26 يونيو 2026|القاهرة 28 °

هاوية الصمت: البيت الأبيض وكارثة الذكرى 250

على كارثة الذكرى 250 الأمريكية تحتدم الهموم الشعبية مع ساكني البيت الأبيض، فحينما تُقاد الإمبراطوريات بالنزوات الشخصية، يندثر منطق الدولة وتستيقظ حبارير الفوضى لتجر العالم إلى الهاوية.

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 5 ساعة
7 دقائق قراءة
65 مشاهدة
البيت الأبيض

البيت الأبيض

على كارثة الذكرى 250 الأمريكية تحتدم الهموم الشعبية مع ساكني البيت الأبيض، فحينما تُقاد الإمبراطوريات بالنزوات الشخصية، وتتحول غرف العمليات الإستراتيجية إلى مسارح للمقايضات العبثية، يندثر منطق الدولة وتستيقظ حبارير الفوضى لتجر العالم إلى الهاوية. 

فمن يقرأ المقال التحليلي المعمق لكتاب "تغيير النظام" (Regime Change) للزميلين الصحفيين المرموقين ماجي هابرمان وجوناثان سوان، يدرك أننا لسنا أمام مجرد توثيق صحفي عابر، بل نحن أمام تشريح سيكولوجي وبنيوي لـ "كارثة متوقعة" تعصف بالبيت الأبيض، في وقت تقترب فيه الولايات المتحدة الأمريكية ببطء وكآبة من ذكراها (250) يعيد الكاتبان إحياء الجدل المنهجي القديم حول طبيعة العمل الصحفي. 

ففي عام 1996 انتقدت جوان ديديون بحدة أساليب بوب وودوارد وكتاباته واصفة إياها بـ "الإباحية السياسية" لغياب النشاط الدماغي القابل للقياس فيها، متجاهلة أنه وصاحبه كارل برنشتاين هما من كشفا آثار فضيحة ووترغيت وأسقطا رئاسة ريتشارد نيكسون قبل سن الثلاثين. فالصحافة هي المسودة الأولى للتاريخ، والبحث العلمي الرصين يتغذى عليها ويسير بعقارب أخرى كأبحاث روبرت كارو عن ليندون جونسون قبل نصف قرن.

رجل الثقة هو رجل اللؤم

إن ماجي هابرمان، التي بدأت مسيرتها في صحافة نيويورك الصفراء وانتقلت لصحيفة التايمز عام 2015، تتبعت دونالد ترامب منذ أن كان رجل عقارات يسعى لجذب الانتباه، لتؤكد في كتابها الأول "رجل الثقة" (2022) ثبات شخصيته النرجسية القائمة على "الكذبة السريعة"، "تحول اللوم"، "انفجار الغضب"، وإساءة معاملة الموالين، و"رفض الخجل".  

إن هذا التردي الممتد يمثل قمة الحبارير المظلمة التي تحكم عقلية رجل لطالما عكست ردود فعله نزعة ديكتاتورية عشوائية؛ ففي عام 1990 أشاد عبر مجلة "بلاي بوي" بالقادة الصينيين الذين قمعوا متظاهري ميدان تيانانمن بقوة وحشية، وهو ذاته الشخص الذي سأل رئيس هيئة الأركان المشتركة مارك ميلي بعد ثلاثين عاماً عن إمكانية مواجهة المتظاهرين في الشوارع بالقوة وإطلاق النار عليهم في أرجلهم!

أولاً: عبث غرف العمليات (درس منسي)

تتجلى ذروة العشوائية والخراب في الفضيحة الإستراتيجية الكبرى التي كشفها الكتاب، والتي جرت قبل أربعة أشهر فقط من صيف 2026 في غرفة العمليات بالبيت الأبيض؛ حين أقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترامب بالانضمام إلى مغامرة كارثية لإسقاط النظام الإيراني وإنهاء طموحاته النووية قبل أن تتاح له فرصة إغلاق مضيق هرمز.

هنا تبرز المتضادات الاحترافية الصادمة بين تقدير المؤسسات السيادية وعشوائية القرار الفردي:

•    موقف المؤسسات: وصف وزير الخارجية خطة نتنياهو بأنها هراء، واعتبرها مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) خطة مضحكة وسخيفة.
•    موقف الرئاسة: رد ترامب ببساطة وعشوائية مطلقة: "يبدو ذلك جيداً بالنسبة لي"، لينضم الجميع صاغرين خلف هذا القرار.

إن هذا التماهي مع الخيارات المدمّرة ليس إلا حبارى شؤم تنذر بتفجير الممرات المائية والأمن الإقليمي، حيث يتحول هذا الاندفاع إلى حبور زائف يبطن السوء والدمار، متجاهلاً حسابات الردع الحازم وموازين القوى الدولية، ومستدعياً ذات الأخطاء الحسابية والتقديرية القاتلة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وتسببت في جر العالم نحو الهاوية.

ثانياً: النرجسية الشوفينية وموت ستالين

يغوص الكتاب في تبيان التناقضات السلوكية بأسلوب صارم؛ فنحن أمام رئيس ترشح لانتخابات 2024 لسبب واحد فوق كل شيء: "البقاء خارج السجن "بعد ملاحقته بلوائح اتهام وعزل وإدانات جنائية، ليعود إلى السلطة بعقلية ثأرية ملخصها: "كنت أنا المطارد، والآن أنا الصياد".

لتتحول أجواء البيت الأبيض إلى ما يشبه الكرملين في فيلم "موت ستالين" عام 2017، حيث يستمتع المستبد بإذلال الجميع، لا سيما مليارديرات التقنية مثل جيف بيزوس ومارك زوكربيرغ وأمثالهم ممن يقتلوننا ببطىء.

"المؤرخ" المزعوم حامل حقائب الجولف:

يزهو ترامب مدعياً أن مؤرخاً أخبره بأنه أقوى بكثير من جنكيز خان، والإسكندر الأكبر، وجوزيف ستالين، في مفارقة مضحكة مبكية تبرز أبعاد مرضه النرجسي، ليكتشف المؤلفان أن هذا "المؤرخ" المزعوم ما هو إلا حامل حقائب الجولف للاعب غاري بلاير! وتكتمل فصول السوء والبلادة السيكولوجية حين يسمع أثناء محاكمته في نيويورك بقضية "أموال الصمت" أن رجلاً مضطرباً نفسياً أشعل النار في نفسه في حديقة قريبة، فيتساءل: "هل تعتقد أنه فعل ذلك من أجلي؟ لنقل للناس إنه فعل ذلك من أجلي". 

أصدقائي هم دائماً يتركونني:

ولنرى هذا الحبور المخادع والمديح المصطنع الذي كانت تمده به مساعدته ناتالي هارب وهي تلاحقه طوال اليوم بإعلانات متوهجة ورسائل معجبة، ينقشع أمام حقيقة عزلته الكئيبة وسلوكه المقزز؛ فرجل جمع له إيلون ماسك نحو 300 مليون دولار لدعم حملته، ينتهي به المطاف وحيداً يقضي ليله غاضباً على منصة "تروث سوشيال"، بينما يتصل بماسك مرتين فلا يجد سوى البريد الصوتي ليصرخ بمرارة: "هم دائماً يتركونني... لهذا لا أستطيع أن يكون لدي أصدقاء".  

وتكتمل المفارقة حين تفيض سلة مهملاته بأكياس رقائق البطاطس الفارغة وعلب الآيس كريم، ويتلوث ماء المسبح العاكس في العاصمة ليتحول إلى اللون الأخضر المليء بالطحالب، لأن "رجل المسبح" الخاص بترامب نال عقد تجديده عبر "عقد مباشر بدون مزايدة"، في إشارة صارخة للفساد المالي الطائش وتدمير وكالات عريقة لا تقدر بثمن مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) إذ تؤكد الشواهد أن تلك الحبارى المسمومة من الفساد قادرة على طمس معالم الدولة المؤسسية وتحويلها إلى بلاط منحط.

ثالثاً: الاستيقاظ العربي هل نتعلم الدرس؟

أمام هذا المشهد الأمريكي العبثي السحيق، يثور تساؤل جوهري ومصيري يناسب الطرح الإستراتيجي لصحيفة الجزيرة السعودية: هل يتعلم العرب من هذه الدروس التاريخية والتحولات العاصفة في مواقف القوة العظمى؟ وهل يمكن لشرقنا الأوسط أن يستيقظ من سباته الإستراتيجي بريادة قطبيه الراسخين؛ السعودية ومصر؟

فقراءة المُتغيرات الدولية والدروس المنسية للحرب العالمية الثانية تؤكد أن الرهان على تقلبات المزاج السياسي في واشنطن ونزوات قادتها هو رهان خاسر وبداية طريق السوء؛ فالأمن القومي العربي وحماية منطقة الخليج العربي وممراتها المائية الحيوية لا يمكن رهنها بانتظار رئيس يرى غرف العمليات مجرد مساحة لصفقات شخصية أو اندفاعات غير مدروسة تجاه ملفات بالغة الحساسية كالنظام الإيراني. ومن هنا، يبرز وعي عربي متجدد يقوده التنسيق الإستراتيجي المشترك بين الرياض والقاهرة؛ حيث تمثل السعودية بثقلها الاقتصادي والإستراتيجي والروحي، ومصر بعمقها العسكري والبشري والتاريخي، حائط الصد المنيع وأساس الردع المؤسسي القادر على قطع الطريق أمام أي مغامرات عشوائية قادمة من وراء البحار، أو أطماع إقليمية توسعية.

إن الاستيقاظ العربي الحقيقي يتطلب مغادرة مربع الارتهان لتقلبات الإدارات الغربية والانتقال إلى ريادة الفعل السيادي؛ وبناء تحالفات متوازنة قوامها المصالح المشتركة والاعتماد على الذات، وهو الكفيل بتطهير المنطقة من ذلك الحبور الخادع والوعود الواهية التي تضر أكثر مما تنفع، مؤكداً أن استقرار الشرق الأوسط يُصنع في عواصمه القيادية برؤى سيادية ثابته ترفض الفوضى وتحجم السلوك العشوائي.

وقفة:

إذا كانت السياسة الدولية المعاصرة تترنح تحت وطأة النرجسية والعشوائية، فإن يقظة الأمم وريادتها المؤسسية السيادية الراسخة هي الحصن الوحيد الذي يمنع سقوط العالم في هاوية الخراب المطبق. فكتاب "تغيير النظام" يتجاوز كونه عملاً صحفياً ليصبح وثيقة تاريخية تحذر من خطورة انهيار العمل المؤسسي لصالح النزوات الفردية. إن صفحاته تطوى ونحن نتطلع إلى عصر انتقال وتجديد ديمقراطي ومؤسسي ينهي حقبة ترامب الكئيبة، لأن التاريخ يعلمنا أن العشوائية في مواجهة التحديات الكبرى لا تثمر إلا دماراً شاملاً.. ولعلنا نصحوا؟!

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير