20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: عُمان ونظرية الرجل المجنون

في الجيوسياسية المعاصرة، هناك مقولة شهيرة تلخص مشهد العلاقات الدولية المُعقد: "لا توجد صداقات دائمة أو عداوات دائمة، بل توجد مصالح دائمـة"؛ لكن في عقيدة دونالد ترامب السياسية الشعبوية، يبدو أن هذه القاعدة استُبدلت بشعار آخر: "إما الإذعان الكامل أو حافة الهاوية".

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
٢٨ مايو ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
67 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: عُمان ونظرية الرجل المجنون

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: عُمان ونظرية الرجل المجنون

في الجيوسياسية المعاصرة، هناك مقولة شهيرة تلخص مشهد العلاقات الدولية المُعقد: "لا توجد صداقات دائمة أو عداوات دائمة، بل توجد مصالح دائمـة"؛ لكن في عقيدة دونالد ترامب السياسية الشعبوية، يبدو أن هذه القاعدة استُبدلت بشعار آخر: "إما الإذعان الكامل أو حافة الهاوية".

فكل تهديد يصنع توازناً جديداً، وكل استعراض قوة يفتح أبواب الفوضى. بهذه القاعدة يمكن قراءة السلوك السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تحوّل خلال ولايتيه الرئاسيتين إلى نموذجًا دراماتيكياً غير مسبوق في توظيف "سياسة الصدمة" والضغط العسكري والاقتصادي والنفسي ضد الخصوم والحلفاء على حد سواء. فبينما صوّر ترامب نفسه كحمامة سلام تسعى لإنهاء الحروب اللانهائية، كشف الواقع عن قائمة مذهلة من الدول التي طالها تهديده أو ضرباته العسكرية. وجاء التهديد الصادم والأخير بعد أن عاد يجر خيباته من زيارة الصين التي استقبلت بوتن عكسه تمامً، واليوم يتحول لتهديد سلطنة عُمان بـ "نسفها" ليمثل ذروة هذه النزعة العدائية التي تعتمد على "نظرية الرجل المجنون" لإجبار الخصوم والحلفاء على السواء على الخضوع لدوائرهم وصراعاتها.

أولاً- تحت المقصلة:

منذ أن سكن البيت الأبيض، وقد تبنّى ترامب ما يُعرف في أدبيات الأمن الدولي بـ"نظرية الرجل المجنون"، وهي استراتيجية تقوم على إظهار الرئيس الأمريكي قائداً غير متوقع، مُستعداً للذهاب إلى أقصى درجات التصعيد من أجل فرض إرادته السياسية كحبور الموت. وبالأرقام تحول إلى إستراتيجية شاملة طالت  15 دولة على الأقل (أي دولة من بين كل 13 دولة في العالم)، موزعة على أربع قارات، شملت 5  دول في الشرق الأوسط وحده، وشكّلت تلك الدول ما يقارب شخصاً واحداً من كل 11 شخصاً على سطح الأرض، وفق تقديرات تحليلية غربية، إذ تنوعت أدوات التهديد بين التصريحات العدائية، والعقوبات الاقتصادية، والاغتيالات السياسية، والغارات الجوية، والحصار البحري، وصولاً إلى حبارير التهديد الصريح بـ"نسف" دول ذات سيادة، كما حدث مؤخراً مع سلطنة عُمان في واحدة من أخطر التصريحات التي فجّرت غضباً عربياً واسعاً، ويمكن تصنيفها وزمنها كالتالي:

إيران: امتدت بين الولايتين الأولى والثانية (مستمرة حتى عام 2026)، بغارات جوية، حصار بحري، وتهديدات بتدمير البنية التحتية.

العراق: استهداف جماعات مسلحة وفصائل داخل الأراضي العراقية، بغارات جوية عسكرية مباشرة واستغلال الأجواء.

سوريا: نُفذت في الولاية الأولى وتجددت في الأشهر الأولى للولاية الثانية، بغارات جوية وضربات صاروخية منسقة.

اليمن: مستمرة تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات الملاحية، بغارات جوية وعمليات قصف مركّز.

الصومال: ضربات مستمرة استهدفت معاقل حركة الشباب، بغارات جوية بطائرات دون طيار.

نيجيريا: عمليات عسكرية دقيقة نُفذت لإنقاذ رهائن وتصفية جماعات متطرفة، بغارات جوية وعمليات كوماندوز نوعية.

فنزويلا: تصعيد غير مسبوق واجتياح عسكري جزئي خلال الولاية الثانية، بغارات جوية وتلويح بالغزو العسكري المباشر.

سلطنة عُمان: مايو 2026 (الولاية الثانية - إثر أزمة مضيق هرمز)، تهديد لفظي صريح وعسكري بالتدمير والنسف.

كوبا: الولاية الثانية (مع تصريحات ترامب بأنها ستسقط قريباً جداً)، تهديد بالاجتياح العسكري والتصفية السياسية.

المكسيك: امتدت عبر الولايتين الأولى والثانية (أزمة الحدود والتدخل ضد الكارتيلات)، تهديد لفظي، عقوبات، وتلويح باستخدام القوة العملياتية.

كندا: الولاية الثانية (تلويح بضم أراضٍ أو فرض السيادة الحمائية)، تهديد اقتصادي وضغوط سيادية (أهداف إمبراطورية).

كولومبيا: الولاية الثانية (مرتبط بملفات الأمن والمخدرات في القارة اللاتينية)، تهديد لفظي ورفض استبعاد الخيار العسكري.

بنما: الولاية الثانية (تركيز على إعادة فرض النفوذ فوق قناة بنما)، تهديد مباشر بالسيطرة العسكرية.

غرينلاند: تابعة للدنمارك (سُجلت المحاولات في الولايتين الأولى والثانية)، ضغوط سياسية وتهديد بالاستيلاء بالقوة الناعمة/الخشنة.

كوريا الشمالية: الولاية الرئاسية الأولى قبل التحول الدبلوماسي المؤقت، تهديد لفظي عنيف ("النار والغضب").

ثانياً- العمليات العسكرية السبع:

لم يكتفِ ترامب بالوعيد اللفظي، ضد سلطنة عُمان، بعد تداول تقارير عن تفاهمات غير رسمية تتعلق بإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز بالتنسيق مع إيران. مُعلنًا بلهجة صادمة أن على مسقط "أن تحسن التصرف وإلا فسيتعين علينا نسفهم"، بل وشنت إدارته غارات جوية وعمليات عسكرية مباشرة على 7 دول رئيسية وهي: (إيران، العراق، نيجيريا، الصومال، سوريا، فنزويلا، واليمن)، ولم تقتصر العمليات على البر، بل امتدت إلى البحار عبر إطلاق حرب شعواء ضد ما يُزعم أنها قوارب لتهريب المخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ؛ أسفرت وحدها عن تدمير وإغراق ما يقرب من 60 سفينة وقاربًا، ومقتل أكثر من 190 شخصاً.. ولعل تهديده لمسقط تهديدًا مباشرً لدول الخليج والشرق، إذ عُرفت مسقط تاريخياً بسياساتها المتوازنة وأدوارها الوسيطة في تهدئة الصراعات الإقليمية.

تأثير هذه العمليات على الاستقرار الإقليمي والدولي كان كارثياً:

  1. تقويض السيادة الوطنية: تسببت الضربات في خلق بيئة دولية هشّة لا تحترم القانون الدولي.
  2. عسكرة الممرات المائية: تحولت البحار والمضائق من شرايين للتجارة الدولية لساحات حرب مفتوحة، رفعت تكاليف التأمين والشحن عالمياً.
  3. تغذية الإرهاب: بدلاً من القضاء على التنظيمات المتطرفة، أدت العشوائية العسكرية لإضعاف الحكومات، وخلق فراغاً أمنياً استغلته جماعات العنف.

ثالثاً- إلا عُمان:

سياسياً، تعكس تهديدات ترامب لعُمان تحوّلاً خطيراً في طبيعة الخطاب الأمريكي تجاه الحلفاء التقليديين في منطقة الخليج، فسلطنة عُمان لعبت أدوار الوساطة بين واشنطن وطهران، وأسهمت في تمرير تفاهمات استراتيجية عديدة خلال العقدين الماضيين، لكن أسلوب عشوائية تصريحات ترامب الحبورة صدمة للدبلوماسية الخليجية، حين قال علناً إن على عُمان أن "تحسن التصرف" وإلا "فسيتعين علينا نسفهم"، رداً على تقارير التلفزيون الإيراني حول مسودة "تفاهم إسلام آباد" بوساطة باكستانية، والتي تنص على إدارة مشتركة بين مسقط وطهران لحركة السفن في مضيق هرمز لإنهاء الحرب وإعادة عبور السفن لمستويات ما قبل الحرب خلال شهر. وهنا يظهر البعد الحقيقي للاستراتيجية الأمريكية: إعادة تشكيل التوازنات الخليجية عبر فرض اصطفاف كامل خلف السياسات الأمريكية.

رابعاً- الحائط العربي ورد الفعل

استنكرتها الدول العربية، خاصةً مصر والسعودية، باعتبار أن أمن الخليج يمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي. ولأن استقرار عُمان يشكل ضرورة استراتيجية لأمن الملاحة والطاقة والتوازنات الإقليمية. وهذه التصريحات وُصفت بأنها "خطاب بلطجة" لا يمت للدبلوماسية بصلة، ودائمًا ما تخطئ الحسابات الأمريكية في قراءة المشهد العربي؛ فالأمة العربية، لن تترك سلطنة عُمان وحيدة في مواجهة هذه التهديدات، كما لا ننسى أن هذه القوى تمتلك أوراق ضغط جيوسياسية واقتصادية هائلة قادرة على لجم أي تهور أمريكي، والتأكيد على أن العرب ليسوا مجرد ساحة لتصفية الحسابات الدولية، بل هم قوة كبرى لها مكانتها وثقلها في رسم التوازنات العالمية وحماية مياههم الإقليمية بأيديهم.

لقد أثبتت التجارب أن سياسة التهديد لا تصنع استقراراً دائماً، بل تؤسس لموجات جديدة من الفوضى وعدم اليقين وأميركا لا تتحمل خاصة ترمب ودخول الانتخابات القادمة. وبينما حاول ترامب تقديم نفسه بوصفه رئيساً يتجنب "الحروب الكبرى"، فإن حصيلة سنوات حكمه تكشف اتساع دائرة التدخلات العسكرية والضغوط العابرة للقارات.

 

خامساً- ذُعر القنبلة الموقوتة:

بنى ترامب جزءاً كبيراً من مبررات حصاره لإيران على نظرية فيزيائية واقتصادية روج لها في خطاباته خلال شهري أبريل ومايو، حيث زعم أن آبار النفط الإيرانية عبارة عن قنبلة موقوتة، وادعى أنه نتيجة للحصار وعدم قدرة إيران على تصدير أو تخزين النفط، فإن إغلاق خطوط الأنابيب والآبار سيؤدي إلى انفجارها من الداخل وتدمير البنية التحتية الجوفية بالكامل بحيث لا يمكن استعادتها أبداً.

من الناحية الهندسية والجيولوجية:

 كلام ترامب يتضمن مبالغات سياسية واضحة؛ فرغم أن عملية الإغلاق التام للآبار تمثل تحدياً هندسياً معقداً قد يخل بتوازن الضغط الجوفي ويسبب تآكل المضخات أو تسرب المياه وتضرر الخزانات، إلا أن حدوث "انفجارات كارثية ذاتية" أمر مستبعد تماماً. وإيران تمتلك خبرة واسعة في هذا المجال، حيث سبق لها إغلاق آبارها وإعادة تشغيلها تدريجياً دون أضرار دائمة، كما حدث إبان جائحة كورونا عام 2020 عندما انهارت الأسعار العالمية إلى ما دون الصفر. ومع ذلك، استخدم ترامب هذا التهويل كأداة ضغط لترهيب دول الخليج ومنع أي تقارب أو تنسيق مع طهران.

 

وقفة: 

إن الجغرافيا ثابتة والتاريخ متحرك، ومن يظن أن القنابل والتهديدات قادرة على محو سيادة الأوطان، سينتهي به المطاف تائهاً في رمال الشرق الأوسط.. فالإمبراطوريات تخبو وتتغير أدوارها، وتبقى الدول الراسخة بصمود أمتها وتلاحم عمقها العربي، ليبقى الدرس الأهم في الجغرافيا السياسية الحديثة أن القوة التي لا يضبطها العقل تتحول إلى عبء على النظام الدولي، وأن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق عبر لغة النسف والتهديد، بل عبر بناء منظومة توازن واحترام متبادل تحفظ سيادة الدول وأمن الشعوب. @drIbrahimgalal

 

 

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال