19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

تركيا.. وموازين القوى

هذا ما سعت إليه تركيا خلال السنوات العشر الماضية، حيث انتقلت من مرحلة الدفاع عن استقرارها الداخلي إلى مرحلة السعي لترسيخ موقعها كقوة إقليمية تمتلك أدوات التأثير السياسي والعسكري والاقتصادي.

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
منذ 10 ساعة
10 دقائق قراءة
11 مشاهدة
علم تركيا يرفرف بجانب شعار حلف شمال الأطلسي بمقر الحلف في بروكسل بصورة من أرشيف رويترز.

علم تركيا يرفرف بجانب شعار حلف شمال الأطلسي بمقر الحلف في بروكسل بصورة من أرشيف رويترز.

إن الديمقراطية ليست مجرد نظام للحكم، بل هي وعيٌ شعبي يحمي السيادة الوطنية عندما تتعثر المؤسسات، فلقد أثبتت التجارب أن الدول لا تُقاس بحجم الأزمات التي تواجهها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأزمات إلى فرص استراتيجية. وهذا ما سعت إليه تركيا خلال السنوات العشر الماضية، حيث انتقلت من مرحلة الدفاع عن استقرارها الداخلي إلى مرحلة السعي لترسيخ موقعها كقوة إقليمية تمتلك أدوات التأثير السياسي والعسكري والاقتصادي.

بناء موازين القوى

لم يكن الخامس عشر من يوليو 2016 مجرد محاولة انقلاب عسكري في تركيا، بل كان لحظة تاريخية أعادت تشكيل فلسفة الدولة التركية داخلياً وخارجياً. ففي تلك الليلة التي سقط خلالها 253 قتيلاً وأكثر من 2700 جريح، لم تتغير معادلة الحكم فقط، وإنما بدأت أنقرة رحلة إعادة بناء مفهوم الأمن القومي، والاعتماد على الذات، وإعادة تموضعها في النظامين الإقليمي والدولي. وبعد مرور عقد كامل، تبدو تركيا اليوم مختلفة في أدواتها العسكرية، وعلاقاتها الدولية، وصناعاتها الدفاعية، وحتى في طريقة إدارتها لموازين القوى في الشرق الأوسط.

فعقب أحداث يوليو 2016 تنفيذ واحدة من أكبر عمليات إعادة هيكلة للمؤسسات العسكرية والأمنية في تاريخ الجمهورية التركية، بالتوازي مع تسريع برامج التصنيع الدفاعي المحلي. وتشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية ارتفعت من نحو 20% مطلع الألفية إلى ما يقارب 80% خلال السنوات الأخيرة، فيما تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية 7 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يعكس تحول هذا القطاع إلى أحد أعمدة الاقتصاد والسياسة الخارجية التركية.

ولم يعد الجيش التركي يعتمد بالدرجة نفسها على الموردين الخارجيين، بل توسعت قدراته في إنتاج الطائرات المسيّرة، والسفن الحربية، والعربات المدرعة، وأنظمة الاستشعار والاتصالات، مع استمرار العمل على مشروع المقاتلة الوطنية "قآن"، بما يعزز استقلال القرار العسكري ويقلل من أثر القيود المفروضة على التسليح.

الناتو... إعادة ضبط البوصلة مع الغرب

إن التحولات الأمنية التي فرضتها الحرب في أوكرانيا أعادت التأكيد على الأهمية الجيوسياسية لتركيا داخل الحلف، فتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو من حيث عدد القوات، وتسيطر على المضائق التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط، وتستضيف قواعد ومنشآت ذات أهمية استراتيجية للحلف. كما أن موقعها الجغرافي يجعلها نقطة ارتكاز في ملفات تمتد من أوروبا الشرقية إلى القوقاز والشرق الأوسط.

ولقد شهدت العلاقات بين أنقرة وحلف شمال الأطلسي خلال الأعوام الماضية محطات معقدة، خاصة بعد شراء منظومة S-400 الروسية، وهو ما أدى إلى استبعاد تركيا من برنامج F-35 وفرض عقوبات أمريكية. فبعد سنوات من محاولات التنوع الاستراتيجي والتقارب مع موسكو، أثبتت التحولات العميقة في بيئة الأمن الأوروبية، لا سيما بعد غزو أوكرانيا عام 2022، حدود الرهان التركي على الشراكة الروسية، فرغم أن حجم التجارة الثنائية بين أنقرة وموسكو قفز في عام 2022 ليبلغ أكثر من 60 مليار دولار، ورغم الاعتماد الطاقوي الكثيف حيث كانت روسيا تؤمن أكثر من 50% من إمدادات الغاز التركية في عام 2018، إلا أن أزمات الطاقة والعقوبات الغربية الصارمة فرضت على صناع القرار في أنقرة عودة حتمية إلى أحضان حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأوروبا والولايات المتحدة.

ولم يكن هذا التحول مجرد مناورة سياسية، بل خطة استراتيجية لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي ليراجع إلى أقل من 40% بنهاية عام 2025، ترافقاً مع إبرام صفقة ممتدة لـ15 عاماً لشراء 1500 شحنة من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. كما انخفضت الصادرات النفطية الروسية إلى تركيا بنسبة تجاوزت 60% في أكتوبر 2025 بعد تحول المصافي التركية نحو منتجين آخرين مثل كازاخستان والعراق. إن العودة إلى الناتو وتفعيل الشراكات الدفاعية الغربية، مثل صفقة مقاتلات "يوروفايتر تايفون"، يعكسان إدراكاً تركياً عميقاً بأن مظلة الأمن الجماعي للأطلسي هي الضمانة الوحيدة لمواجهة التهديدات الصاروخية الباليستية الإقليمية، وهو ما تجسد فعلياً عندما اعترضت أنظمة الدفاع المرتبطة بالناتو صواريخ اخترقت الأجواء خلال النزاعات الأخيرة في المنطقة.

شرق المتوسط... تنافس نفوذ لا حتمية صدام

أصبح شرق البحر المتوسط أحد أكثر الأقاليم حساسية في العالم، ليس فقط بسبب احتياطيات الطاقة، وإنما لأنه يمثل عقدة للممرات البحرية والتجارية. وفي هذه البيئة، تتقاطع مصالح تركيا وإسرائيل وعدد من القوى الإقليمية والدولية، ما يجعل المنطقة ساحة تنافس سياسي وعسكري واقتصادي متواصل، ويتمثل جوهر هذا التنافس في اختلاف الرؤى حول ترتيبات الأمن الإقليمي، ومشروعات الطاقة، وخطوط النقل، وحدود المناطق الاقتصادية البحرية. وفي المقابل، لا توجد مؤشرات رسمية تؤكد حتمية اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، رغم استمرار التوتر السياسي والتصريحات المتبادلة. 

ومن هذا المنطلق، تعمل أنقرة على تعزيز قدراتها البحرية والجوية، مع عدم تحقيق الحرب الإسرائيلية ضد إيران حسماً استراتيجياً كاملاً، وبقاء النفوذ الإيراني فاعلاً وممتداً، تتخوف تل أبيب من قيام أنقرة بملء الفراغات الجيوسياسية الناشئة في الإقليم، مستفيدة من قنوات اتصالها المباشرة مع الإدارة الأمريكية والشرعية الدولية التي تتمتع بها.. بينما تواصل إسرائيل تحديث منظوماتها الدفاعية والجوية، في إطار سباق يهدف إلى تعزيز الردع أكثر من السعي إلى المواجهة.

ويظهر هذا التنافس الشرس أيضاً في البعد الجيو-اقتصادي عبر صراع الممرات؛ حيث يواجه مشروع الممر الاقتصادي المدعوم أمريكياً وإسرائيلياً (بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا) مشروع "طريق التنمية" التركي-العراقي الطموح الذي يسعى لربط ميناء الفاو بالأراضي التركية وصولاً إلى أوروبا، مما يعني صراعاً مباشراً على احتكار القلب الجغرافي للتجارة العالمية.

غزة وتقارب يُعيد الحسابات

شهدت العلاقات المصرية التركية خلال الأعوام الأخيرة تحولاً لافتاً بعد سنوات من التباعد، إذ اتجه البلدان إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية، وتكثيف الاتصالات السياسية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والأمني، في ظل إدراك متبادل لأهمية الاستقرار الإقليمي لاسيما في غزة وفلسطين ككل. ويمثل هذا التقارب أحد أبرز التحولات في شرق المتوسط، إذ إن مصر وتركيا تمتلكان ثقلين عسكريين وسياسيين واقتصاديين مؤثرين، كما أن تعاونهما في ملفات الملاحة والطاقة والأمن البحري يمكن أن يسهم في خفض التوتر وتعزيز الاستقرار، دون أن يعني ذلك قيام تحالف عسكري معلن أو موجه ضد طرف بعينه.

إن التنسيق بين القاهرة وأنقرة يتجاوز التفاهمات الدبلوماسية إلى بناء استراتيجية ردع جوي وبحري مشترك؛ حيث يسعى الطرفان إلى حماية حدودهما الاقتصادية الخالصة وتأمين خطوط الملاحة وشبكات الطاقة في شرق المتوسط في مواجهة التحالفات المضادة. هذا المحور الجديد يمنح تركيا عمقاً عربياً وإقليمياً حاسماً، ويجعل من أي محاولة عسكرية لفرض وقائع أمنية جديدة في المنطقة مغامرة غير محسوبة العواقب، خاصة أن التنسيق العسكري المصري-التركي يغلق الباب أمام محاولات الاستفراد بأي جبهة على حدة، ويؤسس لمرحلة جديدة من توازن القوى الإقليمي القائم على القوة الصلبة والموثوقية الجيوسياسية.

الاقتصاد... الوجه الآخر للقوة

لا يمكن فصل المكانة الجيوسياسية عن الأداء الاقتصادي. فعلى الرغم من التحديات المرتبطة بالتضخم وتقلبات سعر الصرف، ما تزال تركيا تحتفظ بقاعدة صناعية واسعة، وشبكة بنية تحتية متطورة، واقتصاد متنوع يعتمد على الصناعة والسياحة والزراعة والخدمات. كما يظل قطاع الصناعات الدفاعية أحد أسرع القطاعات نمواً، ليس فقط من حيث التصدير، بل أيضاً في نقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وتعزيز الابتكار، وهو ما ينعكس على القدرة التنافسية للاقتصاد التركي.

يوضح الجدول التالي التحولات العميقة التي شهدتها الدولة التركية في مسار بحثها عن الاستقلال الاستراتيجي وبناء عناصر القوة بين الماضي والحاضر وتطلعات المستقبل:

 

المحور الاستراتيجي

الماضي (2015 - 2022)

الحاضر (2025 - 2026)

المستقبل (رؤية 2028 - المئوية)

التموضع الدفاعي والأطلسي

رهان واسع على موسكو، شراء منظومة S-400، وتوتر شديد مع حلفاء الناتو والولايات المتحدة.

عودة كاملة للناتو، تراجع دور S-400، والمطالبة باستعادتها رسمياً والاعتماد على منظومات SAMP-T وباتريوت.

بناء فيلق متعدد الجنسيات للناتو في تركيا بحلول 2028، وتكامل تام مع الصناعات الدفاعية الأوروبية.

أمن الطاقة والتبادل الاقتصادي

الاعتماد على الغاز الروسي بنسبة تتجاوز 50%، ومشاريع نووية تحت السيطرة الروسية الكاملة مثل محطة "أكويو".

تراجع الغاز الروسي لأقل من 40%، وعقود ممتدة مع واشنطن، والبحث عن بدائل عبر تركمانستان وإيران.

تشغيل المحطة النووية الثانية في "سينوب" بالتعاون مع واشنطن وسول، وتحقيق الاستقلال الطاقوي الكامل.

النفوذ الإقليمي والممرات

خلافات سياسية حادة مع المحيط العربي، ومواجهات بالوكالة في الساحة السورية وضغوط أمنية حدودية.

تحالف عسكري مع مصر (زيارة وزير الدفاع)، سقوط نظام الأسد وتراجع النفوذ الروسي بسوريا، وإطلاق "طريق التنمية".

ترسيخ أنقرة كالعقدة الجغرافية والاقتصادية الرئيسية بين الخليج وأوروبا، وقيادة التوازنات الأمنية بشرق المتوسط.

 

النتيجة الحتمية لهذه القراءة التحليلية تشير إلى أن تركيا لم تتخلَّ عن طموحها في امتلاك هامش حركة واسع واستقلال استراتيجي، ولكنها أدركت بعمق أن حماية هذا الاستقلال وتأمين اقتصادها وقدراتها الدفاعية يتطلب العمل من داخل مظومة أمنية دولية قوية وبناء تحالفات متينة مع القوى الإقليمية الوازنة مثل مصر. إن التلاحم بين الذكرى التاريخية للصمود الشعبي وبين الإنجازات التكنولوجية والعسكرية الراهنة يضع تركيا أمام عهد جديد تصبح فيه جبهة عصية على الاحتواء، وركيزة أساسية في صياغة النظام الإقليمي المقبل.

بين الماضي والمستقبل

تكشف السنوات العشر الماضية أن تركيا انتقلت من مرحلة الدفاع عن النظام السياسي إلى مرحلة بناء أدوات قوة متعددة الأبعاد. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تحقق أهدافها دون اقتصاد قادر على التمويل، ولا دون دبلوماسية تحسن إدارة التوازنات، ولا دون مؤسسات تستوعب المتغيرات الدولية. واليوم، تقف أنقرة أمام تحديات وفرص في آن واحد. فهي مطالبة بالحفاظ على توازن دقيق بين التزاماتها داخل الناتو، وعلاقاتها مع القوى الإقليمية، وطموحاتها في تعزيز استقلال قرارها الاستراتيجي. كما أن نجاحها في ذلك سيعتمد على قدرتها على توظيف عناصر القوة الوطنية ضمن رؤية طويلة المدى، بعيداً عن ردود الفعل الآنية.

لقد أثبتت التجربة التركية أن التحولات الكبرى لا تُقاس فقط بما يحدث في لحظة الأزمة، وإنما بما تنتجه تلك الأزمة من سياسات ومؤسسات ورؤى جديدة. ومن هذا المنظور، يبقى الخامس عشر من يوليو محطة مفصلية في التاريخ السياسي التركي، ليس لأنه غيّر مسار الحكم فحسب، بل لأنه فتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تعريف دور تركيا في محيطها الإقليمي والدولي.

وقفة: إن الدول العظيمة لا تنسحب من التاريخ عندما تواجه الأزمات، بل تعيد صياغة استراتيجياتها وتحالفاتها لتصنع مستقبلاً أكثر قوة.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير