7 يوليو 2026|القاهرة 28 °

توفيق زياد… الرجل الذي حوّل البقاء إلى مشروع وطني

ليس من السهل أن أكتب عن توفيق زياد. فالرجل أكبر من أن يُختزل في شاعر، وأعمق من أن يُقرأ بوصفه سياسيًا أو رئيس بلدية أو قائدًا حزبيًا.

بقلم: د. أسعد العويوي
منذ 1 يوم
6 دقائق قراءة
25 مشاهدة
توفيق زياد

توفيق زياد

ليس من السهل أن أكتب عن توفيق زياد. فالرجل أكبر من أن يُختزل في شاعر، وأعمق من أن يُقرأ بوصفه سياسيًا أو رئيس بلدية أو قائدًا حزبيًا. كلما حاولت أن أضعه في خانة واحدة، أفشل؛ لأن أبا الأمين كان حالة وطنية متكاملة، صاغت واحدة من أهم مراحل الفلسطينيين في الداخل بعد النكبة.

في رأيي، لم تكن عبقرية توفيق زياد في قصائده وحدها، بل في فهمه المبكر لطبيعة المعركة التي وجد الفلسطينيون أنفسهم فيها بعد عام 1948. أدرك أن الخطر الحقيقي لم يكن الاحتلال العسكري فحسب، بل محاولة إعادة تشكيل وعي الفلسطيني في الداخل، وتحويله إلى فرد معزول عن شعبه وتاريخه، يقبل وجوده بوصفه أقلية تبحث عن حقوق مدنية فحسب، لا جزءًا أصيلًا من شعب له قضية وطنية.

هنا تبرز عظمة أبي الأمين. فقد رفض هذا التعريف منذ البداية، وأصرّ على أن الفلسطيني الذي بقي في وطنه ليس بقايا شعب، بل هو امتداد للشعب الفلسطيني كله. ولذلك لم يسمح بأن تتحول المواطنة التي فرضها الواقع إلى بديل عن الهوية الوطنية. كان يرى أن الإنسان يستطيع أن يطالب بحقوقه المدنية كاملة، وفي الوقت نفسه يتمسك بانتمائه الوطني، دون تناقض أو مساومة.

أعتقد أن هذه كانت أهم مساهمة فكرية وسياسية لتوفيق زياد. فقد أعاد تعريف معنى البقاء. لم يعد البقاء مجرد نجاة من النكبة، بل أصبح فعل مقاومة بحد ذاته. أن تبقى في أرضك، وأن تحافظ على لغتك، وأن تعلّم أبناءك تاريخهم، وأن تزرع شجرة، وأن تكتب قصيدة، وأن ترفع رأسك في وجه سياسات الاقتلاع… كل ذلك، في نظره، كان أشكالًا متكاملة للمقاومة.

ولذلك لم يكن شعره منفصلًا عن مشروعه السياسي. فقصيدة «هنا باقون» لم تكن مجرد نص أدبي، بل كانت إعلانًا عن فلسفة وطنية كاملة. لقد قدّم فيها تعريفًا جديدًا للصمود، ليس باعتباره انتظارًا سلبيًا، وإنما حضورًا يوميًا يرفض الذوبان، ويُصر على البقاء فاعلًا في الأرض والتاريخ.

ومن يقرأ تجربة أبي الأمين بعمق، يكتشف أنه لم يكن يقاتل على جبهة واحدة. فقد واجه محاولات مصادرة الأرض، ودافع عن الهوية الوطنية، وسعى إلى بناء مؤسسات تخدم الناس، وآمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل جزءًا من معركة الوجود. كان يعرف أن المدرسة، والقصيدة، والبلدية، والمظاهرة، والعمل الشعبي، كلها ميادين متساوية الأهمية في حماية المجتمع الفلسطيني في الداخل. ولم يكن ديوان «سجناء الحرية» مجرد مجموعة شعرية، بل وثيقة وطنية جسّدت إيمانه بأن الكلمة شريك في معركة الدفاع عن الكرامة والأرض والحقوق الوطنية، وأن الشعر قادر على حماية الذاكرة الوطنية كما تحميها المواقف والنضال. ولهذا لم يكن إنتاجه الأدبي منفصلًا عن مشروعه السياسي، بل كان امتدادًا له، يرسخ الوعي ويمنح الإنسان الفلسطيني الثقة بعدالة قضيته.

كما أرى أن أعظم ما تركه توفيق زياد لم يكن القصائد وحدها، بل ثقافة الكرامة. لقد ربّى جيلًا كاملًا على أن الفلسطيني في الداخل لا ينبغي أن يعيش بعقلية الضحية، بل بعقلية صاحب الأرض الذي يعرف حقه ويتمسك به بثقة، دون خوف أو شعور بالنقص. ولهذا بقي حضوره يتجاوز حدود مدينته الناصرة، ليصبح رمزًا لكل الفلسطينيين.

ومع ذلك، فإن قراءة أبي الأمين اليوم لا ينبغي أن تكون قراءة احتفالية فقط. فلو عاد بيننا، ربما لسألنا سؤالًا مؤلمًا: هل ما زلنا نحافظ على المشروع الذي ناضل من أجله؟ هل بقيت وحدتنا الوطنية كما أرادها؟ وهل ما زالت الكلمة تقوم بدورها في بناء الوعي، أم أصبحت أسيرة الانفعال العابر؟

أخشى أحيانًا أننا نحفظ قصائده أكثر مما نفهم رسالتها. نردد عباراته، لكننا لا نتوقف طويلًا أمام الفكرة التي كان يريد ترسيخها: أن الصمود ليس شعارًا، بل مسؤولية يومية، وأن الهوية لا تُورث تلقائيًا، بل تُبنى بالتربية والثقافة والعمل، وأن الوطن لا يحميه الغضب وحده، بل يحميه الإنسان الواعي والمنظم والقادر على تحويل الألم إلى فعل.

ومن هنا، فإن المسؤول الفلسطيني اليوم بحاجة إلى أن يقرأ تجربة توفيق زياد بعمق، لا أن يكتفي بالاحتفاء باسمه أو ترديد قصائده. فكل مسؤول فلسطيني ينبغي أن يجد في أبي الأمين نموذجًا يُحتذى؛ نموذج المسؤول الذي جعل من موقعه خدمةً لشعبه، ومن الكلمة موقفًا، ومن الثقافة فعلًا وطنيًا، ومن الدفاع عن الإنسان والأرض والحقوق الوطنية رسالةً يومية. فهذه هي المدرسة التي أسسها توفيق زياد، وهي المدرسة التي ما زالت فلسطين بحاجة إليها في كل مؤسسة وكل موقع مسؤولية.

لهذا، فإن توفيق زياد بالنسبة إليّ ليس مجرد ذكرى جميلة من الماضي، بل مشروع لم يكتمل بعد. وكلما اشتدت الأزمات، ازددت اقتناعًا بأننا بحاجة إلى قراءة تجربته من جديد، لا لنكررها حرفيًا، بل لنستوعب جوهرها. فقد فهم أن معركة الفلسطيني في الداخل ليست معركة بقاء جسدي فقط، بل معركة بقاء للهوية والذاكرة والكرامة.

رحل أبو الأمين، لكن فكرته ما زالت حيّة، كما بقيت كلماته في «سجناء الحرية» و«هنا باقون» شاهدةً على أن الشعر قد يتحول إلى موقف، وأن الثقافة قد تصبح جبهة مقاومة، وأن المسؤولية الوطنية تُقاس بمدى الانحياز للإنسان والأرض والحرية. وما دام في هذه البلاد من يؤمن بأن الأرض ليست سلعة، وأن الهوية ليست شعارًا، وأن الكلمة تستطيع أن تصنع وعيًا، فإن توفيق زياد سيبقى حاضرًا، لا كشخصية من التاريخ، بل كجزء من المستقبل الذي ما زال الفلسطينيون يسعون إلى بنائه.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. أسعد العويوي

الدكتور أسعد العويوي، أستاذ العلوم السياسية والقضية الفلسطينية في جامعة القدس.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

توفيق زياد… الرجل الذي حوّل البقاء إلى مشروع وطني - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°