يكره الجميع مجرمي الأرض وينالوا منهم في أقرب فرص، لأيادِ ملطخة بالدماء وأجساد شرايينها شياطين علاقات سامة، لينكشف المستور الجيوسياسي لحبارى العلاقات السامة (الأمريكية الإسرائيلية)، لنرى وصفاً صريحاً لهانس مورغنثاو منظّر المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية عند مناظرته لنا: "تماهي مصالح دولة عُظمى متكبرة مع مصالح حليف أصغر حجماً وأكثر تهوراً، لا يقود فقط إلى فقدان المبادرة الإستراتيجية، بل يجر الدولة العظمى إلى معارك لم تخترها، دفاعاً عن بقاء سياسي لا يخدم أمنها القومي."
زلزال 17 يونيو وخيبة القوة
لم يكن يوم 17 يونيو2026 مجرد تاريخ عادي في روزنامة الصراعات الشرق أوسطية؛ بل كان لحظة "انكشاف جيوسياسي" كبرى وضعت حداً لغطرسة القوة الصلبة، ودشنت مرحلة جديدة من توازنات الردع الإستراتيجي في المنطقة. إن توقيع اتفاق انتهاء الحرب في هذا اليوم، وما سبقه وتلاه من كواليس سياسية عاصفة، قد كشف عن تصدعات عميقة في بنية التحالف "العضوي" بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، معلناً بطريقة غير مباشرة عن فشل الحملة العسكرية الإستراتيجية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحلفائها الإقليميين بعد مواجهة دامت عدة أشهر وتداخلت فيها الحسابات الدولية بالتعقيدات الإقليمية.
وهُنا نُفكك أبعاد هذا التحول الإستراتيجي، ونقرأ بلغة هادئة ورصينة -تجمع بين عمق التفكيك الأكاديمي وجاذبية التناول الصحفي الرصين- تداعيات هذه المحطة المفصلية على موازين القوى الإقليمية، وتأثيرها على صورة واشنطن وتل أبيب دولياً، مع استشراف السيناريوهات المستقبلية لمنطقة يعاد رسم جغرافيتها السياسية على وقع الصمود والندّية.
أولاً: الانفجار الداخلي "كفى كفى"
لطالما اعتُبر التحالف الأمريكي الإسرائيلي نموذجاً فريداً في العلاقات الدولية، حيث يتجاوز مفهوم التحالفات البراغماتية المؤقتة إلى مستوى "العلاقة العضوية" المستندة إلى مشتركات أيديولوجية وإستراتيجية عميقة. غير أن مخرجات الحرب الأخيرة أظهرت تباعداً بنيوياً غير مسبوق في الأولويات بين واشنطن وتل أبيب، تجلى بوضوح في المكالمتين الهاتفيتين الأخيرتين اللتين جرتا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبيل إقرار الاتفاق.
إن نبرة التوبيخ والتحذير العنيفة التي وجهها ترامب، وتصريحات نائب الرئيس جيه دي فانس التي حملت اتهامات صريحة لنتنياهو بارتكاب خطايا إستراتيجية كارثية، تكشف عن حقيقة أن التناقض بين الطرفين وصل إلى مرحلة "الانفجار الداخلي". لم يعد الخلاف تكتيكياً حول كيفية إدارة الصراع، بل تحول إلى صدام مصيري حول سؤال مركزي: من يخدم من؟ وهل تُسخّر المصالح الإستراتيجية العليا للولايات المتحدة لخدمة البقاء السياسي لنتنياهو؟
لقد لخص فانس هذا المأزق بلغة الأرقام الصادمة حين أكد أن ثلثي (2/3) السلاح الذي قاتل به الكيان الصهيوني غُطي مباشرة من أموال الضرائب التي يدفعها المواطن الأمريكي، وهو ما يعزز مقولة "الانكشاف والتبعية المطلقة" لإسرائيل، ويقوض في الوقت نفسه سردية "الاعتماد الذاتي" التي تروج لها تل أبيب. وبكلمة ترامب الحازمة لنتنياهو: "كفى كفى"، أُسدل الستار على حقبة الشيك الأمريكي المفتوح، وبدأ التفكير في كلفة الاستنزاف الأخلاقي والمادي لقوة واشنطن الناعمة والصلبة على حد سواء.
ثانياً: "البقاء الشخصي" والمصلحة الإستراتيجية
لتفسير إصرار نتنياهو على توسيع رقعة الحرب والدفع باتجاه مواجهة مباشرة ومفتوحة مع إيران وجنوب لبنان، لا بد من اللجوء إلى أدوات التحليل النفسي السياسي. فالشواهد تشير إلى أن الحرب بالنسبة لنتنياهو لم تكن وسيلة لتحقيق أهداف جيوسياسية للدولة، بل أصبحت "هدفاً بحد ذاته" ودرعاً واقياً يحميه من مصير مأساوي ينتظره في أروقة المحاكم الإسرائيلية بتهم الفساد، وخوفاً من المثول أمام لجان التحقيق الرسمية التي ستنبش خطايا الإخفاق الإستراتيجي الكارثي الذي رافق عملية طوفان الأقصى واستمر طوال ما يقارب ثلاث (3) سنوات من النزيف المستمر في غزة.
من هنا، يمكن فهم ترويج نتنياهو والموساد لتقديرات مضللة أقنعت إدارة ترامب في البداية بدخول غمار الحرب؛ حيث بنيت تلك التقديرات على فرضية واهية مفادها أن النظام الإيراني سيسقط خلال "الأسبوع الأول" من توجيه الضربات المركزة والاغتيالات الواسعة. لقد تبين لاحقاً أن هذا التقدير يفتقر إلى الرصانة الإستراتيجية وتجاهل تماماً كيمياء التماسك الداخلي الإيراني في لحظات التهديد الوجودي.
ثالثاً: انكسار "الأسبوع الأول" وصدمة لا مُتناظرة
جاءت النتائج الميدانية والسياسية لتثبت عقم التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية. فعوضاً عن انهيار النظام الإسلامي في طهران عقب الضربات الجوية العنيفة واغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، حدث العكس تماماً. لقد أدى هذا الاستهداف الوجودي لرمزية الدولة إلى توحيد الجبهة الداخلية الإيرانية خلف القيادة السياسية والعسكرية، وتلاشت الخلافات البينية أمام معركة الكرامة والسيادة الوطنية.
لقد أثبت النظام الإيراني طوال أربعة (4) أشهر من القتال الشرس، والتحركات الدبلوماسية المعقدة، قدرة فائقة على إدارة الصراع وفق مبدأ "الردع المرن والندّية الإستراتيجية". لم تنجح القوة العسكرية المشتركة (الأمريكية-الإسرائيلية) في كسر إرادة طهران، بل تحولت الحرب إلى مستنقع استنزاف مكلف عجزت فيه التكنولوجيا المتطورة عن حسم المعركة ضد جغرافيا واسعة، وعقيدة قتالية صلبة، وشبكة تحالفات إقليمية عابرة للحدود تمارس الحرب اللامتناظرة بكفاءة عالية.
رابعاً: الاقتصاد السياسي للحرب وعزلة واشنطن
لا يمكن قراءة التراجع الأمريكي والقبول بالاتفاق بمعزل عن "الاقتصاد السياسي للحروب" . فقد أدى التصعيد العسكري إلى أزمة اقتصادية عالمية حادة، لا سيما بعد نجاح إيران في تفعيل سلاح الجغرافيا والتحكم بالممرات المائية الحرجة وإغلاق مضيق هرمز. هذا الإغلاق أدى إلى شلل جزئي في حركة ناقلات النفط وسلاسل الإمداد الدولية، ورفع أسعار الطاقة إلى مستويات هددت الاستقرار الاقتصادي في الدول الغربية، وهو ما لم تكن تتحمله إدارة ترامب المقبلة على استحقاقات داخلية معقدة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تُرجمت هذه المغامرة غير المحسوبة إلى "عزلة دولية" خانقة للولايات المتحدة، تمثلت في:
- تصدع العلاقات الأمريكية الأوروبية، حيث رفضت العواصم الأوروبية الكبرى الانجرار وراء رغبة نتنياهو التدميرية.
- اتخاذ غالبية الدول العربية والإسلامية ودول الجنوب العالمي مواقف حازمة ضد الحرب.
- تنامي الرفض الشعبي العالمي للسياسات الإسرائيلية، مما أدى إلى تدهور غير مسبوق في سمعة الكيان الصهيوني، ووصول الأمر إلى حد مقاطعة حاملي جوازات السفر الإسرائيلية في العديد من الدول والمرافق الحيوية في أوروبا.
أما على الصعيد الداخلي الأمريكي، فقد دفع ترامب ضريبة سياسية باهظة لتبنيه الرواية الإسرائيلية؛ إذ اعتبرت غالبية الشعب الأمريكي أن هذه الحرب لا تخدم مصالح واشنطن، بل هي حرب بالوكالة لحماية نتنياهو. وانعكس ذلك في تراجع دراماتيكي لشعبية ترامب لتصل إلى مستوى تاريخي غير مسبوق بقيمة %36، مصحوباً بتبدل راديكالي في وعي الشباب الأمريكي (بين سن 17 و 30 عاماً، بما في ذلك الشباب اليهود)، حيث عبرت استطلاعات الرأي عن نسب تأييد للحقوق الفلسطينية وإدانة لجرائم الحرب الإسرائيلية تراوحت بين %60 و %70 .
خامساً: توازنات الربح والخسارة وانعكاساتها
لمقاربة المشهد الإسترايجي بدقة أكاديمية، يوضح الجدول التالي موازين الخسائر والمكاسب الجيوسياسية للأطراف المعنية بعد توقيع اتفاق 17 يونيو/حزيران 2026:
|
الطرف الفاعل |
مكاسب تكتيكية / مؤقتة |
خسائر إستراتيجية وبنيوية |
أثر ذلك على الردع والهيبة |
|
الولايات المتحدة |
- الحفاظ على أمن إسرائيل المباشر عبر اتفاق تسوية. |
- تراجع حاد في القوة الناعمة والصدقية الأخلاقية. - انهيار شعبية الرئيس ترامب داخلياً إلى %36 - عزلة دبلوماسية وخلافات مع الحلفاء الأوروبيين. |
- تراجع الهيبة الاستراتيجية الأمريكية. |
|
إسرائيل |
- اغتيالات وتدمير بنى تحتية في جبهات متعددة. |
- تآكل "الجدار الحديدي" ونظرية الأمن القومي. - خسائر اقتصادية وعزلة شعبية دولية غير مسبوقة. - تعمق التناقضات والشرخ الداخلي في الكيان. |
|
|
إيران ومحورها |
- صمود النظام وتأكيد ندّيته للقوة العظمى. |
- خسائر بشرية ومادية واغتيال القيادات العليا والرمزية (مثل المرشد الأعلى). |
- تعزيز الهيبة الاستراتيجية وتكريس إيران كقوة إقليمية مهيمنة لا يمكن تجاوزها. - إثبات فاعلية إستراتيجية "الدفاع المتقدم". |
سادساً: لغز الكواليس وماذا وعد ترامب نتنياهو؟
أثار القبول الإسرائيلي المفاجئ باتفاق السبت عشر من يونيو تساؤلات ملحة حول المقابل الذي تلقته تل أبيب من واشنطن للتنازل عن سقف أهدافها المرتفع (تفكيك البرنامج النووي، وتغيير النظام الإيراني، وإنهاء محور المقاومة).
من المرجح، استناداً إلى المنطق التحليلي، أن ترامب قدّم لنتنياهو حزمة من "الوعود والضمانات التعويضية" خلف الأبواب المغلقة للنزول عن شجرة التصعيد، وتشمل هذه الوعود:
- تأمين المخرج السياسي والشخصي: توفير مظلة حماية أمريكية تضمن عدم ملاحقة نتنياهو دولياً، ومحاولة هندسة خروج آمن له من المشهد السياسي الداخلي دون دخول السجن.
- اتفاقات دفاعية معززة: إبرام اتفاقية أمنية ثنائية غير مسبوقة تضمن تدفقاً دائماً للسلاح النوعي والتكنولوجيا الدفاعية دون قيود من الكونغرس.
- مشاريع الدمج الإقليمي: الوعد بإحياء مسار "اتفاقات أبراهام" والمشاريع الجيواقتصادية المرتبطة بممرات الطاقة والملاحة بمجرد استقرار غبار المعركة، مع تقديم حوافز مالية ضخمة لإعادة الإعمار في غزة ولبنان تحت إشراف قوى إقليمية ودولية تضمن تحييد عناصر المقاومة تدريجياً عبر أدوات "القوة الناعمة".
- شكل جديد من إدارة الصراع المائي: مناقشة الترتيبات المرتبطة بحركة الطاقة العالمية في مضيق هرمز وباب المندب لضمان عدم تكرار سلاح الإغلاق، ربما عبر تفعيل مقترحات السيناتور ليندسي غراهام بفرض رسوم أو ترتيبات حماية دولية بديلة.
سابعاً: سيناريوهات شرق أوسط ما بعد الاتفاق
بناءً على معطيات التوازن الراهن، تبرز أمامنا ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحكم مستقبل المنطقة:
السيناريو الأول: الهدنة المؤقتة وإعادة التموضع (السيناريو الأكثر ترجيحاً)
يفترض هذا السيناريو أن اتفاق 17 يونيو/حزيران 2026 ليس نهاية المطاف، بل هو "محطة التقاط أنفاس" وإعادة تموضع إستراتيجي لكلا الطرفين. ستستغل إسرائيل هذه الفترة لترميم اقتصادها المنهك وإعادة بناء ترسانتها العسكرية المعطوبة، بينما ستسعى واشنطن لمعالجة أزماتها الداخلية وخفض أسعار النفط والتفرغ للملف الصيني-الروسي، مع بقاء مسببات الصراع قائمة بانتظار تبدل الظروف الدولية للعودة للضغوط بأساليب أخرى.
السيناريو الثاني: الصيرورة نحو التسوية الإقليمية الكبرى (احتمالية متوسطة)
يفترض هذا السيناريو نجاح القوى الدولية والإقليمية في البناء على هذا الاتفاق للانتقال من حالة "إدارة الصراع" إلى "حل الصراع". ويتطلب ذلك مساراً ملزماً لحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية، ودمج إيران في البنية الأمنية للمنطقة مقابل تجميد طموحاتها النووية العسكرية وتثبيت استقرار أسواق الطاقة بصفة دائمة.
السيناريو الثالث: الانهيار والعودة للمواجهة الشاملة (احتمالية ضعيفة على المدى القصير)
يقوم على فرضية إقدام تيار اليمين الفاشي في إسرائيل أو بعض الأطراف المتضررة من الاتفاق على تنفيذ عملية اغتيال أو ضربة تخريبية كبرى تنسف الاتفاق وتعيد الأمور إلى نقطة الصفر، مما يجر المنطقة سريعاً نحو مواجهة إقليمية شاملة تمتد شرارتها لتشمل منابع النفط ومضائق الملاحة الدولية.
وقفة: "إن الحروب تبدأ عندما تريدها، ولكنها لا تنتهي عندما تشاء؛ فالقائد الحكيم هو من يعرف حدود قوته، ولا يخلط بين أمن دولته الإستراتيجي وبين رغباته الشخصية في البقاء، لأن التاريخ لا يرحم من يسيء تقدير خصومه. فلقد مال ميزان القوى بوضوح لغير مصلحة الحسابات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة. ولعل صمود إيران وإدارتها الذكية والندية للمعركة، قتالاً وتفاوضاً، قد كشفا عقم الرهان على سحق الشعوب أو تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية الخارقة. لقد انتهى عهد التفرد بالقرار الإقليمي، وبات أمن الشرق الأوسط يستدعي معادلة واقعية تعترف بموازين القوى الجديدة التي أفرزتها ميادين القتال وصناديق الاقتراع ووعي الشعوب.










