12 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بين موسكو وواشنطن: هل تنجح تركيا في تحويل أزمة S-400 إلى فرصة لإعادة التموضع الاستراتيجي؟

عندما وقعت تركيا عقد شراء منظومة S-400 عام 2017، لم يكن القرار مجرد صفقة دفاعية، بل حمل أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة.

بقلم: د. بكير أتاجان
منذ 4 ساعة
8 دقائق قراءة
8 مشاهدة
أردوغان يستقبل ترامب بمطار أنقرة

أردوغان يستقبل ترامب بمطار أنقرة

مقدمة

تُعد أزمة منظومة S-400 الروسية إحدى أبرز المحطات التي أعادت تشكيل العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية خلال العقد الأخير، ليس لأنها ترتبط بمنظومة دفاع جوي فحسب، وإنما لأنها تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة دولة متوسطة القوة، وعضو في حلف شمال الأطلسي، على المناورة بين قوتين عظميين تتصاعد بينهما المنافسة الجيوسياسية بصورة غير مسبوقة.

واليوم، ومع تزايد الحديث عن مفاوضات بين أنقرة وموسكو بشأن نقل منظومات S-400 إلى دولة ثالثة، يبرز سؤال يتجاوز مستقبل المنظومة ذاتها: هل تسعى تركيا إلى إغلاق صفحة من الخلاف مع الولايات المتحدة، أم أنها بصدد إعادة صياغة موقعها الاستراتيجي ضمن نظام دولي يتجه تدريجياً نحو تعددية أكثر تعقيداً؟

هذا السؤال لا يتعلق فقط بالعلاقات التركية الأمريكية أو التركية الروسية، بل يلامس طبيعة السياسة الخارجية التركية ذاتها، التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من محاولة تحقيق التوازن بين القوى الكبرى إلى توظيف هذا التوازن كأداة لتعظيم المصالح الوطنية.

أولاً: من أزمة تسليح إلى أزمة تموضع استراتيجي

عندما وقعت تركيا عقد شراء منظومة S-400 عام 2017، لم يكن القرار مجرد صفقة دفاعية، بل حمل أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة. فقد اعتبرته واشنطن تهديداً لمنظومة الأمن الأطلسي، وردت بإخراج تركيا من برنامج F-35 وفرض عقوبات بموجب قانون CAATSA.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت المنظومة رمزاً لحالة عدم الثقة المتبادلة بين أنقرة وواشنطن، أكثر من كونها مجرد نظام دفاع جوي.

لكن البيئة الاستراتيجية التي دفعت تركيا إلى اتخاذ ذلك القرار تغيرت بصورة ملحوظة. فقد تطورت الصناعات الدفاعية التركية بشكل كبير، وأصبحت أنقرة تمتلك قاعدة صناعية أكثر استقلالية، إلى جانب مشاريع وطنية متقدمة في الدفاع الجوي، وعلى رأسها مشروع “القبة الفولاذية”، فضلاً عن توسع قدراتها في الصناعات الجوية والمسيرات والأنظمة الإلكترونية.

وبناءً على ذلك، فإن القيمة العسكرية لمنظومة S-400 لم تعد كما كانت قبل سنوات، بينما ارتفعت القيمة السياسية للتخلص من تبعاتها إذا كان ذلك سيفتح الباب أمام إعادة بناء العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة.

ثانياً: ما الذي تريده أنقرة من واشنطن؟

لا يبدو أن الهدف التركي يقتصر على التخلص من ملف شائك، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة بناء إطار التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

فالعودة إلى برنامج F-35، أو الحصول على بدائل متقدمة، ورفع العقوبات، واستئناف التعاون الدفاعي والتكنولوجي، تمثل بالنسبة لأنقرة مكاسب ذات أبعاد تتجاوز الجانب العسكري، لأنها تعزز مكانة تركيا داخل الناتو، وتفتح آفاقاً اقتصادية وصناعية جديدة، وتمنحها مساحة أوسع في بيئة أمنية تشهد تصاعداً في المنافسة بين القوى الكبرى.
ومن هذا المنظور، فإن S-400 أصبحت تمثل ورقة تفاوض أكثر منها أداة دفاعية.

ثالثاً: موسكو… خسارة ورقة لا خسارة شريك

في المقابل، تدرك روسيا أن خروج S-400 من تركيا، إذا حدث، سيحمل دلالات سياسية تتجاوز القيمة العسكرية للمنظومة.

فالمنظومة مثلت طوال السنوات الماضية رمزاً لاختراق روسي غير مسبوق داخل دولة عضو في حلف الناتو، كما شكلت إحدى أدوات النفوذ السياسي في العلاقة مع أنقرة.
ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن هذه الخطوة ستؤدي إلى انهيار العلاقات التركية الروسية يبدو مبالغاً فيه.

فالعلاقة بين البلدين لم تعد قائمة على صفقة تسليح واحدة، بل أصبحت شبكة معقدة من المصالح المتبادلة تشمل الطاقة، والتجارة، والسياحة، والاستثمار، والتنسيق في سوريا، والتفاهمات في جنوب القوقاز، فضلاً عن التعاون في ملفات إقليمية أخرى.

وبعبارة أخرى، قد تخسر موسكو إحدى أوراق الضغط المهمة، لكنها لن تخسر شريكاً إقليمياً يصعب استبداله في العديد من الملفات.

وفي المقابل، تدرك أنقرة أن روسيا تمتلك أدوات ضغط متنوعة، وأنها قادرة على الفصل بين الاقتصاد والسياسة، واستخدام وسائل ضغط انتقائية دون الوصول إلى القطيعة الشاملة، وهو ما يفرض على صانع القرار التركي إدارة هذا التحول بدرجة عالية من الحذر.

رابعاً: الدبلوماسية التركية… من سياسة التوازن إلى سياسة تعظيم المكاسب

خلال العقد الأخير، تبنت تركيا مقاربة تقوم على تنويع الشراكات الاستراتيجية وعدم الارتهان لمحور واحد.

ولم يعد الهدف التركي يتمثل في الاختيار بين الشرق والغرب، بل في تعظيم هامش الحركة بينهما. وتعكس هذه المقاربة إدراكاً تركياً بأن القوة في النظام الدولي الحالي لا تنبع فقط من القدرات العسكرية أو الاقتصادية، وإنما من القدرة على إدارة العلاقات المتنافسة في وقت واحد.

فتركيا تستفيد من عضويتها في الناتو، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات تعاون واسعة مع روسيا، وتوسع شراكاتها مع آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا. وتوفر هذه السياسة لأنقرة مرونة تفاوضية يصعب تحقيقها في ظل الاصطفاف الكامل مع أحد المعسكرين.

خامساً: هل يستطيع أردوغان الحفاظ على هذا التوازن؟

يبدو أن الرئيس رجب طيب أردوغان يدرك أن الولايات المتحدة ستظل الشريك الأمني الأكثر أهمية بالنسبة لتركيا داخل الناتو، وأن إعادة تنشيط العلاقة معها تحمل فوائد استراتيجية واضحة.

وفي الوقت ذاته، يدرك أن خسارة روسيا ستنعكس مباشرة على ملفات تمس الأمن القومي التركي، وفي مقدمتها سوريا، وأمن الطاقة، والتوازنات الإقليمية.

لذلك، فإن الهدف لا يبدو اختيار أحد الطرفين، وإنما منع تحولهما إلى خصمين في آن واحد. غير أن هذه المقاربة ليست خالية من المخاطر.

فسياسة التوازن تتطلب قراءة دقيقة للتحولات الدولية، لأن الإفراط في الاقتراب من أحد الأطراف قد يؤدي إلى تراجع الثقة لدى الطرف الآخر، كما أن الدول الكبرى لا تنظر دائماً بعين الرضا إلى محاولات الشركاء تعظيم مكاسبهم على حساب توازنات التحالفات.

ومن هنا، فإن نجاح السياسة التركية سيظل مرتبطاً بقدرتها على إدارة هذا التوازن دون تجاوز الخطوط الحمراء التي يرسمها كل من موسكو وواشنطن.

سادساً: هل كان قرار S-400 خطأً استراتيجياً؟

يبقى هذا السؤال محل نقاش بين الباحثين وصناع القرار.

فمن جهة، يرى منتقدو الصفقة أنها أدت إلى خسائر كبيرة، تمثلت في استبعاد تركيا من برنامج F-35، وفرض عقوبات أمريكية، وإضعاف الثقة داخل الحلف الأطلسي.
ومن جهة أخرى، يرى مؤيدو القرار أنه جاء في سياق ظروف أمنية معقدة، وأنه وفر لأنقرة هامشاً أوسع للمناورة، وساهم بصورة غير مباشرة في تسريع مسار الاعتماد على الصناعات الدفاعية المحلية.

ولذلك، فإن تقييم القرار لا ينبغي أن ينطلق من نتائجه المباشرة فقط، وإنما من تأثيره على المسار الاستراتيجي التركي بأكمله.

أما ما يجري اليوم، فيمكن فهمه بوصفه محاولة لتصحيح مسار بعض تداعيات تلك المرحلة، وليس بالضرورة تراجعاً عن فلسفة الاستقلالية التي حكمت السياسة التركية خلال السنوات الماضية.

خاتمة

تكشف أزمة S-400 أن السياسة الخارجية التركية دخلت مرحلة جديدة، لم تعد تقوم على مفهوم التحالفات الجامدة بقدر ما تقوم على إدارة التنافس بين القوى الكبرى بما يخدم المصلحة الوطنية.

وتبدو أنقرة اليوم مقتنعة بأن مصدر قوتها لا يكمن في الانحياز الكامل لأي محور، بل في موقعها الجيوسياسي، وقدراتها العسكرية المتنامية، وامتلاكها أوراقاً تجعل مختلف القوى الدولية بحاجة إلى التعاون معها.

غير أن هذه الاستراتيجية، رغم ما توفره من فرص، ليست ضمانة دائمة للنجاح. فإدارة التوازن بين قوتين بحجم الولايات المتحدة وروسيا تتطلب دقة استثنائية في الحسابات، ومرونة في إدارة الأزمات، وقدرة مستمرة على التكيف مع التحولات الدولية.

وعليه، فإن الملف لم يعد يتعلق بمستقبل منظومة S-400 بقدر ما أصبح اختباراً لقدرة تركيا على تثبيت مكانتها كقوة إقليمية مستقلة نسبياً، قادرة على تعظيم مصالحها دون الانزلاق إلى مواجهة مع أي من الشريكين الرئيسيين.

وفي ضوء المعطيات الحالية، تبدو أنقرة أقرب إلى انتهاج سياسة إعادة التموضع الاستراتيجي منها إلى سياسة تغيير التحالفات. ويبقى نجاح هذه المقاربة رهناً بقدرتها على الحفاظ على توازن دقيق بين المصالح المتعارضة، في بيئة دولية تتسم بتسارع التحولات، وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وتراجع اليقين الاستراتيجي.

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال