3 يوليو 2026|القاهرة 28 °

المنطقة أمام مفترق طرق: إما شرق عربي إسلامي أو شرق أوسط إسرائيلي

ابتكر الغرب مصطلح "الشرق الأوسط" وعممه تسمية للمنطقة كخطوة ممنهجة لانتزاع المنطقة من سياقها  العربي والإسلامي.

بقلم: ميسرة بحر
منذ 1 يوم
4 دقائق قراءة
22 مشاهدة
المنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق: فإما "شرق إسرائيلي" يبسط نفوذه، أو "شرق عربي إسلامي" يحفظ هويته ومصالحه

المنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق: فإما "شرق إسرائيلي" يبسط نفوذه، أو "شرق عربي إسلامي" يحفظ هويته ومصالحه

ابتكر الغرب مصطلح "الشرق الأوسط" وعممه تسمية للمنطقة كخطوة ممنهجة لانتزاع المنطقة من سياقها  العربي والإسلامي، ويهدف هذا التدويل الجغرافي إلى شرعنة دمج إسرائيل وتطبيع وجودها ككيان طبيعي، باعتبارها الدولة الوحيدة غير الإسلامية في هذا المحيط.

اليوم، يمر العالم بظرف تاريخي استثنائي يشهد بداية التراجع التدريجي للهيمنة الأمريكية المطلقة، والتحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب. 

ويظهر رصد السلوك الدولي استباق القوى العالمية لهذه المرحلة؛ حيث تسعى أوروبا لصياغة سياسات تمنحها استقلالية نسبية عن القرار الأمريكي، في حين تتنافس قوى إقليمية وازنة لملء الفراغ الاستراتيجي، يتجلى ذلك في تصاعد الدور الجيوسياسي لكل من تركيا، ومصر، وباكستان، وإيران التي وجهت ضربات قاصمة للهيمنة الأمريكي بالمنطقة، ويقابل ذلك عنجهية إسرائيل التي تحاول فرض نفسها كمهيمن وحيد في المنطقة.

وتدرك الولايات المتحدة هذه التحولات البنيوية، ورغم احتفاظها بأدوات النفوذ العالمي حتى اللحظة، إلا أنها تعي تماماً أن تفردها بالقمة لن يدوم طويلاً، وبناءً على ذلك تلجأ واشنطن إلى هندسة انتقال تدريجي ونقل جزء من نفوذها الدولي إلى فواعل محليين وإقليميين بطريقة ناعمة، تفادياً لسيناريو الانهيار المفاجئ أو السقوط المدوي. 

يتضح هذا السلوك الأمريكي بوضوح في طريقة تعاطي واشنطن مع طهران؛ فرغم امتلاك أمريكا للقدرات العسكرية التدميرية المتفوقة، إلا أنها تتجنب الذهاب إلى مواجهات مفتوحة أو حروب طويلة، تفادياً لاستنزاف مقدراتها الخارجية، واعترافاً ضمنياً بحدود القوة.

وفي السياق ذاته، يحمل السلوك الدبلوماسي الأمريكي تجاه الصين وزيارة ترامب لها مرتين أثناء الحرب على إيران دلالات عميقة على الاعتراف بالتوازنات الناشئة؛ حيث تبدو واشنطن حريصة على إشراك الصين —الخصم الاستراتيجي الأكبر والمهدد الأول لأحاديتها— في إدارة الأزمات الدولية، وهو إقرار علني بتبدل موازين القوى.

في خضم هذا الفراغ الاستراتيجي المتشكل، تحاول إسرائيل إعادة هندسة المنطقة لفرض هيمنتها المطلقة، وتنصيب نفسها القائد الأوحد للإقليم، ولتحقيق هذه الغاية، ضخ الاحتلال موازنات عسكرية ضخمة، وتحول بنيوياً نحو استراتيجيات هجومية شرسة، مستهدفاً كسر وتقويض أي لاعب إقليمي صاعد يمكن أن يهدد سيادتها.

لقد هدفت إسرائيل من تصعيدها وحربها ضد إيران والتي انجرت لها امريكا خدمة للمصالح الإسرائيلية تقويض نظامها الحاكم وفرض معادلة استسلام عليها، رغبةً في تسويق اسرائيل كقوة عظمى مهيمنة في المنطقة، لتمهيد الطريق نحو ترسيخ "الشرق الأوسط الإسرائيلي".

غير أن الصمود الإيراني، والقدرة على تهديد المصالح الأمريكية، والتحكم بممرات التجارة العالمية، أحدث صدمة استراتيجية أربكت حسابات واشنطن وتل أبيب، مما قطع الطريق أمام ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.

لكن الشراكة الأمريكية الإسرائيلية لن تستسلم بل ستواصل مساعيها لعزل طهران وتحجيم دورها الإقليمي بكافة الأدوات المتاحة، ويأتي الاتفاق مع الحكومة اللبنانية، الذي يتقاطع سلباً مع الاتفاق الإيرانية، كحلقة في سلسلة محاولات الحصار والتطويق.

إن المنطقة اليوم تقف أمام مفترق طرق: فإما "شرق إسرائيلي" يبسط نفوذه، أو "شرق عربي إسلامي" يحفظ هويته ومصالحه، ويتعين على الفواعل الإقليميين إدراك خطورة المشهد؛ إذ لن يتوقف قطار التفتيت الإسرائيلي عند حدود إيران في حال استطاعت اسقاطها، بل سيمتد ليشمل بقية دول المنطقة واحدة تلو الأخرى.

من هنا، يمثل بروز أدوار القوى الإقليمية فرصة تاريخية؛ فصعود تركيا وتفوقها في الصناعات العسكرية يفتح أمامها آفاقاً جيواستراتيجية واسعة، والقدرات الإيرانية المتطورة التي  فاجأت الحسابات الدولية، في حين تلعب باكستان —بثقلها النووي— دوراً وازناً في إدارة الاتفاقيات والتوازنات مع واشنطن، فضلاً عن مساعي مصر لحجز موطأ قدم لها مستندةً إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي.

إن تعاون هذه الدول، ونبذها للخلافات، وتركيزها على المصالح الاستراتيجي المشتركة، ودمج باقي دول المنطقة، كفيل أن يشكل نواة صلبة لتأسيس تحالف إقليمي ينهي التبعية، ويفرض توازناً استراتيجياً يكسر الهيمنة الإسرائيلية المطلقة.

في المحصلة يمر الإقليم بمخاض تاريخي صعب يتزامن مع استعداد العالم لأفول الأحادية الأمريكية وولادة عالم متعدد الأقطاب؛ مما يفرض على دول المنطقة توحيد صفوفها ونبذ خلافاتها البينية لصياغة تحالف استراتيجي تقوده الدول العربية والإسلامية، وإلا فإن الساحة ستكون مهيأة لسيناريو العربدة والغطرسة الإسرائيلية، التي لن يستثني بطشها أحداً.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

ميسرة بحر

كاتب سياسي فلسطيني من غزة - ماجستير دراسات اقليمية ودولية - اركز في دراستي وكتابتي على القضايا المؤثر على القضية الفلسطينية وتحديدا غزة كوني اعيش بها.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير