25 يونيو 2026|القاهرة 28 °

في ذكرى ميلادك يا فراس… ما زلتَ الحاضر الغائب

ما جعل فراس كبيرًا في عيون الناس لم يكن علمه ومكانته الأكاديمية فقط، بل إنسانيته العميقة التي رافقته في كل مراحل حياته. فقد آمن أن الطب رسالة رحمة قبل أن يكون مهنة

بقلم: أخبار ومتابعات
منذ 4 ساعة
4 دقائق قراءة
34 مشاهدة
د. فراس أبو عيشة

د. فراس أبو عيشة

بين الفقد والخلود: فراس لا يغيب

يأتي يوم ميلادك كل عام، فيطرق باب قلبي كما كان يفعل منذ أن أبصرتَ النور لأول مرة. غير أنه اليوم يأتي مثقلًا بالشوق والحنين، محمّلًا بأسئلة لا يجيب عنها إلا الله. يأتي وأنا أفتقد صوتك وابتسامتك وخطواتك، وأستعيد تفاصيل رحلة كانت بالنسبة لي أعظم هدية وهبني الله إياها.

كنتَ أول من طرق باب الفرح إلى قلبي، وأول من علّمني كيف يكبر الحلم أمام عينيّ عامًا بعد عام. رأيتك طفلًا يحمل بين ضلوعه عزيمة لا تشبه سواها، وشابًا يسبق الزمن نحو النجاح، وإنسانًا يتسع قلبه للجميع دون استثناء.

كنت أترقب يوم ميلادك لأحتفل بعام جديد من الإنجاز والتفوق. بدأت مسيرتك العلمية بخطى ثابتة، وتدرجت في دراستك بإصرار لافت، حتى تخرجت بتفوق مشهود، ثم واصلت طريقك في الطب حتى أصبحت طبيبًا يُشار إليه بالبنان، وأستاذًا وبروفيسورًا في الطب، ورئيسًا لقسم التخدير والعناية الحثيثة في مستشفى الأردن. يومها شعرت أن الله أكرمني بكريم الخصال وعظيم الأثر، وأنني أرتدي تاج فخر لا يزول لأنني أمك.

لكن ما جعل فراس كبيرًا في عيون الناس لم يكن علمه ومكانته الأكاديمية فقط، بل إنسانيته العميقة التي رافقته في كل مراحل حياته. فقد آمن أن الطب رسالة رحمة قبل أن يكون مهنة، وأن قيمة العلم تكتمل عندما تُسخّر لخدمة الإنسان.

ولعل من أجمل صفحات عطائه تلك التي كتبها في فلسطين، التي كانت تسكن قلبه كما يسكنها أهلها. فعلى مدى سنوات طويلة، كان يحرص كل عام على القدوم إلى فلسطين ضمن وفود طبية تطوعية تضم أطباء من مختلف أنحاء العالم، يجمعهم هدف واحد هو التخفيف من آلام المرضى وإجراء العمليات الجراحية للمحتاجين، وخاصة الأطفال والفقراء الذين كانوا ينتظرون فرصة للعلاج.

كان يترك عمله ومسؤولياته الكثيرة ليشارك في هذه الرسالة الإنسانية النبيلة، مؤمنًا بأن الطبيب لا تحدّه حدود، وأن الواجب الإنساني يسمو فوق كل اعتبار. لم يكن يقدم علاجًا فحسب، بل كان يمنح الأمل والطمأنينة، ويزرع البسمة في وجوه المرضى وعائلاتهم. وكان يشجع الأطباء الشباب على الانخراط في العمل التطوعي، ويؤكد دائمًا أن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو الخير الذي يقدمه للناس.

لقد شهد له زملاؤه بحسن الخلق والتواضع والإخلاص، وشهد له مرضاه بالرحمة والاهتمام، وشهد له كل من عرفه بأنه كان إنسانًا يحمل قلبًا كبيرًا يتسع للجميع. ولذلك لم يكن تأثيره محصورًا في غرف العمليات أو قاعات المحاضرات، بل امتد إلى حياة كثيرين لمسوا منه الخير والمحبة والدعم.

182223ff-9780-4294-8514-8636234f8dcb


 

ثم جاءت تلك الأيام العصيبة التي اجتاح فيها وباء كورونا العالم، وخطف منا أحبة كثيرين. ولم أكن أتصور أن تمتد يد الفقد إلى قطعة من روحي. رحلت يا فراس إثر إصابتك بهذا الوباء، لكنك لم تغب. غاب الجسد وبقي الحضور، وبقيت في الدعوات التي لا تنقطع، وفي الذكريات التي لا تشيخ، وفي المحبة التي غرستها في القلوب فأنبتت وفاءً لا ينتهي.

في ذكرى ميلادك، لا أكتب لأرثيك، فأمثالك تعجز الكلمات عن رثائهم، بل أكتب لأقول إن الأثر الجميل لا يموت، وإن الإنسان الحقيقي يبقى حيًا بما قدّم من علم، وما زرع من محبة، وما خلّف من سيرة طيبة، وما نشره من قيم العطاء والتطوع والإنسانية.

ما زلت أراك في كل زاوية من حياتي، وأسمع صدى صوتك في تفاصيل الأيام. وما زلت أدعو الله كما أفعل منذ رحيلك: اللهم اغفر له وارحمه، واجعل ما قدّم من علم وخير وعطاء في ميزان حسناته، وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله، واجمعنا به في جنات النعيم.

كل عام وذكراك في القلب حياة، وكل عام وأنت أقرب إلى رحمة الله ورضوانه.

رحمك الله يا فراس… يا ابني، ويا فخري، ويا وجع القلب الذي لا يزول، ويا سيرةً جميلة ستبقى حيّة في قلوب كل من عرفك وأحبك.

بقلم: الحاجّة ابتسام دياب العويوي أبو عيشة
أم الدكتور فراس عيسى أبو عيشة

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال