً. أربع ساعات فقط كانت المسموح بها. أربع ساعات نمد فيها ظهورنا التي أنهكها الألم، قبل أن تبدأ معركة أخرى؛ معركة التفكير، والقلق، والهواجس، والخوف على الأهل، والأسئلة التي لا تجد جواباً.

في هذه الأيام اللاهبة، حين يشتد الحر فنبحث عن ظلٍ أو جرعة ماء أو نسمة هواء، تذكروا أن خلف أسوار السجون رجالًا لا يملكون شيئًا من ذلك. تذكروا أسرى سيدي تيمان، وعوفر، والنقب، ومجدو، وكل سجون الاحتلال؛ حيث تتحول حرارة الصيف إلى أداة تعذيب، وحيث يصبح الاستلقاء حلمًا، والنوم أمنية، والحركة رفاهية محرمة.

لا تجعلوا أخبار الأسرى تمر مرور العابرين. اذكروهم في دعائكم، احكوا قصصهم، وانقلوا معاناتهم، وأبقوا قضيتهم حيّة في ضمائركم. فالأسير لا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى شعب لا ينساه، وإلى ذاكرة لا تخذله، وإلى صوتٍ يبقى حاضرًا حتى يعود حرًا.

أما نحن الذين خرجنا من هناك، فسنواصل رواية الحكاية... لأن خلف كل بابٍ مغلق في سجون الاحتلال، ما زال هناك أسيرٌ ينتظر أن يسمع العالم صوته، وألّا يخذله أهله ووطنه.

د. رامي أبو زبيدة

رامي أبو زبيدة هو باحث ومحلل فلسطيني مختص في الشؤون العسكرية والأمنية، ويُعد من الوجوه البارزة في تحليل الصراعات الميدانية والتكتيكات العسكرية في المنطقة.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

في سيدي تيمان... كان النوم هو الحلم الوحيد - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°