بدايةً، لا بد من توجيه تحية إجلال وإكبار لكل مواطن في غزة عانى ويلات الحرب، وذاق مرارة الجوع، وتجرع ألم فراق الأحباب، وعاش مآسي وأهوال النزوح. هذا الشعب العظيم يستحق أن يُبذل من أجله الغالي والنفيس، وأن يكون التخفيف من معاناته ومساندته بواقعية هو القبلة والبوصلة الأساسية لكل سياسي فلسطيني.
ومما لا يختلف عليه اثنان، أن صوت المواطن في غزة النابع من قلب الوجع هو الصوت الأعلى الذي لا يعلو فوقه صوت، لكن الخطورة تكمن عندما نجد مجموعة من العملاء الذين يعملون تحت إمرة الاحتلال، بدون خجل أو مواربة، يدعون لمظاهرات داخل القطاع، وحين تجد الصفحات التابعة للاحتلال تساند هذه الدعوات؛ فهنا تظهر خطة ونية واضحة ومعلنة للاحتلال وأتباعه لاستغلال هذه التحركات لخدمة أهدافه السياسية والعسكرية.
هنا أنا لا أتهم كل من دعم هذه المظاهرات بالعمالة أو الخيانة، فلا شك أن هناك صوتاً حقيقياً لبعض المظلومين والمقهورين، ولكن في هذا السياق يجب توجيه تحذير جاد؛ فالاحتلال سيحاول جاهداً استغلال وجع الناس—الذين قد يخرج جزء منهم— لتمرير أهدافه الخبيثة، المتمثلة في زعزعة استقرار غزة الأبية، ومحاولة خلق حالة من الاقتتال الداخلي والانفلات الأمني.
إن واجب المرحلة الأوحد هو توحيد الصفوف وتعزيز تماسك المجتمع، خاصة وأن كل فئات المجتمع يقع عليهم نفس الظلم من الاحتلال، ويشمل ذلك قيادات غزة فهم أكثر من قدم التضحيات في هذه الحرب، وحتى القيادة الموجودة في الخارج قد قدمت تضحيات جساماً، إما باستهدافهم وأبنائهم في الخارج، أو استهداف عائلاتهم في غزة وهدم بيوتهم وممتلكاتهم، وبناءً على ذلك، يصبح توحيد الصوت والجهد ضد الاحتلال فرضاً وواجباً وطنياً ومجتمعياً.
إن هذه الحرب، رغم قسوتها، قد خلقت شعباً يملك وعياً عالياً جداً وصلابة لا مثيل لها، فالضغط يصنع الرجال، وفي ذات الوقت يغربل الفساد؛ فرغم ظهور بعض الميليشيات العميلة التي تشكلت من مجموعات من الساقطين، إلا أن كل من يعيش في غزة يلحظ جلياً وبوضوح لفظ المجتمع التام وتصديه لها.










