24 يونيو 2026|القاهرة 28 °

نهاية الكبرياء.. أوروبا المريضة ووهمّ بريكست وعجزّ الساسة

أوروبا المريضة ووهمّ بريكست وعجزّ الساسة البريطانيين والاتحاد الأوربي العجوز، نادمين على عشر سنوات أعادت رسم خرائط النفوذ الأوروبي، لتنتصر الشعبوية

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 4 يوم
10 دقائق قراءة
28 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: نهاية الكبرياء.. أوروبا المريضة ووهمّ بريكست وعجزّ الساسة

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: نهاية الكبرياء.. أوروبا المريضة ووهمّ بريكست وعجزّ الساسة

أوروبا المريضة ووهمّ بريكست وعجزّ الساسة البريطانيين والاتحاد الأوربي العجوز، نادمين على عشر سنوات أعادت رسم خرائط النفوذ الأوروبي، لتنتصر الشعبوية وتخسر بريطانيا في نهاية لحبارى الكبرياء التي قال عنها ونستون تشرشل: "إن الإمبراطوريات المستقبلية هي إمبراطوريات العقل، وأولئك الذين يظنون أنهم يستطيعون العيش بمفردهم في عالم متشابك المصالح، كمن يحاول حبس الرياح بأسوار من الأوهام والوعود الزائفة." 

فقبل عشر سنوات، لم يكن التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مجرد قرار اقتصادي أو إداري يتعلق بتنظيم التجارة والحدود والهجرة، بل كان لحظة تاريخية محملة بشحنة عاطفية وسياسية هائلة، لنشاهد تسويق علني ل "بريكست" باعتباره استعادة للسيادة المفقودة، وحرية من البيروقراطية الأوروبية، وبوابة نحو عصر الازدهار والاستقلال الاستراتيجي، لكنه وقف أمام أكبر قاض ألا وهو الزمن الذي لا يرحم، وهو أكثر القضاة صرامة وعدلاً، ليُعلن أن كثيراً من تلك الوعود لم تكن سوى بناء سياسي هش اصطدم بجدار الحقائق الاقتصادية والجيوسياسية.

مهندسو الشعبوية:

المتأمل في كواليس المشهد البريطاني يدرك أن "بريكست" لم يكن حدثاً منفصلاً عن السياق الدولي الذي سبق ظهوره، فقد خرج العالم من الأزمة المالية العالمية عام 2008 مثقلاً بالغضب والإحباط وتآكل الثقة بالمؤسسات التقليدية. فلو كان "بريكست" نجاحاً تاريخياً كما ادعى مهندسوه، لكانت الساحة البريطانية تضج بخطب النصر والإنجازات. لكن ما نراه هو صمت ثقيل، ومبررات متكررة، ومحاولات لإلقاء المسؤولية على أطراف أخرى. مما يعنى أنها شهادة سياسية للفشل لا تحتاج إلى تفسير طويل، فملايين المواطنين في الغرب شعروا بأنهم خسروا نصيبهم من العولمة، وأن النخب السياسية والاقتصادية لم تعد تعبّر عن مصالحهم. في تلك البيئة المضطربة ازدهرت الشعبوية، ووجدت الخطابات المبسطة طريقها إلى الجماهير، على يد شخصيات مثل (بوريس جونسون ونايجل فاراج ومايكل غوف)، وهم الثلاثي الذين نجحوا في تحويل التعقيدات البنيوية للاقتصاد العالمي إلى سردية بسيطة: المشكلة في بروكسل، والحل في الخروج. جرى تصوير الاتحاد الأوروبي كقيد على الإرادة الوطنية، بينما قُدمت العزلة باعتبارها استعادة للقوة.

وهمّ التاريخ وانهيار الأُممّ:

لا تُدار العلاقات الدولية بالشعارات، بل بموازين القوة والمصالح والموارد، فالدول في القرن 21 لا تزداد نفوذاً كلما قلّت شراكاتها، بل كلما توسعت شبكات تأثيرها الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية، لذا بدت فرضية الانفصال عن أكبر سوق مجاورة لبريطانيا وكأنها محاولة للسير عكس اتجاه التاريخ، والتاريخ يقول كلمته، أن الأُممّ لا تنهار عادة بسبب أعدائها الخارجيين، بل عندما تقع أسيرة أوهامها الذاتية.

لقد بُني الاتحاد الأوروبي أصلاً على أنقاض قرون من الحروب الأوروبية التي بلغت ذروتها في الحرب العالمية الثانية، حيثُ أدرك جيل ما بعد الحرب أن القومية المُنفلتة والتنافس الصفري بين الدول الأوروبية قادا القارة إلى الكارثة. لذلك جاءت فكرة التكامل الأوروبي باعتبارها مشروع سلام قبل أن تكون مشروع تجارة، وفد عبّر عنها تشرشل حين تحدث عن "نحن" الأوروبية، لا "هم" الأوروبية، وكان يقصد تجاوز منطق الانقسام للمصلحة، وإدارة الخلافات عبر المؤسسات والقانون لا عبر الصراع، وهنا تكمن المفارقة الصارخة؛ فبينما سعى الجيل الذي عاش ويلات الحرب إلى بناء الجسور، جاء جيل من المغامرين السياسيين ليبيع الشعبوية للناس في فكرة أن بناء الجدران سيجعلهم أكثر أمناً وثراءً.

الشريك المؤثر والمراقب الضائع:

إن الأرقام تكشف الخيانات بأي خطاب سياسي. فوزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد ميليباند وصف "بريكست" بأنه عمل تخريبي يكلف الاقتصاد البريطاني ما يصل إلى 30 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وكأنها ضريبة مستمرة تُستنزف من قدرة البلاد التنافسية، لا مجرد قضية لرقم مالي ضخم، بل ما يمثله من فرص ضائعة واستثمارات مؤجلة ونمو اقتصادي أقل مما كان يمكن تحقيقه، وهو ما فعله الخروج فبنى أكثر حواجز جديدة بين الشركات البريطانية وأكبر أسواقها الطبيعية، بل وأضعف قدرة الدولة على التأثير في صياغة القواعد التنظيمية الأوروبية التي ستظل تؤثر على الاقتصاد البريطاني بحكم الجغرافيا والاعتماد المتبادل، لكن الأسوأ انتقال بريطانيا من موقع الشريك المؤثر داخل غرفة القرار الأوروبي إلى موقع المراقب المُنتظر لما يُتخذ من قرارات تمس مصالحه بشكل مباشر، متناسين أن السياسة في جوهرها إدارة للموارد من أجل إنتاج النفوذ، وهذه قاعدة ثابتة في العلاقات الدولية. لذلك لا يمكن فهم أزمة "بريكست" باعتبارها مشكلة تجارية فقط، بل باعتبارها مسألة استراتيجية تمس مكانة بريطانيا العالمية.

الانعزال القومي والسقوط البريكسي:

يزداد المشهد وضوحاً عند النظر إلى التحولات الجيوسياسية الكبرى الجارية حالياً، فالعالم يتجه نحو التكتلات العملاقة، سواء في التجارة أو التكنولوجيا أو الأمن أو الطاقة، حيثُ لم تعُد المنافسة بين دول منفردة بقدر ما أصبحت بين منظومات متكاملة، وكمثال: فالولايات المتحدة تقود شبكة واسعة من التحالفات، والصين تبني فضاءها الاقتصادي المُتنامي، والاتحاد الأوروبي يعزز استقلاليته الاستراتيجية تدريجياً، وهُنا تبدو فكرة الانعزال القومي كحبارير أشبه بمحاولة الإبحار بقارب صغير وسط محيط تعبره حاملات الطائرات.

لا نرى البُعد الاستراتيجي الثلاثي إلا من خلال التحليل البنيوي لمسار بريطانيا مع البريكست ونقرأه عبر ثلاثة أبعاد زمنية جيوسياسية متكاملة:

المحور

الماضي
تحت مظلة الاتحاد الأوروبي

الحاضر
مأزق ما بعد العزلة

المستقبل
الآفاق الجيوسياسية الحتمية

التجارة والاندماج الاقتصادي

وصول مباشر ومجاني إلى سوق تضم ٤٤٧ مليون مستهلك، مع انعدام الرسوم الجمركية والبيروقراطية الحدودية.

٤٥٪ من الصادرات البريطانية تتجه نحو الاتحاد.

جدران جمركية وتدقيق حدودي مكلف. تراجع الصادرات وارتفاع تكاليف الاستيراد على المستهلك.

اتفاقيات تجارية بديلة تُعوّض أقل من نصف الخسارة.

مباحثات مُتعثّرة لإعادة رسم علاقة "حرب التجارة" مع الاتحاد.

النموذج النرويجي مطروح، لكنه يعني الالتزام بالقواعد الأوروبية دون التصويت عليها.

الكلفة الاقتصادية السنوية

إسهام صافٍ لصالح بريطانيا: كل جنيه دُفع لبروكسل عاد بضعفه عبر الاستثمارات، والصناديق الإقليمية، والقدرة التفاوضية المشتركة.

تكلفة بريكست تُقدَّر بأكثر من ٣٠ مليار جنيه سنوياً (وفق ميليباند).

نمو اقتصادي أبطأ من نظيراته الأوروبية. الجنيه الإسترليني فقد جزءاً من ثقله الدولي.

التكلفة التراكمية ستتجاوز تريليون جنيه خلال عقدين، ما لم تُنجز إعادة تكامل هيكلية.

السيناريو الأسوأ: الركود التضخمي مع تصاعد الديون العامة.

التماسك الداخلي للمملكة

إطار مشترك للتجارة والهوية خفّف التوترات الدستورية بين لندن وادنبره وبلفاست.

أيرلندا الشمالية مستقرة بفضل اتفاقية الجمعة العظيمة المُعزَّزة أوروبياً.

اسكتلندا تجدد المطالبة بالاستقلال. بروتوكول ويندسور يجعل أيرلندا الشمالية عملياً أقرب للسوق الأوروبية من لندن. ضغوط دستورية غير مسبوقة.

احتمالية انفصال اسكتلندا آخذة في الارتفاع.

إعادة توحيد أيرلندا قد تُصبح أجندة سياسية جدية.

"المملكة المتحدة" قد تعني دولة مختلفة الشكل بحلول ٢٠٣٥.

لندن مركزاً مالياً عالمياً

لندن بوابة حتمية لرأس المال الراغب في دخول أوروبا.

الاتحاد الأوروبي يمنح مؤسساتها "جواز السفر المالي" للعمل عبر ٢٧ دولة بحرية تامة.

جي بي مورغان يوسّع مكاتبه في باريس. غولدمان ساكس تُعزز فرانكفورت. أمستردام تجتذب عقود المشتقات المالية. فقدان جواز السفر المالي يُعيد رسم خريطة الثقل المصرفي.

لندن ستظل مركزاً مالياً لكنها لن تسترد دورها الحتمي.

المنافسة مع سنغافورة ودبي على رأس المال الآسيوي قد تُعوّض جزئياً الخسارة الأوروبية.

حرية التنقل والكفاءات

حرية تنقل غير مقيّدة لـ٥٠٠ مليون مواطن أوروبي.

البريطانيون يعملون ويدرسون ويعيشون في أوروبا بحرية.

تدفق مستمر للكفاءات إلى القطاع الصحي والبناء والتكنولوجيا.

هيئة الصحة الوطنية تعاني شُح الممرضين والأطباء الأوروبيين.

قطاع الضيافة يرزح تحت أزمة عمالة حادة. نزيف الكفاءات البريطانية نحو أوروبا ماضٍ دون عودة.

نمذجة هجرة انتقائية قائمة على النقاط قد تجلب كفاءات دولية، لكنها لن تُعوّض القرب الجغرافي والثقافي الأوروبي. الاحتكاك البيروقراطي سيبقى تكلفة دائمة.

النفوذ الجيوسياسي العالمي

بريطانيا تجمع بين ثقل الاتحاد الأوروبي التفاوضي وعضوية دائمة في مجلس الأمن وعلاقتها الخاصة مع واشنطن. قوة ناعمة استثنائية عبر توليفة فريدة.

فقدان الوزن التفاوضي الأوروبي الجماعي. العلاقة مع واشنطن تخضع لمزاجية الإدارات المتعاقبة. استراتيجية "بريطانيا العالمية" بقيت إطاراً خطابياً أكثر منها نفوذاً فعلياً.

إعادة تموضع ضرورية نحو شراكات إندو-باسيفيكية.

التحالفات العسكرية (أوكوس، ناتو) تبقى ركيزة.

لكن السؤال: هل يمكن لجزيرة أن تُشكّل محوراً دون قارة تُسنده؟

المصادر التحليلية: ديفيد ميليباند، مركز الإصلاح، معهد الدراسات المالية (IFS)، الأرشيف البرلماني البريطاني.

كيف ستعيد بريطانيا علاقتها بأوروبا؟ 

المشهد الشعبي بدوره شهد تحولاً لافتاً، فالمكاسب الموعودة لم تظهر بالشكل الذي جرى الترويج له، فما سُمّي آنذاك "مشروع الخوف" تحول إلى ما يمكن وصفه بـ"مشروع الواقع"، والتحذيرات التي سخر منها أنصار الخروج أصبحت اليوم جزءاً من النقاش العام السائد، والاتهامات التي وُجهت للخبراء بالتهويل عادت لتطارد أصحابها بعدما أثبتت الوقائع أن الاقتصاد لا يستجيب للرغبات الأيديولوجية بقدر ما يخضع لقوانين المصالح والتكامل والأسواق. ولأن التاريخ لا يتحرك في خطوط مستقيمة، فإن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت بريطانيا ستعود إلى الصيغة السابقة ذاتها أم لا، بل كيف ستعيد تعريف علاقتها بأوروبا خلال العقود القادمة. فالجغرافيا لا يمكن التصويت ضدها، والمصالح الاقتصادية لا تُلغى بالخطابات السياسية، وحقائق القوة لا تتبدل بمجرد تغيير الشعارات الانتخابية.

إن التحدي الحقيقي أمام بريطانيا لم يعد إثبات صحة "بريكست"، بل البحث عن صيغة واقعية تعيد ربط الاقتصاد البريطاني بأكبر فضائه الطبيعي دون الوقوع في أسر الحسابات الحزبية الضيقة. فالدول محدودة الموارد، مهما بلغ تاريخها وإرثها الإمبراطوري، تحتاج إلى شركاء كبار كي تحافظ على قدرتها التنافسية في عالم تتعاظم فيه الكتل العملاقة، ولهذا فإن الذكرى العاشرة لـ"بريكست" لا تبدو احتفالاً بإنجاز سياسي، بل مراجعة تاريخية قاسية لواحد من أكثر القرارات تأثيراً في تاريخ بريطانيا الحديث. إنها لحظة تذكّر بأن الشعبوية تستطيع أن تفوز بالاستفتاءات، لكنها لا تستطيع تغيير قوانين الاقتصاد أو الجغرافيا أو موازين القوة.

وقفة: "الحقائق أقوى من أي خطاب"، وهو ما عناه المستشار الألماني الأسبق أوتو فون بسمارك، فبعد عقد كامل من "بريكست"، تبدو الحقائق أكثر حضوراً من الشعارات، وتبدو الأرقام أكثر بقاءً من الأيديولوجيات، ويبدو التاريخ مرة أخرى وكأنه يهمس للبشرية بأن الأمم تتقدم حين تفهم مصالحها الحقيقية، لا حين تنجرف خلف أوهام اللحظة.

 

 

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال