30 يونيو 2026|القاهرة 28 °

كيف انتحر لبنان على جدار المذكرة الإيرانية الأمريكية؟

لبنان انتحر على الورق. لكن لبنان الحقيقي، لبنان الأرض والناس والمقاومة، سيبقى. لبنان يتفاوض وحيداً، لا لأن العرب منشغلون، بل لأن بعضهم يرى في كسر المقاومة اللبنانية مصلحة قبل أن تراها إسرائيل نفسها.

بقلم: خالد سعيد نزال
منذ 1 يوم
9 دقائق قراءة
14 مشاهدة
لبنان وإسرائيل يوقعان على اتفاق إطاري برعاية أمريكية

لبنان وإسرائيل يوقعان على اتفاق إطاري برعاية أمريكية

ثمة لحظة في حياة الأمم، لا تُوصف بالهزيمة. توصف بشيء أفظع: أن تمسك الأمة بيدها حبل نجاتها، ثم تقطعه بنفسها. أن تضع المسدس على صدغها، بينما الرصاصة في جيب العدو لم تُصبها بعد. هذا، بالضبط، ما فعله لبنان في التاسع والعشرين من يونيو عام 2026، حين وقّع "اتفاق الإطار" مع إسرائيل برعاية أمريكية.

لم يكن الاتفاق انتحاراً بالمعنى المجازي فقط. كان انتحاراً سياسياً موثقاً ببنود. كان إلقاءً للجسد السيادي من شاهقة مذكرة إيرانية – أمريكية كانت ممدودة كجسر للخلاص. لكن أحداً، على الطاولة اللبنانية، اختار ألا يعبر الجسر. اختار أن يقفز.

هذا المقال ليس تشريحاً لجثة اتفاق. إنه إعادة بناء للحظة الانتحار، بنداً بنداً، لنفهم: كيف أمسك لبنان حبل الورقة الإيرانية ثم شنق نفسه به؟ كيف مزّق الضمانة الوحيدة، ووقّع صك الاستسلام؟ كيف تحول الجنوب اللبناني من أرض مقاومة إلى مختبر أمني إسرائيلي، وأهله إلى رهائن "التحقق" و"المناطق التجريبية"؟ وكيف تكاملت الخيانة الداخلية مع الصمت العربي، في مشهد إقليمي يبدأ من غزة ولا ينتهي عند هرمز؟

١. الجدار الذي كان يمكن أن يكون درعاً: المذكرة الإيرانية التي دُفنت

في الأسابيع التي سبقت التوقيع، لم يكن لبنان أعزل. كانت في الأدراج مذكرة تفاهم إيرانية – أمريكية واضحة، وليست سراً من أسرار الدولة. كان جوهرها بسيطاً ومزلزلاً: انسحاب إسرائيلي شامل وكامل من كل الأراضي اللبنانية حتى حدود فلسطين المحتلة، كخطوة أولى تسبق أي نقاش في أي بند آخر. لا "مناطق نموذجية". لا "اختبارات للجيش". لا "ربط بسلاح المقاومة". انسحاب أولاً. ثم يتفاوض الجميع.

هذه المذكرة لم تكن هدية إيرانية للبنان. كانت ثمناً دفعته معادلات الردع الإقليمية. كانت واشنطن تريد تفاهماً نووياً مع طهران. وكانت طهران تريد اختباراً للنوايا. فصار لبنان هو المفتاح. صار الاختبار. صارت المذكرة هي الجدار الذي كان يمكن أن يستند إليه ظهر لبنان في مواجهة العاصفة.

لكن ما حدث على طاولة واشنطن هو أن المفاوض اللبناني لم يستند إلى الجدار. لم يضعه على الطاولة. لم يلوّح به. بل صعد إليه، وألقى بنفسه منه. وقبل بوثيقة هي النقيض الكامل للمذكرة. فشل مسار الانسحاب في لبنان يعني أن إيران فقدت اختبار الثقة مع واشنطن. وهذا يعيد تلقائياً كل ملفات المنطقة إلى المربع الأول: هرمز، اليمن، العراق. لبنان لم ينتحر وحده. لبنان فجّر المنطقة كلها معه.

٢. البند الأول من الانتحار: الاعتراف بالقاتل كجار "مسالم"

"تؤكد إسرائيل ولبنان حق كل دولة في الوجود بسلام... وتعلنان عزمهما على إنهاء حالة الحرب بينهما."

في قفزة أولى نحو الهاوية، وقّع لبنان على اعتراف صريح بـ"حق إسرائيل في الوجود بسلام". هذا ليس تطبيعاً اقتصادياً يمكن فكه. هذا اعتراف قانوني بقتل فكرة أن إسرائيل محتل. النص لا يذكر كلمة "احتلال". لا يذكر "عدواناً". يضع لبنان وإسرائيل على قدم المساواة: "دولتان سياديتان متجاورتان". هكذا ببساطة، يُسقط لبنان نفسه من قائمة الدول الرافضة، ويوقع على إنهاء حالة الحرب التي تبرر وجود المقاومة أصلاً.

هذه لم تكن خطوة تفاوضية. كانت أول طعنة في خاصرة المذكرة الإيرانية، التي جعلت من إنهاء الاحتلال شرطاً لأي حديث، لا العكس.

٣. القفزة القاتلة: نزع السلاح أولاً، والانسحاب لاحقاً

"يقوم بموجبها الجيش اللبناني باستعادة سيادته الفعلية... ريثما يتم التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية... مما يُمكّن الجيش الإسرائيلي من إعادة الانتشار تدريجياً."

هنا، في هذا البند، سُمع صوت الارتطام. المذكرة الإيرانية قالت: انسحاب شامل أولاً، ثم تفاوض. الوثيقة الموقعة تقول: نزع سلاح لبناني أولاً، ثم تحقق إسرائيلي، ثم انتشار تدريجي، ثم ربما انسحاب. الانتحار ليس في قبول الشروط. الانتحار هو أن لبنان كان يملك الورقة التي تجعل الانسحاب أولاً، فألقى بها.

٤. غزة والجنوب: جبهة واحدة تُسلّم، وجبهة تُقاوم

ما يُرسم للجنوب اللبناني اليوم هو ما يُرسم لغزة: أرض تُفرغ من أهلها، أو أهل يُتركون تحت وصاية أمنية إسرائيلية دائمة، تحت مسميات "مناطق آمنة" و"مناطق تجريبية". الفرق الوحيد أن غزة تقاتل، وتدفع ثمناً باهظاً من الدم، بينما جنوب لبنان يُسلّم على طاولة مفاوضات يديرها "أصدقاء" لبنان.

هذا هو "فصل الساحات" في أبشع صوره. لم يُرَد للجنوب أن يبقى مرتبطاً بغزة، لأن بقاءه في المعركة يعني بقاء لبنان في قلب المحور. أرادوا لبنان مفصولاً. منعزلاً. محايداً. حتى لو كان ثمن الحياد جنوباً محتلاً تحت مسمى "حرية الحركة".

٥. مهزلة "المناطق التجريبية": تسليم ما لم يُحتل

"سيتولى الجيش اللبناني تدريجياً المسؤولية الأمنية... في مناطق تجريبية... وقد اتفق الجيش الإسرائيلي والجيش اللبناني مبدئياً على منطقتين."

الفضيحة هنا لا تُحتمل. إسرائيل تقول في الاتفاق إنها "ستنسحب" من منطقتين. لكن الجيش اللبناني نفسه يؤكد أن إسرائيل لم تدخلهما أصلاً. الاتفاق يُسمي هذا "مناطق تجريبية". هذا هو الانتحار بالمجان: أن تمنح عدوك حق اختبارك في أرض لم يغتصبها بعد.

٦. التعهد الأحادي: من يكتب حكم إعدامه بيده؟

"ستعمل حكومة لبنان على تحقيق نزع السلاح الكامل والموثق لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية... في أي مكان في لبنان."

هذا ليس تفاوضاً. هذا إملاء. لبنان يتعهد كتابياً بنزع سلاح حزب الله "في أي مكان في لبنان". لا يُذكر مقابل هذا التعهد سوى "إعادة انتشار تدريجية" مشروطة. إسرائيل تقدم وعوداً فضفاضة، بينما لبنان يقدم سلاحه الاستراتيجي الوحيد.

٧. تجريم المقاومة بقلم لبناني

"ترفض الحكومة اللبنانية ادعاءات أي دولة أو جهة... وتؤكد أن أي ادعاء بممارسة دور عسكري أو أمني يُعد غير قانوني ومخالفاً للمصالح الوطنية."

هنا، يكتب لبنان بيده النص الذي ستحتج به إسرائيل في المحافل الدولية. أي عمل مقاوم مستقبلي سيُصنف "غير قانوني" بحسب تعهد لبنان نفسه. لبنان يجرّم مقاومته. يمنح إسرائيل غطاءً قانونياً لضرب أي محاولة لاستعادة ما تبقى من سيادة.

٨. العرب: تواطؤ الصمت... وخيانة الغياب

في كل هذه البنود، أين العرب؟

العرب الذين تمنطقوا بحزام العروبة حين كانت القضية الفلسطينية مربحة سياسياً، غابوا عن المشهد إلا من تغريدة خجولة أو بيان لا يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها. 

لبنان يتفاوض وحيداً، لا لأن العرب منشغلون، بل لأن بعضهم يرى في كسر المقاومة اللبنانية مصلحة قبل أن تراها إسرائيل نفسها. يريدون لبنان مفصولاً. يريدون النموذج المقاوم مكسوراً. يريدون أن يقولوا لإيران إن رهانها على حلفاء المقاومة خاسر. صمتهم ليس حياداً. صمتهم مشاركة في الانتحار.

٩. "حق الدفاع عن النفس" لإسرائيل وحدها

"لا شيء في هذا الإطار يمنعهما من ممارسة حقهما الأصيل في الدفاع عن النفس... مع التأكيد على أنه لا يجوز لأي طرف ثالث ممارسة هذا الحق."

إسرائيل تحتفظ بحق الاجتياح متى شاءت. وحزب الله يُمنع من أي دفاع. النتيجة: انسحاب بلا ضمانات، واحتلال دائم مقنع.

١٠. المال مقابل السيادة: الرشوة المكشوفة

"أي مساعدة أمريكية جديدة ستكون مشروطة بصرامة بتحقيق مراحل محددة... وتلتزم الحكومة اللبنانية بمنع وصول أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلحة."

المال مقابل نزع السلاح. إعادة الإعمار مشروطة بتجريد المقاومة. هذا ليس دعماً. هذه رشوة لشراء الوطن من الجياع.

الخاتمة: 17 أيار يعود... و"لبنان الصغير" هو الثمن

في عام 1983، وقّع الرئيس أمين الجميل اتفاق 17 أيار. كان اتفاقاً أعطى المحتل شرعية الوجود في بيروت والجنوب. لكنه وُقّع في زمن كانت فيه المقاومة حرة. لم تكن البنود قد نزعت سلاحها بعد. وهكذا، حين توالت ضربات المقاومة، ألقي الاتفاق في مزابل التاريخ.

اليوم، يعود 17 أيار. لكنه يعود أخطر. في 1983، وقّع الجميل اتفاقاً والمقاومة خارج النص، فأسقطته. أما في 2026، فيُوقّع اتفاق الإطار والمقاومة هي الهدف. يُراد له أن يكون مقصلة داخلية تنهي كل قدرة لبنانية على المقاومة أو حتى الحلم باستعادة الأرض دون إذن إسرائيلي.

وهنا يطل السؤال: لماذا؟ لماذا انتحر لبنان على جدار المذكرة الإيرانية؟

لأن المسوّغ ليس وطنياً. المسوّغ طائفي – فئوي، متجذر في إيديولوجيا "لبنان الصغير". تلك الإيديولوجيا التي لم تتصالح يوماً مع فكرة لبنان المتعدد الطوائف والمقاوم والصعب المراس. التي ترى في الجنوب الشيعي، المرتبط بقضايا الأمة ومحور المقاومة، «عبئاً» على استقرارها وامتيازاتها. التي تحلم بوطن صغير، هادئ، سهل القيادة، منفصل عن محيطه، بلا مقاومة ولا معادلات ردع.

هذه الإيديولوجيا، التي تتبناها أحزاب وتيارات مسيحية نافذة، وجدت في هذا الاتفاق فرصتها الذهبية. إنه يحقق لها ما عجزت عنه في الحرب الأهلية: سلخ الجنوب عن لبنان، ليس بتقسيم الجغرافيا، بل بتقسيم السيادة. تسليم الجنوب للوصاية الأمنية الإسرائيلية، ليكون ثمن "الاستقرار" و"الحياد" في الداخل. هنا، في هذا المسوّغ المدفون تحت خطاب "الدولة"، تكمن الطعنة الحقيقية.

لكن، التاريخ لا يكرر نفسه إلا ساخراً. في 1983، ظن الموقعون أن الحبر يكفي لقتل الإرادة. فإذا بالمقاومة تنبت من تحت الأنقاض وتلقيهم في الهامش. واليوم، يظنون أن نزع السلاح أولاً سيضمن ألا يبقى من ينتفض. لكنهم نسوا أن من يملك الأرض والسلاح والإرادة لم يوقّع. ومن وقّع لا يملك إلا حبر الانتحار.

لبنان انتحر على الورق. لكن لبنان الحقيقي، لبنان الأرض والناس والمقاومة، سيبقى. سيبقى كالنقش على جدار المذكرة التي مزقوها، ينتظر لحظة البعث. فالانتحار الرسمي ليس خاتمة القصة. هو فقط الفصل الذي سيُقرأ في كتب التاريخ، قبل الفصل الذي سيكتبه من لم يوقعوا.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

خالد سعيد نزال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير